معن بشور
فيما كنت اعد العدة للرد علي مقالة الدكتور سلطان ابازيد في جريدة “القدس العربي” الصادرة في لندن بتاريخ 13/6/2006 بعنوان تضامن المؤتمر القومي العربي مع الاستبداد.. سورية مثلا قرأت في الصحف بيانا من اعضاء اللجنة التحضيرية لاعلان دمشق بيروت يشكرون فيه المؤتمر القومي العربي والرئيس سليم الحص (احد الرموز الابرز في المؤتمر والذي كان مرشحا بالاجماع ليكون امينا عاما للمؤتمر لولا اعتذاره في اللحظة الاخيرة لاسباب شخصية وصحية) لمواقفهم من قضية المعتقلين السياسيين في سورية، فكرت ان استغني عن الرد واكتفي بارسال البيان، لكن الامر يتعدي مسألة توضيح موقف عابر.
فمن يقرأ مقالة الدكتور سلطان ابازيد يكتشف دون صعوبة ان نهج الاستبداد، وعقلية الاقصاء، والاتهامات الظالمة التي لا تستند علي وقائع، امور لم تعد محصورة في الكثير من انظمتنا العربية بل انتقلت عدواها الي عقول بعض المعارضين واقلامهم التي تطلق احكامها دون تدقيق (كما في المحاكم الاستثنائية) وتلاحق من تختلف معهم بالرأي دون رادع (كما في اعتقالات اهل الرأي) وتحول المساحات التي تفسحها لهم حرية الرأي في بعض الصحف الي سجون من التجني علي الآخرين الذين تختلف معهم، بل الي سجون لنفسها ايضا.
فالدكتور ابازيد لم يضف كثيرا، او حتي جديدا، في مقالته العامرة بالاتهامات الظالمة الي حملات مماثلة شنت في سنوات سابقة ضد المؤتمر القومي العربي علي يد اقلام وكتّاب وسياسيين يكفي التعرف الي مواقعهم اليوم لكي نعرف اهدافهم من التحامل علي المؤتمر القومي العربي بالأمس.
الدكتور ابازيد مثلا ينسي ان بعض اعضاء المؤتمر كالدكتور عارف دليلة ما زال في السجن في دمشق، وانني كأمين عام للمؤتمر طالبت علي مدي ثلاث سنوات في جلسات افتتاح المؤتمر باطلاق سراحه مع كل المعتقلين السياسيين بما في ذلك خلال افتتاح المؤتمر القومي العربي السابع عشر الذي انعقد في الدار البيضاء، وبما فيها ايضا في جلسة افتتاح المؤتمر الخامس عشر الذي انعقد في بيروت في نيسان (ابريل) 2004، اي قبل خروج الجيش السوري من لبنان في الوقت الذي كان فيه بعض اركان الاكثرية اللبنانية الحالية يملأ الدنيا صراخا وتملقا للنظام في دمشق.
والدكتور ابازيد يتجاهل، عفوا او عمدا، وقائع اللقاء الذي استمر عدة ساعات بين الرئيس بشار الاسد ووفد الامانة العامة للمؤتمر في دمشق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، والذي نشرت بعض وقائعه في صحيفة “القدس العربي”، حيث انصبت معظم النقاشات حول رؤية المؤتمر لتحصين الاوضاع في سورية عبر الاصلاح الديمقراطي والحوار الوطني والانفراج السياسي واطلاق سراح المعتقلين السياسيين بما في ذلك الحوار مع جماعة الاخوان المسلمين انفسهم، وقد كلف الرئيس الاسد (الذي حاورنا برحابة صدر عالية) احد اعضاء الامانة، الوزير الكويتي الحالي د. اسماعيل الشطي ذا الخلفية الاسلامية، ان يقوم بمهمة بحث مسألة الحوار مع جماعة الاخوان الذين يبدو ان بينهم من استعجل افشال هذه الوساطة، وغيرها من وساطات، وعجلوا في تشكيل جبهة سياسية للاطاحة بالنظام السوري الذي كان، وما يزال، يتعرض لضغوطات امريكية وصهيونية لقضايا لا علاقة لها، من قريب او بعيد، بالاصلاح الداخلي في سورية، بل بسبب قضايا اخري كقضية العراق، والمقاومتين الفلسطينية واللبنانية.
والدكتور ابازيد في مقالته لا ينتبه الي ان عددا من اعضاء مؤتمر الدار البيضاء 2006، هم من ابرز الشخصيات السورية المعارضة في الداخل السوري، بعضهم من موقعي اعلان دمشق، وبعضهم من قادة التجمع الوطني الديمقراطي المعارض، وبعضهم من قادة احزاب معارضة كحزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي المعارض الذي اسسه الراحل الدكتور جمال الاتاسي الذي هو من مؤسسي المؤتمر القومي ايضا عام 1990، وقد جمعهم المؤتمر ومنذ سنوات مع شخصيات سورية مستقلة او حتي منتمية الي حزب البعث والجبهة الوطنية والتعددية في اطار الحوار والتشاور الذي اعتمده المؤتمر والذي هو الصيغة التي يراها المؤتمر ضرورية في العلاقة بين القيادة السورية وبين المعارضة الوطنية التي ترفض الاستقواء بالاجنبي ضد بلدها.
وحين اشار كاتب المقال الي مقالة الدكتور منذر سليمان عضو المؤتمر، وأحد ابرز الاصوات العربية المدافعة عن الحق العربي في الولايات المتحدة، لم يلاحظ الدكتور ابازيد ان الدكتور سليمان في معرض مقاله قد توجه للرئيس الدكتور سليم الحص مستأذنا اياه في انتقاد مواقف الاستاذ ميشيل كيلو ورفاقه الواردة في اعلان بيروت ـ دمشق، كما لم ينتبه ابازيد الي ان الرئيس الحص هو من كبار شخصيات المؤتمر، الذي طالما شارك في افتتاح مؤتمراته، بما فيها مؤتمر الدار البيضاء، وفي توجيه نقاشاته.
فالمؤتمر القومي العربي، يا دكتور ابازيد، هو اطار ديمقراطي واسع للحوار والتشاور كما هو اطار جامع لاصحاب عقائد وافكار وتيارات متنوعة، تجد بين اعضائه الدكتور سليم الحص وتجد الدكتور منذر سليمان، تجد شخصيات معارضة واخري تنتمي الي احزاب حاكمة، تجد قوميين واسلاميين وماركسيين وليبراليين، جامعهم المشترك هو المشروع النهضوي الحضاري العربي والديمقراطية في القلب منه، وآلية عملهم هي الاعلان علي ما يتفقون عليه، واستكمال الحوار حول موضوعات الخلاف لحسمها لاحقا.
ولأن المؤتمر يدرك موقع الديمقراطية وحقوق الانسان المتقدم في اي مشروع نهضة عربية، وفي اية قدرة عربية علي مواجهة التحديات العربية، فهو لم يساوم مرة في المسألة الديمقراطية، ولم يقايض مرة علي حقوق الانسان لصالح اية اهداف اخري، تماما كما لم يسكت يوما عن أي تدخل خارجي او احتلال اجنبي او انتقاص من استقلال الأمة وسيادتها وكرامتها.
وكذلك يدرك المؤتمر اهمية استقلال العمل القومي الشعبي عن النظام الرسمي العربي لان فقدان العمل القومي لاستقلاليته يفقده وهجه وتأثيره وفعاليته لذلك فهو بقي علي مسافة واحدة من كافة الانظمة، ينتقد حين يجب الانتقاد، ويساند حيث تتوجب المساندة، وهو بالتالي لا ينعقد باحتضان الانظمة العربية، كما يقول متجنيا الدكتور ابازيد، بل يتحمل اعضاؤه تكاليف انتقالهم واقامتهم، او تكاليف الانتقال فقط حين يتوفر لجهات اهلية امكانية استضافة المؤتمر كما هو حال مؤتمر الدار البيضاء مثلا الذي استضافته لجنة تحضيرية اهلية مغربية برئاسة الامين العام الجديد للمؤتمر المحامي خالد السفياني (وهو ليس جنرالا سابقا كما ورد في مقالة مماثلة نشرت في صحيفة السياسة الكويتية). قد لا يبدو هذا الكلام مفهوما لدي بعض المثقفين الذين يتماثلون مع الانظمة في احادية النظرة والموقف، فكما ان هذه الانظمة ترفض معالجة بناها الاستبدادية بحجة مقاومة الخطر الخارجي، فان هؤلاء المثقفين بحجة البرنامج الديمقراطي يتجاهلون الخطر علي ذلك، بل يمشون في ركابه ويسعون للاستقواء به، وتجربة العراق خير مثال علي ذلك، حيث لم نعد نسمع تلك الاصوات، داخل العراق وخارجه، التي كانت تتباكي علي الديمقراطية وحقوق الانسان في بلاد الرافدين عشية الغزو الامريكي، فيما نراها صامتة صمت القبور، ازاء ما يواجهه العراق اليوم وهو يعيش في قلب واحدة من اكبر همجيات العصر الدائرة رحاها علي ارض العراق قتلا جماعيا وفرديا وتعذيبا وفتنا طائفية، ومحاصصات مذهبية تجري كلها باسم الديمقراطية الامريكية.
ولكن ليعلم السيد ابازيد وامثاله من المتحاملين علي المؤتمر القومي العربي (وتحاملهم يستبطن تحاملا علي العروبة ذاتها، التي تشكل مع الاسلام، الهوية الحضارية الجامعة لكل ابناء الأمة العربية والمتساكنين معهم من جماعات واقوام كانت لها، وما زالت، اياد بيضاء علي صنع الحضارة العربية الاسلامية وعلي الدفاع عن حياض الأمة وثغورها وحقوقها علي مدي القرون) ان كل الملاحظات التي يثيرها المؤتمر علي اداء هذا النظام او ذاك، لن تقوده ابدا الي القبول بمنطق التدخل الاجنبي والاستقواء بدكتاتوريي العالم الجدد.
فاذا كان الاحتلال لا يواجه بالاستبداد، فمن الحتمي ايضا ان الاستبداد لا يجوز ان يكون ذريعة لاستدعاء الاحتلال، كما رأينا في العراق، وكما نري اليوم عبر بعض الاصوات في سورية ولبنان وربما في دول اخري.
واختم بالقول للسيد ابازيد انه عشية الحرب علي العراق، وفي غمرة المسيرات الشعبية الضخمة التي كانت تنطلق في بيروت منددة بالغزو، ورافضة للحرب، كانت مجموعة صغيرة تصر علي تنظيم تظاهرات موازية تحت شعار لا للاحتلال ولا للديكتاتورية، وحين وقع الاحتلال علي العراق وسقط ما يسمي بالنظام الديكتاتوري، لم نسمع من تلك المجموعة كلمة واحدة ضد الاحتلال الامريكي، بل علي العكس رأينا بعض رموزها ينبتون فجأة في صفوف المراهنين علي التدخل الاجنبي والوصاية الامريكية في لبنان. وفي جميع الاحوال، يبدو ان الجملة الموضوعية الوحيدة في مقال مليء بالمغالطات هي اعتراف ابازيد ان نهج المؤتمر القومي العربي يتكئ علي حقيقة الكره الشعبي لسياسة الهيمنة الامريكية المنحازة بالمطلق لاسرائيل والصمت علي جرائمها بحق الشعب الفلسطيني. ونضيف الي ان نهج المؤتمر ايضا يتكئ ايضا علي الحس الشعبي الواضح الذي يميز بين اخطاء تقع فيها الحكومات وبين جرائم ترتكب بحق الشعوب بذريعة تلك الاخطاء، بل الحس الذي يميز بوضوح بين التمسك بكرامة الاوطان واستقلالها وحريتها، وبين التمسح علي اعتاب سفارات وادارات تتلطخ ايديها كل يوم بدماء شعوبنا، وبين الدفاع عن نهج المقاومة والممانعة في الأمة وبين ركوب موجة الرهان علي المشاريع الاستعمارية للتغيير و الاصلاح.
ومن حسن حظ المؤتمر القومي العربي انه بقي حريصا علي التعبير علي مزاج الأمة السليم ومواقفها الواضحة دون التباس او تدليس. الامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي8