نعم! إنه عصر الانحطاط العربي المعاصر
مطاع صفدي نعم! إنه عصر الانحطاط العربي المعاصرلماذا يذهب الفكر إلي هذا الحكم الغاضب: عصر انحطاط عربي معاصر. يقرأ الطلاب في كتب التاريخ عن عصر الانحطاط. والمقصود هي تلك المرحلة التي مهدت لسقوط الدولة العربية علي يد المغول الغزاة الذين أطاحوا بآخر معالم الامبراطورية العربية الاسلامية المتمثلة في الخلافة العباسية القائمة في بغداد. وقد خيم بعدها ظلام دامس علي مختلف مظاهر الحياة المدنية من مشرق العالم العربي إلي مغربه ما يقرب من ألف سنة، وإن قامت هناك دول إسلامية متعددة في الأطراف الشرقية وكانت لها مساهماتها في بعض المتابعة لثقافة التراث، حتي قيام الدولة العثمانية وانتقال السلطة ومركزها إلي سلالة السلاطين الحاكمين في اسطنبول. فالانحطاط كان يعني انهيار الكيان السياسي الحضاري للحكم العربي الذي أفقد المجتمع بدوره جملة الشروط الطبيعية الملائمة للإنتاج الحضاري والذي بدونه تتردي مطامح الجماعة إلي ما دون الحد الأدني من ممارسة العيش شبه الابتدائي المقتصر علي تأمين الحاجات الأولية للبقاء.مصطلح الانحطاط يأتي رديفاً مناقضاً لما يعنيه مفهوم النهضة. لكن اللفظين يؤلفان معاً نوعاً من ثنائية جدلية، يستخدمها الفكر عادة كأداة لفهم التحولات التاريخية لقضايا التقدم والتخلف في مسيرة المجتمعات. بل لقد أمسي مفهوم الانحطاط لا يقتصر فقط علي المجتمعات التاريخية. صار موضوعةً مركزيةً حتي بالنسبة لفصيلة المجتمعات والدول المنتمية إلي الحداثة والمعاصرة. أعراض الانحطاط لا تحتكرها الشعوب الهاجعة والدول المنحلة وحدها. كل كيان سياسي حضاري مهما بلغ شأوه من التقدم والازدهار، فإنه مهدد بالعلل القاتلة عينها التي أودت بالحضارات القديمة. لكن الفارق هو أن جذوة الحياة العصرية لا تنطفئ بسهولة. يظل الوعي الذاتي قادراً علي اكتشاف جرثوم العلة قبل استفحاله، وعلي تفجير إمكانيات التقدم وتغذيتها مجدداً بالابتكارات التي تحتاجها.ودون التوغل في الإشكاليات الفلسفية والعلمية المعقدة والمثارة حول هذا الموضوع الذي يظل حديث الهموم الفكرية العليا في مختلف حضارات العصر، نقتصر علي بعض الخصائص للمعاناة العربية في هذه اللحظة من المواجهة المباشرة مع كل أشكال الانهيارات التي لا تهز أركان الواقع العربي في السياسة كما في الدفاع والشأن الثقافي والاقتصادي فحسب. لكنها راحت تفل من عزيمة إنساننا، وتزعزع ما تبقي من رصيد الثقة بقدرة الأمة علي اجتراح معجزة جديدة في الصمود وتجاوز ذروة المآزق المتراكمة والمجتمعة أخيراً ليس حول أسئلة النهضة وحدها، بل أسئلة الانحطاط المداهم. فلم يتبقَ ثمة مهربٌ، أمام نخب الأمة خاصة، من المواجهة الصريحة المباشرة مع وجه القبح والتشوه والانحلال الذي يطل منه الانحطاط، ومتحالفاً هذه المرة مع أقصي الإحباط وهو يكاد يمسك بتلابيب إرادة التغيير، مانعاً إياها مسبقاً من التحرك وراء أية آمال، أوهام جديدة.لقد شغل النهضويون الأوائل، بتحويل قوي الاستقلالات الوطنية المكتسبة حديثاً، إلي متاريس ممانعة ضد المستعمر القديم العائد دائماً بحجة نسيانه لحاجات كثيرة في أوطان الآخرين المتحررة. فلم تتولد لديهم هموم مخصصة موجهة نحو الذات أو الداخل، نحو السطح الآخر المظلم للقمر.إن النقد السياسي اليومي قد احتكر ساحة السجال بين الفئات المتصورة لما كان يسمي بالعمل الوطني. وحتي ذلك النقد لم يكن سوي تصويب شعار ضد شعار آخر. كان من السهل دائماً تداول عناوين الأفكار دون التوغل في كينونة الفكرة نفسها. هنالك ما يمكن وصفه، التفكير بالانطباعات وليس بالمفاهيم والمعاني. والانطباعات ليست فردية، إنها تسري بين الفئات التي بدورها تتمرأي فيما بينها من خلالها. فليس حب الاستطلاع هو الذي يشد الناس إليها، إنها جاذبية التقليد والتناسخ عن بعض، هي التي تحدد يافطة هذه الفئة أنها قومية أو ماركسية، يمينية أو يسارية، وحدوية أو انفصالية.ذلك هو منطق التغيير الوحيد المسموح به. ومع ذلك فهو الذي يكتب تاريخ الانتفاضات والنكسات، وحتي الهزائم الكارثية. كل هذا يجري علي السطح المكشوف من المجتمع. أما السطح الآخر للقمر، فلا سبيل في الأساس الي التنبه لوجوده حتي يمكن طرح أية أسئلة عما هو، وما تكون خارطته. وما شكل تضاريسه، فما يمكن قوله إن عوامل التخلف المتوارثة عن الانحطاط القديم، ترسو في بطانة المجتمع الداخلية، المحكومة هي عينها ـ بالترسب والانحجاب تحت مويجات الحركات العابرة علي سطحه. فمن يقول إن مجتمعاً عربياً ما، قد اختلفت بعض تكويناته الباطنية اليوم عما كانت عليه منذ قرون. ولذلك عندما فاجأنا أحد أرقي الأقطار بحسب الاعتبارات الشائعة، لبنان هذا الذي احترق عشرات المرات في أتون حربه الضروس ضد نفسه، منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي إلي أوائل تسعينياته، لم يكن أحد يصدق الفظاعات التي تحولت إلي نماذج من التمرينات الأولي لما سوف يقع في أرض الرافدين هذه الأيام، من أهوال مضاعفة؛ وهي لا تزال في فصولها الأولي بعد.. ليس هو التخلف الذي يقود عمق الحياة الاجتماعية في هذين القطرين، وربما في سواهما مستقبلاً كذلك، بل هو انفجار الانحطاط كأعمق فعالية تكاد تمسك مجتمع التخلف من جذوره. أي أن التخلف ليس وليد نفسه، بل هو الانحطاط القديم الذي يغذيه، ويدفع بأفعاله في ظروف الانتكاسات المستجدة. وكل انتكاسة سياسية طارئة تقدم فرصة لاستثمار التخلف وتحريضه علي إعادة تظهير كوامن الانحطاط، ومداهمة المجال العام ببعض الأحقاد الفئوية المدفونة. هنالك (غرائز) جماهيرية مكبوتة ومتنامية فالتة من رقابة الوعي، ومتجاوزة لغرائز الأفراد، التي تفوقها خطراً وشراسة في التعبير عن مخزونها التدميري، خاصة عندما يتم استغلالها وتنظيم إثارتها وفق مخططات معادية، خبيرة وخبيثة؛ كما يحدث في حروبنا الأهلية عادة، حين يتعاون الافتعال المدبر بالأيدي القذرة المكشوفة غالباً وأدواتها المحلية، مع الاستجابة الفئوية المعدّة. وعند ذلك يوصم المجتمع بعاهاته المزمنة، ويُتهم بأردأ الأوصاف المضادة للمدنية. هكذا تنوب الضحية، في تدمير ذاتها، عن جلادها. الأيدي القذرة متوفرة في كل المجتمعات، لكنها في بيئات التخلف والتخبط البنيوي، تغدو أكثر من متوفرة، بل معدّة ومتطوعة بدافع الجهل والغباوة العامة غالباً، أو بالرشوة الرخيصة، أو مدفوعة بمطامح الظهور والتكسب السياسي السريع، وإن كان علي حساب الكوارث الدموية العمياء. و الأيدي القذرة ليست مجرد مقولة تصنيفية تحدد طائفة معينة دون سواها. بل هي أقرب إلي الحالة المرضية والوبائية الناشرة والمنتشرة عدواها كالنار في الهشيم ولدي معظم الأطراف المعنية بالأزمة العامة، والمنخرطة في جبهاتها المتناسلة من بعضها، وضداً علي بعضها. غير أن الفعل القذر لا يسمح لأحد أن يسميه هكذا. إنه بالأحري هو الملتحف بالرايات الجماعية، والممارس النموذجي لطقوسها وعنعناتها المستورة والمكشوفة، والمتنطع لاحتكار النطق بلسانها، والصادح بأهازيج انتصارياتها الغابرة والآتية، وفي النهاية هو المعزي الأول بقتلاها!استطاع مسلسل الهزائم البنيوية في شتي مفاصل التقدم ومجالاته، سياسياً عسكرياً، اقتصادياً، ثقافياً اجتماعياً، استطاع تحييد سلطة المشروع النهضوي بمبادئه ومفاهيمه وقيمه. ألغي عصر تحريك الجماهير بقوة الأفكار وحدها. أحلّ مكانه عصر التحريض بالغرائز. أطلق العنان لانبعاث وحش التخلف المزمن كيما يسترد أسلحة الانحطاط من سراديب الأزمان الخالية، تصول وتجول وحدها وسط المعارك المرصودة فقط لتجديد الولاء والطاعة المطلقة لغرائز العنف السلطوي وطقوسه الغيبية. فإن استهواء فقراء القوم بالقتل وحده، بأن يكونوا قاتلين مقتولين، هو أتعس المصائر الذي تبلغه أمة فقدت حتي فضيلة اليأس من آخر أحلامها المنهارة.ومع ذلك يظل لليأس الآخر، الموصوف باليأس الشجاع علي الأقل، أهله ومريدوه، بل أبطاله المجهولون. هؤلاء الذين عرفوا كيف يختارون موقع التاريخ الحقيقي، فاصطفوا في ساحته، يرفعون أعلامه الناصعة المضيئة ضد زوابع الأعلام السوداء التي تهب خلف الجبهات الأصلية، وتحملها الأيدي القذرة إياها. أصحاب هذه الأيدي هم السباقون المتطوعون الأوائل في كتائب الانحطاط. هم زبانيته وزبائنه المفضلون. يوقدون نيرانَه كلما خبت تحت رمادها الحالك. إنهم يمدون بعمر الهزائم العسكرية، كيما تتحول وراء الخطوط الي هزائم مستديمة للمجتمع مع قواه المعنوية ومبادئه، وإلي انتصارات للانحطاط وانبعاث قانونه المسلح دائماً بأمر يومي معروف يقضي بانحلال كل كيان قائم، بدءاً من تفكيك عري المجتمع الجامع نفسه، بإنكاره لاسمه وهويته، وتنازله عن تاريخه، وتأليب مكوناته ضد بعضها.ليس ثمة بديل عن المشروع النهضوي إلا بالاندحار نحو سراديب الانحطاط، وإعادة تنشيط وتفعيل وحوشه النائمة. إنه القبول بمنطق الهزيمة المستديمة، واستثمار عواقبها المتفرعة من بعضها في إنتاج وإعادة تجميل كل ما يضاد مفاهيم المشروع النهضوي، علي أنها هي منطلقات التحرير والتحديث، يغدو تفكيك الدولة والمجتمع اعترافاً بالتعددية، والنهب العلني للمال العام يجري تحت يافطة الحرية الاقتصادية، حتي الاقتتالات الأهلية، والتذابح علي الهوية، تمسي أموراً ضرورية بحجة التخلص من الماضي الاستبدادي، والاتيان بالاستعمار، والتحالف مع احتلالاته الجديدة، و(الانفتاح) علي العدو التاريخي، نكاية بالوطنية والقومية والثورية.إنه الانحطاط المعاصر، الأخطر والأسوأ من كل عصوره السابقة البائدة… وما زال في تمارينه الأولي بعد!9