هل تعاني المقاومة العراقية من نقص في الشرعية الوطنية ؟

حجم الخط
0

هل تعاني المقاومة العراقية من نقص في الشرعية الوطنية ؟

عبدالامير الركابيهل تعاني المقاومة العراقية من نقص في الشرعية الوطنية ؟ يتحدث بعض الاشخاص بقوة وقطعية عن شرعية المقاومة نقصد طبعا المقاومة العراقية ، ولا داعي لان نتوقف عند ما يقوله جمع من الكتبة، او جوقة من يدعون انهم ينطقون باسم العمل المقاوم، فهؤلاء يثيرون من الصخب ما يكفي لاشاعة مناخ مفعم بالتضليل، ويسهمون منذ فترة في طغيان اجواء يغلب عليها الصراخ والهوس، اكثر مما يساهمون في خدمة المقاومة، او يساعدون في تطوير عملها، وعموما فان الجهل السياسي، وانعدام الرؤية، وتنطع الكثيرين ان لم نذهب ابعد ونقول ـ كل من هب ودب ـ للحديث عن المقاومة العراقية ، يعد حالة غير مسبوقة، رافقت ظاهرة المقاومة العراقية بقوة، لاسباب تتجاوز نطاق اهتمامنا الحالي، وهي قطعا من الظواهر المرضية، وتعكس في كثير من الحالات اغراضا صغيرة، كما تنبئ عن انعدام الرؤية الوطنية، والاسوأ انها تضعنا امام تمرين مؤلم، مفاده ابتذال وسقوط حرمة العمل الوطني والسياسي، وبالذات، النظري المتعلق بالقضايا الوطنية الكبري.ما يمكن التوقف عنده سوي ذلك، هو ترديد احد الاشخاص المتصدين لتمثيل المقاومة العراقية لتلك القضية، فالسيد ابراهيم الشمري الذي ظهر ملثما علي شاشة قناة الجزيرة قبل فترة، باعتباره الناطق باسم فصيل هو الاكبر بين فصائل المقاومة العراقية، تساءل: (لماذا لا نعامل كممثلين شرعيين للشعب العراقي؟ كل المقاومات في فيتنام والجزائر وفلسطين تم اعتمادها كممثلة لشعوبها الا المقاومة العراقية؟) هذا ما قاله اجمالا السيد الشمري، ليضعنا امام معضلة، قد تكون من اخطر معضلات العمل العراقي المقاوم، فموضوعة الممثل الشرعي الوحيد للشعب العراقي اصبحت معتمدة الان من قبل المـــــقاومة العراقية الاسلامية الطابع بوجه عام، وهذه قد احتلت مكانها الراهن بعد ان تراجع من التداول، لانتفاء الضرورة والمبرر العملي، شعار النـــــظام البعثي هو الممثل الشرعي الذي استمر البعثيون يرددونه علي مدي اشهر، وهم وصدام حسين، لم يتوقفوا حتي الان، عن الاعتقــــاد والتصريح، بان رئيس النــــظام المنهار، هو الرئيس الشرعي للعراق، لكن دور هؤلاء في المقـــاومة، تضاءل كثيرا، وادعاءهم قيادتها او الاسهام الفعال فيها، لم يعد يسمعه، او يسمح به احد، واطراف المقاومة الاساسية، تصر حاليا علي وضـــع هؤلاء في المكان الذي يحتلونه بالفعل، كقوة هامشية جدا، وخـــارج اي فعالية.المشكلة اذن ابعد من ادعاءات البعث ، وهي موصولة باحدي اهم المؤشرات الدالة علي تأسيس المقاومة الحالية علي قواعد ازمة قديمة في الواقع السياسي العراقي، مما يحيلنا لاجمالي تراث ومعضلات الوعي الوطني في هذه البلاد، كما الي ضرورات ملحة آنية، وما نسمعه بهذا الخصوص، ياخذنا الي التساؤل عن الاسباب التي تجعل قوي تواجه اعتي امبراطورية في العالم، علي المستوي العسكري، غير مهيأة لان تناقش داخليا، او علي المستوي العام والعلني، الفرق بين مسألتي المشروعية و الشرعية ، وان تظل غير قادرة علي ان تميز بين كونها مشروعة للغاية، مع انها ـ وفي ذات الوقت ـ لا تتمتع بما تحتاجه من مقومات الشرعية الوطنية .من حق اي عراقي بالطبع، فردا او جماعة، ان يرفع اليوم سلاحه بوجه الامريكيين، وان يقاتلهم او يقاطعهم، او يتظاهر ضدهم، او يساعد علي هزيمتهم بالوسيلة التي يراها، وكل عمل من هذا القبيل، هو عمل لا يشك في مشروعيته ، فالامريكيون يحتلون العراق عسكريا، والقوانين في كل مكان، والشرائع، والقيم والاعراف والاخلاق، تجيز لا بل تحرض وتدفع دفعا لمقاومتهم، وحتي علي مستوي الشرعية فان العمل المقاوم المحدود، يمكن ان يكون في الوقت نفسه مشروعا ، و شرعيا ، فالفرد الذي يقاوم، يعتبر ما يقوم به مشروعا وشرعيا، وهذا صحيح من وجهة نظر صاحبه، والشيء نفسه ينطبق علي ما قد تقوم به جماعة من الاشخاص، او مجموعة، او حزب، او طائفة من الطوائف، فلو اجريت الان انتخابات في المناطق الشمال /غربية من العراق، لفازت المقاومة التي هي شرعية بقدر ما هي مشروعة هناك، لكن هذا كله لا يكفي للقول بان المقاومة العراقيه المعروفة، هي مقاومة شرعية علي المستوي الوطني ، والسؤال الذي سأله السيد ابراهيم الشمري، كان يحتاج الي جواب منه هو بالذات، ولكن بعد ان يسأل نفسه السؤال التالي: لماذا لا تمتد المقاومة الي بقية مناطق واجزاء الشعب العراقي، او وبالتحديد الي الاغلبية العراقية؟الا يتعلق الامر هنا بشيء من النقص في الشرعية الوطنية ، لنفترض ان الرغبة في المقاومة حتي المسلحة منها، موجودة في بقية مناطق العراق، وهذا مما يمكن المراهنة عليه بقوة، ولكن الرغبة الكامنة شيء، والتحقق العملي شيء آخر، لان التحقق يمكن ان يترافق مع متغيرات لا يمكن تخيلها او توقعها منذ الان، ولا احد يدري في اية مناخات، ولا في اية ظروف ومتغيرات فكرية وسياسية ستنطلق المقاومة في الفرات الاوسط او في جنوب العراق، اذا انطلقت (نقصد علي نطاق واسع هناك) ناهيك عن شماله، كما لا احد بمقدوره الجزم بخصوص مسارات تطور الاشياء والاحداث، قبل ان نشهد تلك اللحظة. علي العموم، لا يمكن والحالة هذه، واليوم بالتحديد، الا ان نوافق علي القول بان المقاومة العراقية تعاني من نقص في الشرعية الوطنية ، مع انها تتمتع بكل ما تحتاجه من المشروعية القانونية والاخلاقية والدينية، ناهيك عن انها تتمتع ايضا بشرعية واضحة في مناطقها، ومع هذا تبقي شرعيتها علي المستوي الوطني جزئية ومنقوصة الخ… لا يطابق هذا التشخيص اطلاقا منظور الايديولوجيين ليس الاسلاميين منهم او السنة علي العموم وحسب، فالمقاومة براي هؤلاء واولئك مشروعة و شرعية او هي شرعية لانها مشروعة ، وهذا موقف يمكن قبوله او التهاون بشأنه، من الناحية النظرية والمبدئية العامة، ولكن الفرق كما نعرف كبير، بين عالم او شجرة النظرية وعموميتها، وبين دنيا الواقع، التي يمكن ان تقول لنا احيانا، وفي بلدان تعددية ، بان المشروعية لا تكفي لمنح الشرعية ، ولدينا مثال لا نريد الاحالة عليه، لاختلافه في الكثير من السياقات والاسس عن الحالة العراقية، الا ان المثال اللبناني والسجالات لا بل الصراع الدائر اليوم حول المقاومة هناك، والبحث الجاري في حدود ومسالك اقرار او تقنين شرعيتها، غير قليل الدلالة، وللزمن هنا مفعوله، ففي اوقات سالفة، كانت مسألة المشروعية والمبادرة تتداخلان مع مفهوم الشرعية ، وقد تطغي عليها وتصادرها، ودور الطليعة او البؤرة و الجيش الثوري لا بل حتي الانقلابيين من العسكريين، لم يكن يناقش من هذه الزاوية، وقد وجدت لمثل ذلك العرف الثوري يومها، تخريجات قاطعة، وصل الاقتناع بصحة استعمالها، حد البداهة، فتعارف الناس والمتعاطون في الشؤون الوطنية والثورية علي قانون الشرعية الثورية ، الذي ظل طاغيا لعقود من الزمن، قبل ان تلوح في الافق، نظرية التفريق بينه وبين الشرعية الدستورية ، ولتنفتح بعد ذلك افاق اخري للشرعية الوطنية، وصلت اليوم درجة المخالفة الكلية والجازمة، لأسس ما كان يعتبر بمثابة حق مطلق، غير خاضع للمراجعة او للنقاش. فقد اصبح من حق مختلف الاطراف داخل البلاد ان تعترض، حتي علي مبدأ ودوافع المشروعية الاصلية، ويجوز مثلا لـ الشيعة في العراق، ان لا يوافقوا علي اتجاه السنة للمقاومة، فقرار من هذا القبيل، لا يخص السنة بمفردهم، بل يتعلق باجمالي مصير البلاد، وعليه فانه ليس من حقهم المبادرة والشروع في المقاومة بقرار منفرد، ولا ننسي بان السنه قد ذهبوا الي المقاومة حاملين معهم اعتراضا ضمنيا علي ذهاب بعض ممثلي الشيعة الي التعاون مع الغزو الامريكي، وها هم يعترضون حتي الان، مخالفين الاغلبية لا بل الاغلبية الساحقة، ولا ننسي ماقبل، فلقد قرر صدام حسين وحزبه المواجهة مع الامريكيين، وبالطرق والوسائل التي يراها، وخاض حروبا، واحتل بلدانا، ومارس سياسات، افضت الي كارثة، وهزيمة، هي الافظع في تاريخ العراق، منذ ان وجد هذا البلد حتي اليوم، ومع ان هذا الشخص قد فعل ما فعل، بخلاف رأي وارادة العراقيين جميعا، الا انه ما يزال قادرا علي الادعاء بانه هو الرئيس الشرعي للعراق. يقف وراء نزعة مزج المشروعية بـ الشرعية ، ومفهوم الشرعية الثورية ، كل ارث الاستبداد والاحادية، ومنطق الغلبة، وحتي تطبيقات الشرعية الثورية في منطقتنا، لا ترتكز فعليا وفي العمق، الي ترسانة النظرية الثورية المعاصرة، المتعارف عليها في العالم، وفي تاريخ حركات التحرر، بقدر ما تخضع لايحاءات مفاهيم وارث الغلبة وحقوق المتغلب المطلقة، علي الدولة والحكم والناس. ولكن، هل ان حقوق المكونات والجماعات، التي منها، وباجتماعها، يتحقق النصاب الاجتماعي، وتستمد الشرعية الوطنية ، هل ان حقوق تلك المكونات متساوية، وهل المدخل الي استخلاص ذلك الموقف كمي، ام نوعي ؟ يمكن ان نجد نافذين بين القوي الشيعية يقولون بانهم لا يرغبون في مقاومة الاحتلال، ويرفضون بناء علي ذلك، الاعتراف بالمقاومة المتصاعدة، في المناطق السنية ويعتبرونها غير شرعية، وهذا هو الواقع بالفعل الان. علما بان المناطق الشيعية بوجه عام، تنطوي علي رغبة وعلي تطلعات وامزجة شعبية، مخالفة بقوة للراي السائد او المتغلب هناك، وهذه قابلة للمعالجة بحيث تصبح هي الغالبة، وقد عبرت بالفعل عن مثل هذا الطموح، وتبين انها بحاجة لكي تنتصر، الي الكثير من المقومات او الشروط علي المستوي الداخلي، او علي المستوي الاقليمي، او الاثنين معا، وبما ان محاولة التجسيد او الغلبة هذه لم تتحقق، فقد ظل الموقف السائد عموما هناك، ولو من الناحية الرسمية ، يخضع للنزوع المفروض القائل بعدم الالتحاق بالمقاومة، واعتبارها بالحد الادني، تصرفا منفردا ، ينم عن دوافع ذاتية . وتؤيد هذا الموقف بالطبع الاحزاب التي تمثل الاكراد لاسباب معلومة، مما يجعل قضية المقاومة و شرعيتها ، اردنا ذلك او لا، محل عدم اتفاق، مع العلم ان الموقف الذي تنطلق المقاومة منه، لا يتساوي او يتعادل في التقييم مع موقف الطائفيين الشيعة، او المتحكمين بالقرار الكردي، وبالمقارنة بين الموقفين، فانه لا يمكن القول بان ما يذهب اليه الحكيم او الطالباني والجعفري او البارزاني او المالكي او موفق الربيعي، يتمتع بالمشروعية، فعدم مقاومة الاحتلال، والاخذ بمبدأ ومنهج التعاون معه، والدخول في مشاريعه، واعتماد المحاصصة الطائفية كأساس في بناء الدولة، كل هذه خيارات غير مشروعة قطعا، وهي اذن غير شرعية جملة وتفصيلا.واضح تماما، ان مسألة المقاومة ، وقضية التحرير في العراق، تسير وسط حقل من المشكلات الكبيرة جدا، كما انه من الواضح ان هنالك فرقا كبيرا، بين المقاومة بصفتها حالة راهنة ومحدودة المغزي والاثر والنتائج، وبين حركة التحرر الوطني العراقية الشاملة والتي هي في رحم المستقبل، وليس كل عمل مقاوم مؤهل لتحقيق الاهداف الوطنية، ولا كل حالة مواجهة مع احتلال، تنتهي حتما الي ما هو مرجو منها، وفقط الوعي التعس والديماغوجي، يمكن ان يشيع جوا من الاطلاقية والثقة التي لا تناقش، حول تجربة من تجارب المقاومة ، وامامنا كمثال، حالة المقاومة الفلسطينية وتجاربها، وتحولاتها، وتغير منطلقاتها وقواها ومقارباتها، طيلة عقود، قبل ان تصل الي مآلها الحالي، وها هي ما تزال تتبدل في مجري الصراع، وقد ظل الجزائريون يخوضون تجارب العمل المسلح، علي مدي عقود قبل ان تنضج حركتهم، وتتشكل جبهة التحرير الوطني الجزائري وثورة 1920 في العراق، لم تحقق رغم عظمتها كحدث وكوقائع، ما كان مرجوا منها، وقبلها خاض العراقيون عشرات، ان لم تكن مئات المعارك والانتفاضات المسلحة، والعصــــيانات، علي مدي ثلاثة قرون متصلة علي الاقل، ضد الاحتلال العثماني، دون ان يتمكنوا من هزيمته، ولا ندري لماذا وعلي اي اساس، يجزم البعض اليوم، بان المقاومة العراقية، سائرة الي تكبيد العدو الامريكي هزيمة منكرة وشيكة، بينما لا احد من هؤلاء اجري اي تحليل لموقع المقاومة، ومكانها ضمن اللوحة الوطنية الحالية، او عالجها كظاهرة وطنية هامة، بضوء المتغيرات العالمية والاقليمية والعــــربية، او في سياق تطور العملية التاريخية العراقية، وقد لا يقبل الكثيرون منا ذهابنا الي التذكير بالمشابهة ما بين ادعاءات وخطب صدام حسين قبل الغزو، عن انتحــــار هولاكو العصر علي اسوار بغداد قبل هزيمته المنكرة، وهربه من ساحة القتال، وبين ما يشيعه المهولون، ومطلقو الصراخ المقاوم الرائج اليوم، عن قرب هزيمة واندحار الاعداء.ہ كاتب من العراق يقيم في باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية