امريكا وحكومة حماس: مجرد حصار أم صراع حضارات؟

حجم الخط
0

أ. فهمي خميس شراب

بعد فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد التشريعية، وقدرتها علي تشكيل حكومة بمفردها وبدون مساندة من أي حزب آخر أو إقامة ائتلاف حكومي كما هو دارج في معظم دول العالم التي تتمتع بالديمقراطية ونزاهتها، بدأت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وحكومة حماس من جهة أخري تأخذ منحنيات خطيرة ارتسمت ملامحها بالعزلة السياسية ثم الحصار الاقتصادي وحث المجتمع الدولي علي دعم هذه العزلة التي لم يكن لها أي مبرر أو مغزي سياسي واضح.

والمقصود بالمجتمع الدولي ألا وهو المتمثل باللجنة الرباعية والتي تضم الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا والأمم المتحدة وهي بمثابة قمة الهرم الدولي من حيث القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية بل والإنسانية والداعم الرئيسي للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها.

وفرضت اللجنة الرباعية والتي تقودها الولايات المتحدة شروطها مقابل استئنافها الدعم المالي لـ (حكومة حماس) والمعروفة بالشروط الثلاثة وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود مستقلة وآمنة، ونبذ العنف والأعمال الإرهابية وتفكيك كافة الفصائل الفلسطينية المسلحة بمن فيها كتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة حماس.. وعلي الفور رفضت حكومة حماس هذه الشروط لأنها تتعارض مع برنامجها السياسي والايديولوجي والهدف الذي جاءت من خلاله للسلطة واعتبرتها أيضا بأنها شروط ذات طابع سياسي لإملاء بعض التنازلات السياسية والتاريخية للقضية الفلسطينية واعتبرتها أيضا تعديا صارخا لخيار الشعب في اختيار ممثليه في انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية. واستندت الولايات المتحدة وحلفاؤها لدعم الحصار بقطع جميع المساعدات المالية والاقتصادية إلي الأراضي الفلسطينية وتهديد البنوك في حالة تعاملها مع الحكومة مما نتج عنه حرمان أكثر من 160 ألف موظف من رواتبهم الشهرية بالإضافة إلي إغلاق الكثير من المؤسسات الداعمة للمجتمع المدني وأدي بدوره إلي حالة كساد في السوق الفلسطينية لم تشهده من قبل، وتزامن ذلك مع نقص في المستلزمات الطبية وتدهور الوضع الصحي والتعليمي علي حد سواء وأصبح الوضع في الأراضي الفلسطينية علي حافة كارثة إنسانية في كافة المجالات بالإضافة إلي حالات الانقلاب الأمني التي تسود الشارع الفلسطيني بين الفصائل المتناظرة والفوضي العشائرية وانعدام الأمن وتفشي ظاهرة الفقر والبطالة بين الشباب والحصار الإسرائيلي علي المعابر والمنافذ الفلسطينية خاصة قطاع غزة بالإضافة إلي التدخل السافر المتمثل في فرض القانون الأمريكي المجحف علي البنوك العربية من اجل تضييق الخناق علي المجتمع الفلسطيني برمته في عدم صرف الرواتب والسلف المطلوب صرفها للموظفين.

وفي خضم هذه الأحداث المأساوية والدراماتيكية غير المسبوقة تشهد الساحة الفلسطينية صراع الصلاحيات بين الرئاسة المتمثلة في أبو مازن والذي يحظي بدعم دولي واسع وبين حكومة حماس والتي تندرج في معظم الدول في لائحة الإرهاب.

واكتشفت حكومة حماس نفسها بأنها في ورطة حقيقية لم تكن في الحسبان ولم تعد لها العدة اللازمة. وقد راهن قادة حماس بان الولايات المتحدة سوف تكون مسرورة لوصول حماس للسلطة وذلك بسبب أن حماس سوف تنخرط بالعمل السياسي بدل العسكري وتزيح شبح الهجمات الاستشهادية علي إسرائيل ولكن مع الأسف، ثبت بان هذا الرهان قد فشل أو في طريقه للفشل وذلك علي ما يبدو بان قادة حماس لا يدركون بالقدر الكافي حقائق هذا العالم المجهولة وأيضا ثقافة الشعب الأمريكي وقيادته والتي خاضوا من اجل تدعيمها وتثبيتها أكثر من عدة عقود من الصراع والنضال في سبيل الحرية والاستقلال، وترسيخ القانون:

أولا: حركة حماس هي حركة إرهابية في نظر القانون الأمريكي ولا يستطيع احد أن يزيل هذا القانون إلا بعد تنازلات وإثباتات قاطعة لأسباب وضعها. فالشعب الأمريكي يري بان حكومته ليس بمقدورها التعامل مع حكومة أصبحت إرهابية وغير ذلك فانه يعتبر ذلك انتهاكا لقانونهم والذين كثيرا ما يعتزون به ويفتخرون بأنه القانون الذي غير مجري العالم المعاصر والذي ناضلوا فيه ومن اجله منذ أكثر من 200 عاما.

ثانيا: اي شيء مخالف للمعايير القانونية الأمريكية يعتبر في نظر الأمريكيين بالعدو أو الشيطان وفي الثقافة الأمريكية الشيطان يجب تدميره. ولا يجوز باي حال من الأحوال التنازل له أو التفاوض معه لان ذلك يعتبر انتصارا له وقد بني الأمريكيون دولتهم وقوانينهم علي هذا النمط الثقافي في تعاملهم في العلاقات الدولية.

ثالثا: نجاح حماس الساحق في الانتخابات واستئثارها بأغلبية أعضاء البرلمان في انتخابات حرة نزيهة تعتبر من التجارب الفريدة والنادرة في المنطقة. ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فان نجاحها يمكن أن ينتشر ويصبح أنموذجا يحتذي به بين دول المنطقة خاصة مصر والأردن واللتين تجاوران إسرائيل وتعملان علي حماية أمنها، وتعتبران من الأنظمة الموالية للولايات المتحدة ولكنهما تتعرضان لخطر تنامي التيارات الإسلامية )المتشددة( والتي لها جذور متقاربة مع حركة حماس.

وتخشي الإدارة الأمريكية انتشار العدوي للانتصار الإسلامي السني في فلسطين وانعكاساته علي الشعوب المجاورة، فقرار الإدارة الأمريكية حصار حكومة حماس هو جزء من حصارها المفروض علي التيارات الدينية )الراديكالية( وعدم انتشارها.

رابعا: تسعي الإدارة الأمريكية للحفاظ علي الرموز العلمانية في القيادة الفلسطينية بل ودعمها ماديا وسياسيا واستمرار بقائها والحيلولة دون سيطرة التيارات الدينية علي السلطة وذلك لان الإدارة الأمريكية تريد بسط نفوذها الثقافي والحضاري علي شعوب المنطقة بدون أي عائق ايديولوجي متشدد. وليس غريبا أو خفيا بان الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وهما من اللجنة الرباعية غير راضيين عن بعض ممارسات الحكومات السابقة الفتحاوية الملخصة في الفشل في تحقيق المشاريع الغربية وفي قضايا تخص المرأة وتحررها ونقصد بتحررها هو انعتاقها من التقاليد والعادات التي تعتبر بالية حسب مفهومهم بالإضافة إلي فشل تحقيق مشروع القانون المدني.. فلا النساء خلعن حجابهن ولا انتشرت الثقافة الغربية لذلك فالأموال التي أغدقتها علينا دول الغرب تكون قد ذهبت هدراً… والمؤسسات المدنية التي تدعم الفكر الحر وثقافة الديمقراطية والمدنية والانفتاح نحو الآخر ومبدأ حوار الحضارات كلها لم تلق صدي ولم تؤت أكلها وهذا ما يقلق الغرب، فمشروع مارشال هو نموذج ناجح وقد استفاد الغرب من هذا الدرس مع ألمانيا العنيدة وفي الأخير حقق مبتغاه وهذا ما يتمناه الغرب لنا ويريده في منطقتنا.

خامسا: الصراع الايديولوجي بين حماس وأمريكا هو صراع دائم لا يتوقف فكلتاهما لهما دين مختلف وعقلية مختلفة وعقيدة لها أبعادها واستراتيجيتها، فحماس تمثل الإسلام السني وتدعو إلي الجهاد كعقيدة أساسية لها للدفاع عن ارض الإسلام والمسلمين ولا مساومة في ذلك أو التفريط في ذلك الحق. أما الأمريكيون فغالبيتهم علمانيون لا يحبذون وجود نظام سياسي قائم علي الدين وخاصة في منطقة حساسة لأمنهم القومي كالشرق الأوسط ووجود مصالح ضخمة لهم ووجود دولة إسرائيل، وحتي مفهوم حوار الأديان غير مقبول عند الكثير حيث يدعو إلي تقارب الأديان وهذا التقارب يستدعي بالضرورة تنازل كل دين أو عقيدة عن جزء بسيط مما تحتوي وتتضمن وهذا مرفوض جملة وتفصيلا، فوجود أنظمة دينية يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر وأيضا أمنهم القومي في معظم أنحاء العالم. وهذا الطرح أكده ويؤكده الرئيس الأمريكي بوش الابن حيث يعتبر انه مبعوث العناية الإلهية وانه تلقي الأمر من السماء بان يقف في صف إسرائيل وضد الشيطان ومحور الشر كله، فلذلك يعطي لنفسه التبرير الكامل لان يقتل ويسفك الدماء بالمئات والألوف من المسلمين العرب باسم المحافظة علي امن إسرائيل والتخلص من الشياطين الملعونين والإرهابيين ليكون قد صنع لنفسه عقيدة جديدة من خلال انصهار الفكر الصهيوني والكذب اليهودي المبني علي الادعاءات التوراتية المكتوبة بخط يد رجال الأهواء المنحرفين مع منظومة المحافظين الإنجيليين المتشددين والذين أسعفتهم الكنيسة في اللحظة الأخيرة للبقاء علي سدة الحكم. فأي تحاور يا سيد بوش الذي تريده ويمكن أن تفضي به كل اللقاءات مع الآخر إذا كنت تتلقي الأوامر من الرب مباشرة؟

سادسا: تداعيات أحداث سبتمبر واعتبار الأمريكيين بان الإسلاميين المتشددين هم الخطر الأول لهم حيث أنهم لم يتعرضوا لأي هجمات في عقر دارهم سوي من هؤلاء الإسلاميين. وقيام الولايات المتحدة بتشريع وسن بعض القوانين المكافحة للإرهاب منها منع المؤسسات الإسلامية من استئناف نشاطاتها وتجميد كافة الأرصدة المالية لبعض الحركات والمؤسسات الإسلامية المشبوهة في البنوك الأمريكية ومن ضمنها حركة حماس.

والأمر في النهاية لا يتعدي كونه حصارا بل اكبر من ذلك وهو صراع حضارات هذا الصراع بدا يطفو علي السطح منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وازدادت حدته بعد هجمات سبتمبر وما نتج عن ذلك هو احتلال أمريكي لأفغانستان والعراق والذي اعتبره المسلمون إهانة لهم في حين اعتبره الأمريكيون بأنه انتصار لتاريخهم القصير المدي والخالي من البصمات والعراقة علي تاريخ طويل عريق له سماته وثقافته واعتبروه بأنه قد وصل به الهرم وجاء وقت إزالته.

وقد تسعفنا ذاكرتنا قليلا لنعود إلي الوراء ونقف عند موقف الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب حين أوقف الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية في 21/6/1990كونها لم ترضخ لسياسة الاملاءات ورفضت إدانة العملية البحرية الفدائية البطولية التي نفذت علي شواطئ تل أبيب والتي نفذتها مجموعة تابعة لجبهة التحرير الفلسطينية. والعبرة هنا ان لا فرق بين أي فصيل أو حزب إن لم يخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، فالسيف مسلط علي كل من لا يريد للثقافة الغربية أن تسود وتحكم.. فنحن هذا قدرنا بان يسكن خطر الاحتلال الدائم في بيتنا فلا يلبث أن يفارقنا لفترة من الزمن حتي يعود إلينا بثوب جديد… فمرة بدعوة التبشير ومرة بدعوة التمدين ومرة بدعوة العولمة ومرة بدعوي محاربة الإرهاب. فصراع الولايات المتحدة مع إسرائيل ضد حكومة حماس لا يتعدي خارج هذا الإطار الذي يقوده المحافظون الجدد والمتشددون الصهاينة ضدنا وضد مقدرات شعب اخر قد تجاوز عمر حضارته إلي أكثر من ثلاثة آلاف سنة في بلاد الهلال الخصيب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية