اجتثاث البعث و التبعيث القسري وجهان لعملة استبدادية شمولية واحدة!
علاء اللامي اجتثاث البعث و التبعيث القسري وجهان لعملة استبدادية شمولية واحدة! شيئان لا يمكن فرضهما بقوة القانون أو السلاح: الحب والايمان. ومن هذين الأصلَين نشتق عدم امكانية فرض الكره وعدم الايمان لأنهما من ذات النسيج التكويني! وقد حاول النظام الشمولي الصدامي أن يفرض علي العراقيين الايمان بفكره وعقيدته الأيديولوجية وبالتالي الانتماء الي حزبه باستعمال القسر المدعوم بالقوة والعسف ففشل فشلا ذريعا وكانت انتفاضة ربيع 1991 خاتمة مأساوية لتلك التجربة القميئة حين وقفت الغالبية الشعبية بما فيها مئات الآلاف من البعثيين المنضوين قسرا الي الحزب ضده. غير أن النظام وعلي دأبه المعهود ركب رأسه وجعل احدي أذنيه من طين وأخري من عجين كما يقول المثل الشعبي ولم ينتبه لخطورة المأزق الذي انتهي اليه.حادثان وقعا خلال الأسبوع الفائت لهما دلالات سياسة مهمة ضمن هذا السياق: الأول هو ما أقدمت عليه هيئة اجتثاث البعث من اقتراح مادة دستورية علي مجلس النواب خلاصتها اعادة البعثيين بدرجة عضو فرقة الي وظائفهم التي فصلوا منها واحالة البعثيين بدرجة عضو شعبة الي التقاعد. هذا الحادث يمكن اعتباره محاولة لتنظيم عمل هذه الهيئة باتجاه التخفيف من الاجراءات الادارية والجزائية التي سارت عليها حتي الآن، ولن نتوقف مطولا عند هذا الحادث بل نسجل وحسب أن الهيئة واسمها واجراءاتها أمور لا علاقة لها بالمبادئ الديموقراطية التي يتشدق بها البعض ولا هي الطريقة المثلي لتصفية التراث والفكر الاستبدادي الفاشي والدكتاتوري الذي يطمح اليه الشعب. الحادثة الثانية وهي ما تناقلته وسائل الاعلام من محاولات دؤوبة تقوم بها مجاميع من أعضاء حزب البعث لاعادة تشكيل وتفعيل حزبهم وفق مضامين نقدية ورافضة لتجربة القيادة الصدامية التي جلبت الويلات والمصائب علي العراق وشعبه وليس آخر تلك الويلات الاحتلال وفقدان السيادة والاستقلال الوطني..لا ينكر حتي أعدي أعداء البعث، حزبا وفكرا وتجربة في الحكم السياسي دامت قرابة الأربعة عقود أنه أمسي جزءا مركزيا من التاريخ السياسي الحديث بكل عجر هذا الجزء وبجره وبأبيضه وما أندره وأسوده وما أوفره. ولعل المقام لا يسمح بالاسهاب في هذه القضية الحساسة والتي تهم ماضي وحاضر ومستقبل شعبنا مع أن كتابا وطنيين من معسكر مناهضة الاحتلال تصدوا مبكرا في كتابات عديدة لمواقف وحالة قيادة هذا الحزب ورأسه الأول ممثلا بالطاغية السجين صدام حسين محاولين مقاربة ما يسكت عنه أهل التجربة أو لتحريضهم علي نقد وتفكيك تجربتهم الطويلة التي تضمخت بالدماء وانتهت بكارثة وطنية قل نظيرها ألا وهي ضياع استقلال العراق ووقوعه تحت الاحتلال الأجنبي المباشر وتدمير الدولة والمجتمع تدميرا منهجيا شاملا ومستمرا دع عنك المآسي والعذابات التي تسببت بها تلك التجربة وما تلاها لملايين العراقيين .. ولهذا سنتناول علي جهة التخصيص الأنباء التي راجت مؤخرا في الاعلام والتي تحدثت عن محاولات نشطة وواسعة في مختلف أرجاء العراق لاعادة تنظيم هذا الحزب لنفسه من جديد ..من المنطقي أن تصطدم هذه المحاولات بعقبات كثيرة لعل من أهمها رفض ومقاومة الأحزاب الحاكمة والمشاركة في العملية السياسية لعودة البعث وهناك مواثيق وبرامج سياسية لأحزاب كبيرة تقوم علي هذه الأسس الرافضة. العقبة الثانية والأكثر تأثيرا هي رفض البعثيين الصداميين الذين استولوا علي مال وسلاح الدولة العراقية اثناء وقبل سقوط نظامهم وحاولوا فرض أنفسهم قائدا ومديرا للمقاومة العراقية بمختلف الوسائل.من التأثيرات الضارة والخطيرة لهذا المنهج الذي هو امتداد مباشر لعقلية التبعيث القسري وتقديس البطل الحزبي ممثلا بشخص الدكتاتور تنفير الجماهير العراقية من عملية المقاومة ذاتها، وتلطيخ سمعتها، حيث تصورها الكثيرون علي انها محاولة ليس لتحرير العراق من أجل استعادة السيادة والاستقلال بل من أجـــــل استعادة السلطة المفقودة من قبل الصداميين لا غير. ثم جاء تحالف الأمر الواقع بين أصحاب هذا النهـــــج وبين أكثر التيارات التكفيرية دموية وتطرفا ليـــزيد الطين بلة، الأمر الذي كان من نتائجه التي اعــــترفت بها بيانات البعث الصدامي انحشار المقاومة في رقعة جغرافية معينة وذات ولاءات وانتماءات مجتمعية محددة ومعروفة وتلك كانت هدية مجزية لقوي الاحتلال وحلفائها. بالعودة الي موضوع تشكيل هيئة اجتثاث البعث نلاحظ التكامل النوعي بين محتوي ونتائج عقلية التبعيث القسري وعقلية الاجتثاث بقوة السلاح والقانون. ومعروف أن المئات اذا لم يكن الآلاف من المواطنين العراقيين قد تمت تصفيتهم جسديا في مختلف أنحاء العراق دون محاكمات وتحت طائلة أو تهمة العضوية في حزب البعث وقد طالت تلك التصفيات آلاف العلماء والخبراء والعسكريين والفنانين والأدباء مما شكل استنزافا وتفريغا مشبوها وخطيرا لثروة العراق العلمية والتي لا يمكن تعويضها بسهولة وسرعة. في هذا الخصوص سادت وجهة نظر تبسيطية وغير منصفة تقول بالتمييز بين البعثيين الكبار والصغار وليس بين المدانين وغير المدانين بارتكاب جرائم بحق الشعب العراقي بعد محاكمات عادلة ونزيهة. يتبين خطل وسذاجة هذه النظرة التي تمارس الاجتثاث علي أساس الدرجة الحزبية حيث أعضاء الفرق يحالون علي التقاعد ان ظلوا علي قيد الحياة وتعيد أعضاء الشعب الي الخدمة. فالبعثي من رتبة حزبية بسيطة أو متدنية يعتبر بريئا بموجب خطاب الاجتثاثيين، أما البعثي الكبير والمتقدم فيتم تجريمه وفق هذا الخطاب. غير أن الواقع يقدم لنا أمثلة تناقض ذلك فكم من الجلادين في أجهزة أمن النظام ومليشياته ممـــن تلطخت أياديهم بالدماء وهم لم يتجاوزوا درجة نصير أو مؤيد وكم من البعثيين المتقدمين في السلم الحزبي وهم أبعد ما يكونون عن الأجهزة الأمنية وتجاوزاتها الاجرامية بل وبعضهم كانوا مسؤولين في مؤسسات الدولة ولهم دور بناء لا يمكن نكرانه وأياد بيضاء علي مناطقهم ومدنهم. ونستدرك هنا بأننا لا نقصد التعميم، لا علي النوع الأول ولا علي الثاني ولكنه واقع الحال الذي لا يمكن نكرانه في بعض تمظهراته والأمثلة المعروفة .. دعما لخطاب الاجتثاث، يحاول البعض مقارنة كيفية التعامل مع حزب البعث الصدامي في الحالة العراقية بحالة الحزب النازي في ألمانيا أو الفاشي في ايطاليا وفي هذه المقارنة الكثير من العسف والتبسيط والالتباس، فحتي في الحالتين الألمانية والايطالية جرت محاكمات دولية لزعماء النازية والفاشية ذوي المبادئ والأفكار والممارسات العنصرية والمنادية بالابادة الجماعية المنهجية، ولم يتم تشكيل هيئات للاجتثاث أو تتم عمليات تصفيات عشوائية دون محاكمات. لقد حُلَّ الحزب النازي فعلا وكان ذلك اجراء قانونيا في ضوء المبادئ والنشاطات العنصرية النازية المعلنة، ولكن ثمة اليوم أحزاب ومنظمات نازية لبعضها تمثيل في البرلمان وجماهيرية لا يمكن نكرانها، الأمر الذي لا يتطابق أو يتشابه مع حالة البعث في العراق. لقد كان ممكنا حظر الأحزاب القائمة علي أسس عنصرية أو فاشية دستوريا أما القضاء أو علي الأقل تطويق وشل وعزل الفلسفات والأفكار الرجعية العنصرية فلا يتم بالقوانين التي يسنها السائدون اليوم وبالرشاشات التي يحملها مناصروهم، بل يحدث ذلك وحسب بنضال ونشاط فكري وثقافي وحتي فني واسع النطاق قامت به النخب المنتجة في تلك المجتمعات ولم يكن للعصابات المسلحة أو لرجال الشرطة ذلك الدور الذي يريــــده البعض اليوم في التجربة العراقية .. الخلاصة الأكثر أهمية وصحة التي يمكن الركون اليها أن أية عملية نزع للفكر والممارسات العنصرية لا يمكن أن تتم في دولة قسرا ومن قوي محتلة ومركبة علي أسس بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية كالمحاصصة الطائفية والعرقية وفي مناخ مجتمعي محكوم باستقطاب طائفي حاد وتحريض ثأري وانتقامي، والخلاصة الثانية هي أن الاستبداد والفكر الشمولي يتوالد من بعضه البعض ولا عبرة في أن يطلق طرف ما صفة ديمقراطية علي نفسه ليكون ديمقراطيا طالما كان يفكر وينشط بعقلية التبعيث القسري أو الاجتثاث الثأري..ہ كاتب من العراق يقيم في جنيف8