لوحات من الفسيفساء تحاكي ذاكرة التاريخ وتستحضر سحر الشرق
معرض للفنان أيمن عنان في المركز الثقافي السوري في باريس:لوحات من الفسيفساء تحاكي ذاكرة التاريخ وتستحضر سحر الشرقباريس ـ القدس العربي ـ من منتجب صقر : يعتبر الموزاييك من أقدم الفنون في العالم فقد ظهر في الألف الرابع قبل الميلاد وقد وجدت أول لوحة موزاييك في بلاد الرافدين. كان الفنانون القدماء يعتمدون علي المسامير الفخارية في صنع لوحاتهم ثم يضعونها علي سطح من الجبس الأبيض ويقومون باستخدام الفحم لرسم الشكل التصويري للوحة وفي النهاية يقومون بوضع المسامير الفخارية. في البداية لم يكونوا يستخدمون الحجارة أو الرقم بل كانوا يقومون بحرق المسامير الفخارية بدرجة تسمح لهم بتدرج الألوان فالفخار المحروق جيدا ً يصبح لونه غامقا ًأما الفخار المحروق قليلا ً فيبقي لونه فاتحا. وبفضل هذه التدريجات كانوا يشكلون لوحاتهم. تطور هذا الفن في العهد الروماني فقد استخدم الفنانون الرومان الحجارة. وفي العهد البيزنطي استخدموا الحجارة والرقم. أما في العهد الأموي فقد استخدم الفنانون العرب الزجاج المذهب الملون والفصوص الرخامية والشاهد علي ذلك الفن الإسلامي في العهد الأموي هو لوحات الموزاييك التي تزين الجامع الأموي وكذلك لوحات الفسيفساء التي تزين الجامع الأقصي في فلسطين. ولما كان فن الفسيفساء واحدا من أقدم الفنون التزينية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا ً في سورية، كان لتتابع الحضارات في هذه المنطقة تأثير كبير علي الفنانين العرب الذين استقوا من تلك الحضارات أنماطا فنية مختلفة. وما زال علماء الآثار يعثرون علي المزيد من قطع الفسيفساء القديمة حتي الآن في مدن كثيرة مثل ماري وشهبا وإنطاكية والسويداء وتدمر وحماة وحلب. من هناك… من المدن المنسية في سورية… أتي الفنان الشاب أيمن عنان ليعرض لوحاته في المركز الثقافي السوري في باريس الذي استقبله خلال شهر أيار (مايو) 2006. قمنا بطرح بعض الأسئلة علي الفنان أيمن حول تجربته الفنية فكان لنا معه اللقاء التالي: نود لو نعرف لمحة عن مسيرتك الفنية واهتمامك بهذا الفن. في الحقيقة، السبب في اختياري لهذا الفن هو أنني أعيش في منطقة مليئة بالآثار ولوحات الموزاييك القديمة. إنها منطقة معرة النعمان في محافظة إدلب وهي من أغني المناطق الأثرية في سورية. فيها آلاف الأمتار من لوحات الموزاييك القديمة التي تعود إلي العهدين الروماني والبيزنطي وفيها عدد قليل من اللوحات التي تعود للعهد الهلسنتي. ولدت في هذه المنطقة ورأيت منذ نعومة أطفاري تلك اللوحات القديمة. اذكر قصة طريفة مثلا ً عندما كان عمري تسع سنوات، عندما كنت العب مع أولاد حارتي في قريتي البسيطة والبعيدة عن المدينة، كنا نمشي علي الطرقات الترابية علي أطراف الحقول ونبحث عن أحجار صغيرة كانت تسمي كعب إبليس في المصطلح الشعبي. كانت هذه القطع الصغيرة تطفو علي وجه الأرض بعد المطر وأحيانا بعد الفلاحة اليدوية حيث كان الفلاحون يستخدمون المحاريث البدائية لفلاحة الأرض فتتكسر بعض من تلك اللوحات الأثرية وتتلاشي في الحقول. كنا نجمعها في كيس صغير ونعيد تجميع هذه القطع في لوحات صغيرة متناسقة من حيث اللون والأشكال الهندسية التي تشكلها. تلك كانت أولي ذكري لي مع الفسيفساء والموزاييك.بعد أن تعلمت في المدرسة، اهتميت كثيرا ً بهذا الفن وكنت احضر المعارض واقرأ المزيد عن الموزاييك ثم أكملت دراستي الجامعية في بيروت في قسم الفنون الجميلة حتي عام 2003. متي بدأت عملك المهني ؟ فور تخرجي بدأت عملي المهني في دمشق وعملت في صالات الديكور والتصميم الداخلي للمنازل وتنسيق الديكور في الحدائق. وأقمت المعارض داخل وخارج سورية في بلدان مجاورة مثل لبنان والأردن وتركيا. أحاول أن أطور هذا الفن ليصل الي مرحلة متقدمة وقد تأثرت بالموزاييك الذي رأيته في الجامع الأموي بدمشق. فقد طور الفنانون الأمويون فن الموزاييك القديم بعد العهد البيزنطي وأوصلوه الي مرحلة الموزاييك المفضض والمذهب. ما هي التقنيات التي تستخدمها في عملك ؟ مازلت استخدم التقنيات القديمة ذاتها التي استخدمت قبل ثلاثة آلاف سنة. استخدم المطرقة في قطع الحجارة الكبيرة ذات الألوان الطبيعية والتي أبحث عنها في الجبال بعيدا ً عن المثبتات والأصباغ أو الفرن الحراري.أعود لتقطيع الحجارة بشكل أقلام وبعد ذلك استخدم القطاعة اليدوية والملقط لإنشاء لوحة. كيف تختار مواضيع لوحاتك ؟ عادة ً اختار مواضيع لوحاتي من مشاهد الحياة اليومية وبشكل خاص من الفلكلور والتراث السوري. مثلا ً نفذت لوحات عن المعالم الأثرية السورية مثل نواعير حماه أو القلاع مثل قلعة حلب ودير سمعان وآثار تدمر.أصمم لوحات تمثل الأزياء الشعبية كالأزياء التي ترتديها النساء في الريف ووجوه بعض الأشخاص مثل وجه فتاة صغيرة تجلس علي بساط من القش وبجانبها كلبها الصغير.في الحقيقة أحب الناعورة وأحب الجلوس بجانبها لفترات طويلة لأتأمل العبقرية التي صنعت هذه الآلات منذ القديم. فقمت بتجسيد هذه الأيقونة الطبيعية في احدي لوحاتي. هل يمكن أن تشرح لنا لوحة المدفن البيزنطي؟ هذه اللوحة تجسد مدفنا بيزنطيا هرميا قديما في قريتي وهو احد المدافن البيزنطية الوحيدة في معرة النعمان. صممت هذه اللوحة بعد أن تأملت جيدا ً المدفن والتقطت له الصور العديدة. هذه المدافن قديمة جدا ً ونادرة في بلدنا ولا احد يهتم بها للأسف. أحببت أن ابرز القيمة الجمالية لهذا المدفن كي يراه المشاهد ويتمتع بجماله. ما هي الصعوبات التي تواجهها في هذا الفن ؟ هناك صعوبة بالغة في الحصول علي الألوان الطبيعية فأحيانا ً احتاج للبحث لمدة شهرين أو ثلاثة في الجبال كي أجد المواد اللونية اللازمة. أما عن التعريف بهذا الفن فأنا افتقر الي الترويج لهذا الفن العريق. وهنا أشكر المركز الثقافي السوري في باريس لاستضافته لي خلال شهر أيار (مايو) وخصوصا ً مديره الدكتور قاسم مقداد الذي ساعدني كثيرا ً في إقامة معرضي الأول في باريس. في الحقيقة كثيرون ممن شاهدوا لوحاتي ابدوا انطباعا ً جيدا ً وأري أن هذه اللوحات يجب أن تصل إلي شريحة واسعة من الجمهور كي يتعرفوا عن كثب علي فن الفسيفساء. رغم صعوبة ودقة هذا العمل الفني وندرة المشتغلين فيه ورغم معرفتك الجيدة بصعوبة تسويق اللوحات فأنت تبدأ حياتك المهنية بتصميم لوحات الموزاييك. ماذا يمكن أن تحدثنا عن مشاريعك المستقبلية ؟ أريد أن أطور تصميم لوحات الفسيفساء كي أوصل هذا الفن إلي مرحلة العالمية حتي يعرف العالم في بلدنا وخارجه الأهمية التي يستحقها هذا الفن. لقد صممت اكبر لوحة في العالم والآن اعمل علي تصميم اصغر لوحة فسيفساء في العالم. وهي لوحة صغيرة جدا ً بحيث أن قياس أكبر حجر واحد ونصف مليمتر وهذا الشيء يحتاج إلي وقت طويل قد يستغرق سنتين وعملا شاقا وتركيزا عاليا. وهنا أشير إلي أن أي خطأ في تصميم هذه اللوحة لا يمكن الرجوع فيه وقد يستوجب إعادة اللوحة من جديد. فهذا العمل تركيبي يعتمد علي إدخال الكل في الجزء.0