رحيل احمد عبدالله: مات المناضل المثال!
قائد الحركة الطلابية الذي شتمه السادات في خطاب لهاكرام يوسفرحيل احمد عبدالله: مات المناضل المثال!عندما كنت في السنة الأولي بالتعليم الثانوي، لفت نظري أن رئيس الجمهورية وقتها (السادات) تعمد في أكثر من خطاب له سب طالب جامعي بعينه، خلال حديثه عن انتفاضات الطلبة المتتالية التي كانت تطالب بالتحرك لاسترداد الأرض التي ضاعت في 67. ولاحظت أن أعصاب السيد الرئيس كانت تبدو متوترة وعيناه تجحظان وعروق رقبته تنفر علي نحو تضيع معه هيبة المنصب الذي يشغله وهو يتحدث عن طالب الجامعة الذي يعنيه.. ودهشت كثيرا من الأمر حتي أنني قلت لوالدي وقتها ازاي رئيس جمهورية يعمل عقله بعقل طالب في الجامعة لن يزيد عمره عن 22 سنة؟ من يومها بدأت أتابع باهتمام يوميات الحركة الطلابية في مصر، حتي أنني كنت أتعجل مرور الأيام للالتحاق بالجامعة ونيل شرف المشاركة فيها.وعندما التحقت بالجامعة فوجئت بأن كثيرا ممن يعرفون أنني التحقت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، يقولون لي ها أنت التحقت بكلية أحمد عبد الله .. كان يومها قد ترك الجامعة وسافر للدراسة بالخارج لكن سيرته العطرة واحترام الجميع له ظلا يمثلان لنا نحن طلبة كليته فخرا وزهوا.. والتقيت بزملاء من أبناء حي عين الصيرة علمت منهم أن أهالي الحي ما زالوا يذكرونه بالخير، ومن أجله يفعلون كل شيء لحماية الطلبة المناضلين أبناء الحي من أي تحرشات بوليسية، بل ويسارعون الي تنبيههم ومحاولة تهريب من يعرفون أن عسس السادات يلاحقونه..ظل أحمد عبد الله بالنسبة لي رمزا مقدسا رسمت له صورة في خيالي أحببتها واحترمتها للحد الذي تمنيت معه ألا ألتقي به شخصيا علي أرض الواقع أبدا!!.. كنت أخشي أن تكون تلك الصورة التي رسمتها له أجمل من صورته الواقعية، وأن أصدم عندما تنتقل الصورة من خيال الي واقع مادي ملموس..وعندما قرأت خبرا في جريدة الشعب المصرية فحواه أن الدكتور أحمد عبد اللــــــه رزة أصدر أطروحته التي نال عنها درجة الدكتوراه من لندن في كتاب عن الحركة الطلابية المصرية.. تمنيت في نفسي أن تتاح لي فرصة ترجمة هذا الكتاب، لكنني طردت الفكرة من رأســـــي بعدما توقعت أن يقوم هو بنفسه باعداد طبعة من الكتاب بالعربية. ثم فوجئت بعد أيام بالأستاذ صلاح عيسي الذي كان مــــشرفا علي سلسلة كتاب الأهالي يرسل لي ليكلفنـــــي بترجمة الكتاب. فكانت فرحتي لا توصف. وجاءت اللحظة التي لم أكن أتمني حدوثها حتي لا تهتز الصورة الخيالية، قابلت الدكتور أحمد عبد الله أثناء مناقشة رسالة الدكتوراه الخاصة بالدكتور وحيد عبد المجيد.. وعرفته بنفسي وأنني المكلفة بترجمة كتابه.. وصارحته أنني لم أكن أحب أن أقابله في الواقع حتي لا تهتز صورة رسمتها في خيالي فضحك كثيرا علي اندفاعي في الكلام؛ وعندما عرفته عن قرب اكتشفت أنه في الواقع أجمل كثيرا مما رسمته في الخيال.. ولا شك أن أهالي عين الصيرة أكثر معرفة به وأكثر حبا .. هؤلاء الذين حرص علي أن يهدي اليهم أول كتبه الطلبة والسياسة في مصر في طبعته الانكليزية التي رصعها بكلمات تنضح صدقا ونبلا وامتنانا، ما زلت أحفظها عن ظهر قلب: الي أهالي عين الصيرة الكرام.. الأميين الذين علموني، والفقراء الذين أغنوا ضميري وعندما عرفت أنه رشح نفسه في الانتخابات الماضية نائبا عن حي مصر القديمة كتبت أقول فمن اذا يكون الأحق بتمثيل هؤلاء؟.. ان لم يكن هذا الابن البار والرمز الجميل؟ ذلك الذي أصر علي أن يقيم بينهم مركز شباب الجيل لرعاية شباب الحي رافضا اغراءات التمويل الأجنبي في وقت تهافت فيه الكثيرون وأحنوا رؤوسهم وتنازلوا عن أشياء أغلي كثيرا مقابل دولارات تأتي من وراء الحدود.. أعتقد أن رجلا كهذا لم يكن بحاجة الي حملة انتخابية لو لم تكن الأوضاع مقلوبة.. فأمثاله يستحقون أن يذهب اليهم الناس ليكلفوهم بتمثيلهم.. فهو الأحق بأن يمثل هؤلاء الفقراء الذين أغنوا ضميره فعلموه فضيلة الاستغناء والتعالي عن مكاسب مادية زائلة انحنت أمامها أعناق كثيرة وظل أحمد عبد الله بين القابضين علي جمر عشق الوطن والعدالة والحرية.وقبل عام استضافته قناة الجزيرة متحدثا في أحد برامجها. ولما كان زوجي ـ الذي يعمل بنفس القناة ـ يعرف مدي ما أكنه من معزة لهذا الرمز الجميل ، فقد أصر علي أن يصطحبه عند عودته للبيت ليتناول عشاءه معنا.. كم كان بسيطا وكريما ونبيلا كعادته! وبالأمس عدت للمنزل بعد عملي في ساعة متأخرة من الليل ليفاجئني زوجي الذي حار في اختيار الكلمات قائلا أحمد عبد الله… ولم يكمل.. دق قلبي بعنف وأنا أتساءل: رحل؟ أجمل أزهار البساتين الذين كتب عنهم أحمد فؤاد نجم قصيدته أنا رحت القلعة ؟ رمز الحركة الوطنية المصرية وملهم شباب جامعاتها وباعث نهضتها بعد نكسة 1967 حتي الآن؟ المناضل والباحث والمفكر والناشط لخدمة فقراء مصر وشبابها؟ الذي لم تغيره السنوات ولم يتعال أو يترفع عن الفقراء بعدما أصبح معروفا كخبير في مجال العلوم السياسية علي المستوي الدولي وزار معظم أجزاء العالم ويتحدث عددا من اللغات؟ ..لم أره في أي مناسبة يتعمد ارتداء ملابس فاخرة، ولم يمتلك سيارة حتي آخر يوم في عمره. لم أره في ندوة أو مؤتمر أو حوار تليفزيوني يتعمد استخدام مصطلحات ضخمة أو حشر كلمات أعجمية في حديثه؛ مثلما يفعل من هم أقل منه ثقافة وعلما..كان غنيا عن كل ذلك لأنه استغني عن أطماع الدنيا وزهد فيها، ولأن فقراء شعبه أغنوا ضميره . رحمك الله يا أحمد.. لن ننساك.. ولن ينساك تاريخ الحركة الوطنية المصرية ولن تنساك مصر التي كنت ورفاقك في اللجنة الوطنية العليا للطلبة باعثي يقظتها في الثلث الأخير من القرن العشرين.. منذ سمعت الخبر المفجع وأنا أردد لنفسي كلمات نجم مات المناضل المثال.. ياميت خسارة عالرجال وأعزي نفسي بكلماته أيضا مات بس فات للأمل ..فوق الطريق علامات..لو سار عليها العمل..طول الطريق بثبات..تهدي الغريب سكته..وتقرب المسافات.ہ كاتبة من مصر[email protected]