توفيق رباحي
عن الاستاذ حمدي قنديل: كنت دائما اقول لمن حولي اذا اردتم البحث عن تعريف للابداع، تأملوا هذا الرجل. انه مثل الحكواتي ينتج برنامجا شيقا من لا شيء، من كلام جرايد (بما يعنيه الوصف في وعينا الجماعي من سلبية وذم) قرأه كل الناس او اغلبهم، دون اكتراث.
ويزداد الاحترام له لانه يقف في صف الرعاع (بمفهوم ليبراليين عرب بينهم سعوديون) اي الاغلبية الفقيرة المظلومة الرجعية رغم انه يعمل في تلفزيون برجوازي و ليبرالي. يقول ما تقول هذه الاغلبية عن حماس الفلسطينية وعن انظمة الحكم العربية وعن سياسات النعام (الرأس في الرمل والطـ…… ـز في الهواء) التي تتبعها هذه الانظمة في علاقتها مع الخارج.
طبعا، يفعل كل هذا بالحذر المطلوب الذي تمليه اللباقة والموقع والمؤسسة التي يعمل لها. وهذا كله مفهوم، فلا داعي للانتحار والدونكيشوتيات!
اورد الاستاذ حمدي قنديل في الحلقة ما قبل الاخيرة من برنامجه قلم رصاص سلسلة مما كُتب عن احتكار اي آر تي العربية لمباريات المونديال، وقال ما معناه ان كل الناس احتجوا واعترضوا الا واحدا هو توفيق رباحي الذي اعجبه الامر وقال بين احتكار اي آر تي المونديال شهرا واحدا واحتكار تلفزيونات كاملة علي مدار السنة والساعة من طرف انظمة حكم فاشلة، اختار النوع الاول.
من البدء يا استاذ حمدي، ان اردت الصح انا طالع ديني منهم. لكن دعنا نقول اننا علي نفس الموجة، ولو انك لم تعلنها صراحة (واجب التحفظ والحياد)، فنبرة صوتك وطريقة كلامك عجزتا عن ان تخفيا انك متفق مع هذا الرأي.
نعم، اختار النوع الاول بدون تردد. كنت سأقتنع وأصمت لو ان هذه القنوات، وبالذات المملوكة للحكومات، كانت مجرد ادوات ترفيه وفشلت. غير ان الامر مختلف تماما: اننا امام ادوات حكم واجهزة تسلط في يد انظمة فاشلة لم توفر لنا شيئا، لا ديمقراطية ولا نظام صحي ولا تعليم ولا قنوات صرف المياه المستعملة ولا شبكات طرق ولا هم يحزنون. حتي الامارات والمشيخات التي وفرت الحياة الكريمة لشعوبها فعلت علي حساب الاجانب من الاسيويين والعرب، وفعلت بحرمان الشعوب الاصلية من الحريات الفردية والجماعية.. يعني قطيع يأكل ويشرب ويخرس!
ومن ادوات الحكم والاضطهاد السجون، المخابرات، القضاء التابع، حالة الطوارئ وطبعا التلفزيون.
اعرف انني لم اكتشف البارود وانك ادري منا جميعا بالعمل في تلفزيونات بلداننا، ولا ادل علي ذلك من هجرتك من مصر الكبري للعمل (تلفزيونياً) بدبي الصغري.
باختصار يا استاذ حمدي، حاجة تقرف وخلاص!
ضحالة! اغرب ما توّصل اليه عباقرة الحكم وزبانيتهم في مصر سن قانون يحارب الشائعات (الاشاعات) استغرب كيف وجد من يتبناه ويدافع عنه دون حياء في مبني يسمي البرلمان وفي القنوات الفضائية.
اعتقد ان التفكير في منع الاشاعة في المجتمع المصري بتركيبته الثقافية والاجتماعية والنفسية المعروف بها، هو مثل التفكير في منع الاوكسيجين عنه. انها ضحالة لا اكثر ولا اقل، حتي توشك علي القول ان اصحاب هذا الاقتراح نزلوا من المريخ ضيوفا علي مجتمع يعيش علي النكتة والدعابة والاشاعة والاخبار غير الجادة.
مصر ليست في حرب لتسن قانونا يحارب الاشاعة حفاظا علي معنويات الشعب والمقاتلين، الا اذا كان اصحاب المبادرة الضحلة يعتزمون تكييف المواجهات مع الخواجية و كفاية والمجتمع المدني علي انها حرب. بل الحروب في هذا الزمن لم تعد تحتاج لقانون كهذا.
ليت الذين فكروا في وضع هذا القانون ادركوا ان اقصر واوضح طريق لوقف الاشاعات يمر عبر فرض الشفافية والكف عن الكذب والتدليس السياسي والتلفزيوني. اكتب هذا الكلام متذكرا تجارب مماثلة في الجزائر تنسحب علي جيرانها وكل الدول الشمولية. عندما تقع واقعة، كنا نتوجه الي المحطات التلفزيونية الفرنسية. وعندما تجتهد التلفزة المحلية لمنافسة القنوات الاجنبية و تنفرد بصورة او خبر، نجد، بسهولة غريبة، قراءة لتلك الصور او الخبر مختلفة تماما، بل تتناقض مع الهدف الذي توخاه اصحاب التلفزة المحلية، ونزداد يقينا بانهم يفترون علينا.
الطبيعة تخشي الفراغ. والهروب من الصدق والحقيقة يفرض فراغا ستملؤه الاشاعة غصبا عن انف اصحاب مثل التفكير المصري مجتمعين.
سبقتنا موريتانيا الجزائر مقبلة علي تعديل دستوري سيكون، اذا ما تحقق بالمسودة المقترحة، كارثة لان ابرز ما فيه انه يلغي تحديد حكم الرئيس من عهدتين عمر الواحدة خمس سنوات، الي ما لا نهاية بصلاحيات واسعة تتجاوز البرلمان والحكومة. وعندما نقول الرئيس، فالمقصود هو عبد العزيز بوتفليقة ولا احد غيره، لان لكل مقام مقال فعندما يأتي رئيس اخر سيعدّل الدستور بما يناسبه، عملا بالتقليد المبارك الذي جعل لكل رئيس جزائري دستوره الخاص به.
عندما غطي التلفزيون الجزائري المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الحكومة، عبد العزيز بلخادم، صاحب الاقتراح (هل هو فعلا صاحبه ام فعل نيابة عن اصحاب الاقتراح الحقيقيين؟)، لم يشر (التلفزيون) الي موضوع الي ما لا نهاية. لفتة، كدت اقول ذكية، من التلفزيون لانها تتفادي احراج الرئيس بذكرها في هذا الوقت المبكر، ولان اصحاب التلفزيون ـ والرئيس هو صاحبه منذ 1999 ـ ادركوا ان هذه النقطة ستكون موضوع مانشيتات وتعليقات صحف اليوم الموالي، فآثروا الاختلاف، ثم التعتيم عليها لانها مار÷ة والوقت مبكّر لطرحها في السوق فقالوا دع الصحف، بما عُرف عنها من قلة دقة، تطلق بالون القياس والجرعات الاولي قبل ان يلقي التلفزيون بثقله عندما تحين الساعة وهي آتية لا ريب. وعطفا علي ما سبق، اقول سبقتنا موريتانيا، حتي لا يغضب الموريتانيون مثلما اغضبهم بوتفليقة في 1999 بعبارته الشهيرة، تعليقا علي اقامة علاقات كاملة مع اسرائيل، حتي موريتانيا! . سبقتنا بأن اقترح عسكريوها، اي الطغمة، تعديلا دستوريا يحدد فترة حكم الرئيس بولاية واحدة، بينما بشّرنا المعلّم بلخادم بـ الي الابد. وسبقتنا بأن اقترحت طغمتها قانون اعلام جديد يتيح انشاء قنوات تلفزية واذاعية خاصة، بينما طمأننا وزير اعلامنا الجديد، الهاشمي جيار، وقبله الرئيس شخصيا، بأنهما يرفضان فتح الاعلام المرئي والمسموع للخواص، رغم ان قانون الاعلام الصادر الساري المفعول منذ 16 عاما يسمح بذلك.
لن اقول حتي موريتانيا، بل اقول بصحتكم وهنيئا لكم، يا موريتانيين، ودعوا الاخرين غارقين في وهم عمّر طويلا بان صحافتهم هي الاكثر حرية في العالم العربي.
البقّالة والكلام الدقيق! في برنامج متأخر جدا (ليس من حيث التوقيت) كانت تبثه النيل للاخبار عن تشفير مباريات المونديال حضره ـ واحتكر الكلمة فيه ـ الكابتن مجدي عبد الغني، رمز الكرة المصرية. ولانه تكلم كثيرا فقد اخطأ كثيرا، الامور نسبية يا كابتن، عندما تتكلم عشر كلمات تخطيء في اثنتين او ثلاث، اما عندما تتكلم 200 كلمة فانت تخطيء في 70 او 80! وقد سيطر في البرنامج نوع من الشعور بالاضطهاد كاد يوحي ان مصر هي الوحيدة ضحية التشفير، فقال الكابتن ان الجزائر تقوم ببث ارضي للمباريات. يا كابتن، خليك في الكرة احسن لك. الا تعرف ان مَن قال لا اعلم فقد افتي. كيف تأتي لبرنامج تلفزيوني فضائي تبيع كلاما غير دقيق؟ الا تعلم ان الدنيا مقلوبة رأسا علي عقب بالجزائر بسبب التشفير اياه، ما استدعي تدخل الدولة ورئيسها لدعم بطاقات البقّالة مثل دعم السكر والدقيق والحليب؟
وفي سياق تشفير المونديال، اوردت بهذه الزاوية الاسبوع الماضي ان الناطق باسم الحكومة المغربية كشف ان الملك محمد السادس القي بوزنه شخصيا لدي صاحب البقّالة فأنعم عليه باربع مباريات هي الافتتاح، نصف النهائي والنهائي.
غير ان القارئ صالح صالح لفت انتباهي الي ان المباريات الاربع كانت اصلا بالمجان، واحالني علي عدد الاهرام ويكلي (الاسبوعي) بالانكليزية (25/31 ايار/مايو) وفيه ان الفيفا قررت ان يكون بث المباريات المذكورة مجانا.
لا تعليق.
علّم آدم الأسماء يبدو ان مآسي المونديال، عربيا، لم تقتصر علي احتكار البث من قبل بقّالة خليجية حتي اصبحنا نتابع النشرات الرياضية في شكل صور فوتوغرافيية ثابتة مسروقة، وتعليقات اذاعية في تلفزيونات. المشكلة الاخري في تعليقات المعلقين ونطقهم اسماء اللاعبين العجم.
قرأت هنا وهناك ان هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) تدرّب مذيعيها علي الاسماء الغريبة عنهم ليسهل عليهم نطقها. طبعا، من المستحيلات السبعة التصديق ان القنوات العربية، مهما اُوتيت من مال وانتشار، قد تصل الي تفكير كهذا يبدو لاصحابها ترفا كبيرا. في الانتظار، تابعوا اخبار المونديال عبر العربية و دبي الرياضية وشقيقاتهما واستمتعوا باسماء ما انزل الله بها من سلطان، خصوصا اذا كان الامر يتعلق بفرق مثل هولندا وكرواتيا وانكلترا وصربيا.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]