المشهد الروائي الجديد في مصر: غ1ف شهادات غاضبة وادانة لجيل الستينات وثورة علي الميتافيزيقا والرواية التاريخية واجماع علي الاضافة النوعية للجيل الجديد

حجم الخط
0

المشهد الروائي الجديد في مصر: غ1ف شهادات غاضبة وادانة لجيل الستينات وثورة علي الميتافيزيقا والرواية التاريخية واجماع علي الاضافة النوعية للجيل الجديد

محمود قرنيالمشهد الروائي الجديد في مصر: غ1ف شهادات غاضبة وادانة لجيل الستينات وثورة علي الميتافيزيقا والرواية التاريخية واجماع علي الاضافة النوعية للجيل الجديدالقاهرة ـ القدس العربي هذه الشهادات الغاضبة ـ في معظمها ـ تعكس واقعا اردنا تسجيله وتثبيت زواياه بقصد النظر اليه بمزيد من التأمل.اردنا في هذا الاستطلاع التوقف امام عدة اشكاليات تطرحها الرواية الجديدة في مصر، بالتزامن مع الانحسار المنظور للقصة القصيرة وللشعر معاً، بالاضافة لتعثر اشكال فنية مؤثرة تعتمد الاشكال الجماعية وتفتقر الي الدعم والي غياب المشروع مثل المسرح والسينما، ولا يتم ذلك بانفصال عن اتساع الهوة بين المنجز الابداعي ـ بشتي صوره ـ وبين متلقيه، دون الافتئات علي ارقام التوزيع واعداد المشاهدة التي يتجرأ ويعلنها اصحاب مصلحة هنا او هناك.الرواية الجديدة في مصر ساعية ـ بالتأكيد ـ للتماس مع افكار الواقع الانساني في صورته المعولمة، فثمة قناعات مفرطة بتفتيت المركزية الروائية من دون انفصال عن مفهوم تفتيت المركزية القومية، وهناك عودة للجيتوهات المهمة والجماعات الصغيرة، التي تمثل نقائض هذا المركز الذي عاش مقهورا بفكرة صناعة العقل العام، وتعاظمت ايضا مفاهيم العمل الفردي والذوات المتشظية التي ترفض ان تتزيا بمسوح الرهبان والقديسين، لذلك سنجد اعتمادا واسعا ومفرطا للغة هشة، رومانسية، تنأي ـ بكل قوة ـ عن التركيب والمعاضلة والتأويل، سنجد سيرة شخصية تضفي علي آثامها حيادية تشي بأن آخرين هم مقترفوها، وفي كل الحالات لا يتم ذلك بعيدا عن الوعي العام بالتفكك المأساوي الذي لحق بالشخصية المصرية والعربية علي السواء، وترسيخ مثل هذه الصورة عمق فكرة المبدعين الجدد عن المفهوم السالب للالتزام، وباتت الوظيفة الابداعية مخيفة الي حد المخاطرة. وربما كان ذلك كله يقبع خلف الانجاز النوعي للرواية الجديدة الذي ـ لا شك ـ ميزها عن رواية الاسلاف، بمن في ذلك الاسلاف من ذوي القربي، وهذا هو نص السؤال الذي وجهناه الي المشاركين في هذا الاستطلاع: حققت الرواية الجديدة طفرات نوعية في عدة مفاهيم سواء علي مستوي السرد او اللغة، وكذلك علي مستوي الوعي بالذات لكنها ظلت رهينة ذوات محدودة وعوالم افقية لا تؤمن بأهمية الوعي المركب في النظر الي العالم.تري ما هو المستقبل الذي تراه لهذه الكتابة، وبأي معني يمكن تصنيف تجاربها الراسخة، وهل يمكن لهذا الوعي بالعالم ان يعد بصياغة جديدة تحدث في اطار تجربتك؟ .ولا يزعم هذا الاستطلاع لنفسه النهوض بالتغطية الجامعة للمشهد فهناك اسماء مهمة غابت عن المشاركة لأسباب مختلفة، ولا يزعم كذلك انه سيكون آلية وحيدة للفرز وان زعم انه خطوة في طريق هذه القراءة الكاشفة.وتتبقي بعض الملاحظات:لم يلتزم كثير من الكتّاب بنص السؤال وبدا جيل الستينات في خلفية المشهد قابعا رغم التأكيد الدائم علي اشراف دوره علي النهاية.ما يبدو وكأنه عنف وغضب من بعض شباب الكتاب يعكس الأزمة التي وصلت اليها المؤسسة الثقافية، التي عليها الواجب الاول في تقديم كافة الظواهر وتهيئة المناخ لقراءتها وفرزها دون وساطة، ودون القائها في مستوطنات العقاب الجماعي التي تعاني من ثقلها الآن، ويبدو انها ستظل كذلك لأمد ليس قصيرا.وهنا نص شهادات الروائيين الجدد:فقدنا كل شيء الاستقلال والنقد والكتابةخالد اسماعيل السؤال ينقسم الي عدة اقسام.. اولا: اعتراف بأن الرواية الجديدة حققت طفرات نوعية علي مستوي السرد او اللغة.ثانيا: تضمن السؤال اعترافا بأن هناك طفرات تحققت للروائيين الجدد فيما يخص الوعي بالذات.. ثالثا: وهنا بيت القصيد او مربط الفرس يري السؤال في قسمه الثالث ان ما تحقق بالروائيين الجدد او في الرواية الجديدة ظل ضعيفا محدودا وان الرواية ظلت مسطحة لا تؤمن بأهمية الوعي المركب ـ أي ان الرواية الجديدة ليست عميقة المضامين ـ في النظر الي العالم.هذا هو السؤال مقسما مشرحا حتي تتاح للقارئ معرفة ابعاد القضية وأنا افضل الاجابة من خلال تجربتي الكتابية مع ضرورة الاشارة الي قسم آخر من السؤال يطلب مني تحديد او قراءة مستقبل هذا النوع من الروايات وتحديد درجة التجاوز او التطور التي تحققت علي ايدي الروائيين الجدد، والسؤال الزمني بالحديث من خلال تجربتي .وهأنذا ابدأ من تجربتي، فقد اصدرت مجموعتي الاولي درب النصاري في عام 1997، وهو عام لو تعلمون عظيم في حياتي، فيه مات ابي بعد ان سمع الضجة التي اثيرت حول كتابي في قريتي، ورأي صورتي في صحيفة الوفد مصاحبة لخبر صدور كتابي، فتمتم بالحمد وهو علي سرير المرض كان مريضا بسرطان الجهار الهضمي لأن ابنه اصبح مشهورا وكما كان يردد صاحب قلم مع مراعاة ان الرجل كان موظفا صغيرا أميّا، متجاوزا بوعيه وعي الاهل جميعا.ففي درب النصاري سميت الاشياء باسمائها فيما يخص وضعية البرجوازي الصغير، او الخريج الذي يستعد لدخول ماكينة الدولة المهيمنة، واصطدمت بالاسطورة التي كان البعض يراها قيمة مقدسة لا يجوز المساس بها، وسخرت من رجال الدين وهم في مصر بمثابة قدس الاقداس وتطرقت الي موضوع النصاري والمسلمين.. وهو موضوع حساس لدي المصريين علي اختلاف درجات معارفهم ومواقفهم السياسية.وعلي مستوي اللغة، كتبت ما اعرف باللغة التي احسها، وفقط.. اما قيمة هذا المنجز فهذه تحددها اقلام النقاد، وهي في مصر شحيحة ان لم تكن نادرة او ناقصة النمو، او قابضة ـ بحكم ان مصر باعت القطاع العام وتحولت الي مجموعة شركات قابضة ـ ثم جاءت تجربة عُقد الحَزّون وهي روايتي الاولي، وفيها اصطدمت بشكل مباشر مع الجماعات الاسلامية واظنني اول كاتب من جيلي اقترب من هذه النقطة.وواصلت اصطدامي بالغيبي والاسطوري، والتقسيم الاجتماعي العرقي القديم، ربما تكون نشأتي في كوم العرب ـ طما ـ سوهاج قد ساعدتني علي قراءة خريطة المجتمع، وربما نشأتي في اسرة استفادت من المنجز الناصري ساعدتني علي ملامسة الانقلاب الاجتماعي الخطير الذي حدث في ظل حكم مبارك، بدرجة افظع من ذلك الانقلاب الذي وقع في عهد السادات، لأننا كنا المستهدفين مباشرة، العقول كانت مستهدفة، الاخلاق القديمة كانت مستهدفة، نظرتنا الي العالم ووجودنا ذاته كان مستهدفا، ورغم هذا اخترنا ـ نحن المثقفين ـ الوقوف الي جانب مبارك في مواجهة الجماعات المسلحة، واعتبرنا المدني المتاح في مواجهة دولة الدين والثيوقراطية، ولم يكن هذا صحيحا، بل كان تفسيرا ابتدعته النخبة التي افرزتها ثورة يوليو وبقيت بجوار مقعد الحكم الساداتي ثم اقتربت من مقعد مبارك اكثر واكثر ودخلت منظومة الفساد المباركي بكافة اشكاله السياسية والفكرية.في رواية كحل حجر رصدت جانبا من حالة الفصام التي تسللت الي الانثي المصرية المنتمية الي الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي التي صنعها عبد الناصر من كبار موظفي الدولة، والمستفيدين من تمصير الشركات وتأميم البنوك والمصانع والحاق ابناء الفلاحين بالتعليم العالي والحربية والشرطة والقضاء وبقية اجهزة الدولة.اذن بهذا المعني، فأنا انتمي الي الوريث الاخير ، او الجيل الاصغر بين الاجيال التي اثرت فيها يوليو ثورة ومشروعا ومربيا وموجها للأحلام والطموحات والنظرة الي العالم.وميزة هذا الجيل ـ جيلي ـ انه سمع آخر نغمة ناصرية ، وسمع اوائل اللحن الساداتي، وتشبع بالقمع المباركي المباشر وخطابه الركيك ودوره الذي قزّم مصر والمصريين، حولها الي دولة ضعيفة، جاهلة لا تؤثر في شيء، ولا تمتلك شيئا او قدرة، وحول المصريين الي شعب أمّي جاهل، يستدعي الاسئلة القديمة وينشغل بها، مثل صوت المرأة هل هو عورة أم لا؟ وهل النقاب فريضة أم فضيلة؟ وهل ينكح ابليس آدمية؟!! وعلي مستوي النخبة السياسية، شكّل النظام النخبة المفيدة لمشروعه وهي نخبة نجدها في الملاهي الليلية، وفي برامج التلفزيون التوك شو وتجدها علي صفحات الصحف القومية، أما النخبة ذات التوجه اليساري فهي مطاردة ومفتتة او ماتت او دخلت دوامات المرض النفسي!ورغم هذا، بقيت رموز المشروع الناصري في جسد وزارة الثقافة وارتضوا بدور الموظف الخائف علي العلاوة و الترقية و السفرية .حتي علي مستوي وسائل النشر، طبعت كتابي الاول درب النصاري ضمن مشروع حكومي لامتصاص غضب الشارع والتغلب علي الجماعات الاسلامية، بعدما احتلت العقول والارصفة والمساجد ونصف الاذاعة ونصف التلفزيون وكل افراد جهاز الدولة البيروقراطي.وبعد هذا الكتاب طبعت عُقد الحزّون علي نفقتي لدي ناشر يعمل استاذا جامعيا، له تاريخ ملوث لا داعي للخوض فيه!وبعد سنوات، اصبحت عندي ستة كتب، واحد منها طبعته الدولة، والبقية لدي ثلاثة ناشرين آخرهم الروائي القاص مكاوي سعيد الذي أسس دارا جديدة للنشر وصاغ عقدا محترما بينه وبين كل مبدع راغب في نشر كتابه وتوزيعه من خلاله.في غرب النيل اكتملت ملامح مشروعي الابداعي، هو مشروع قتالي من الدرجة الاولي، قتال ضد الصورة النمطية المتشكلة والراسخة عن الصعيد واهله، وهي صورة هروبية، تحاول ان تقول ان الصعيد بخير وهذا لم يكن صحيحا، فالصعيد فقير، جاهل، قديم، معطل للتنمية والتقدم مكبل بقوانين الدولة القمعية، وقوانين الاعراف القديمة المتخلفة، قتال ضد المنجز الستيني الابداعي الذي رغم احترامي لرموزه المؤثرة، نجح في ترسيخ لغة وطريقة في التفكير لم تعد مناسبة للتعبير عن الانقلاب المباركي وآثاره الاقتصادية، وآثاره علي الشخصية المصرية في الصعيد وغيره.وان كان هناك صدق في القراءة، فلا يمكن ان أنسي فضل الثلاثة الكبار يحيي حقي ويحيي الطاهر وعبد الوهاب الاسواني ومحمد مستجاب مع كثير من علامات التعجب، فالثلاثة الكبار يحيي ويحيي وعبد الوهاب حاولوا لأول مرة تطبيق النظريات الحديثة في الاجتماع والسياسة علي اوضاع مجتمع الصعيد، حقي اطلق طلقة البداية، في ثلاثينات القرن الماضي، ويحيي الطاهر لظروف عديدة اخترق النظرة التقليدية، وحاول ان يقدم الكرنك ـ قريته في قنا ـ من خلال الماركسية كما فهمها وكما كانت معروفة ومتاحة في ذلك الزمن، وعبد الوهاب الاسواني اهدي الينا قراءة ادبية لمنطقة ضائعة، هي منطقة القبائل العربية في محافظة اسوان، فقد كانت النوبة مشهورة عالميا، حتي اصبحت كلمة النوبة تعني لدينا كلمة اسوان ، ثم عرفنا ان في اسوان عربا قدامي لهم خصوصية ثقافية جديرة بالمعرفة والتوقف امامها وتأمل تجاربها. وقتال ضد الفساد و التخريب المنظم والنهب الذي مورس وما زال يمارس ضد كل منجز لفقراء الشعب المصري سواء علي مستوي حق تقاضي المعاش والضمان الاجتماعي او علي مستوي المنتج الابداعي الجماعي الفولكلور وهذا هو القتال الأشد الأصعب! لأن القتال فيه علي مستوي الدماغ وانتاج الافكار.أما رواية العباية السودا فهي القراءة الاخيرة لمشهد الختام، مشهد تفوق الثقافة الدينية وانتصارها علي المنجز العلماني المصري، انتهت علمنة الدولة او محاولة العلمنة التي عاشت عليها الاجيال طوال سنوات مشروع يوليو بتجلياته، وفي عهد مبارك كانت نهايته.انتصرت هذه الافكار علي الافكار الحديثة الخاصة بالمواطنة والتعددية وحق الكلام وحق التنظيم وحق الحياة نفسها بكافة ابعادها، انت الآن في مصر تستطيع التفرقة بين النصاري و المسلمين من خلال الخاتم الذهبي ، وهذا يضعه المسيحيون في اصابعهم و الطرحة وهذه تضعها البنت المسلمة علي رأسها!واصبحت القضايا العامة الاخري في هامش الوعي، قضية التعديل او التغيير السياسي لا تشغل قطاعات واسعة من الشعب المصري، قضية الافراج عن المعتقلين السياسيين لا تهم الفلاحين المصريين.في روايتي الصادرة مؤخرا عن دار الدار تحت اسم اوراق الجارح حاولت ان اجيب علي السؤال: هل هزمت افكار المشروع اليساري التقدمي في مصر بسبب فساد فكرة اليسار، أم بسبب فساد حاملي افكار هذا التيار؟!وحاولت من خلال شخصية اليساري الجارح عبد الباري ان اقول ان ارض مصر، أرض صالحة لليسار، لكن بشرط تغيير اليساريين، او بشرط ولادة جيل جديد يقود التبشير بهذا المشروع من جديد.اذن هنا يمكن التوقف امام منجز الرواية الجديدة من كل هذه التفاعلات وسنجد انها في اغلبها ـ أي تجارب الجيل ـ وقعت تحت اسر الدعاية النقدية القادمة من تجارب ادبية نبتت في ظروف مجتمعات اخري، بحكم ثورة الاتصالات ، بل ان تجارة بيع النصوص للقارئ الغربي نشطت ـ ايضا بحكم العولمة ـ وبدأ شباب قادمون من فرنسا وامريكا والمانيا يبحثون عن ادباء ذوي تجارب خاصة ليترجموا لهم اعمالهم الي اللغات الاوروبية، وهذا موجود طوال الوقت، لكن ارتباطه بالأزمة المصرية والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها المبدع المصري حوله الي مشروع تدريبي علي مهنة الترزي الادبي وليس الروائي ، لأن مولد روائي في مجتمع، معناه امتلاك المجتمع قدرة علي قراءة نفسه وامتلاكه خطوة في سبيل التطور والتقدم، فبعد ما حطم نظام مبارك الخادم للرأسمالية العالمية في تجلياتها الكوكبية وتطورها كل وسائل الاستغلال الفكري في الجامعات وغيرها من معاهد اعداد الكوادر، لم يتبق سوي الروائيين الذين يمكن تشبيههم بحفظة القرآن الذين عاشوا بعد غزوة بدر ، فكان عليهم القيام بدور الذاكرة، والتذكير بملامح المشروع الفكري الاستقلالي الاشتراكي العلماني الانساني المصري.وساهمت جهات مانحة كثيرة في الترويج لنموذج الروائي الفردي البسيط المسطح، التقني الفارغ من الانحياز الطبقي او الاجتماعي او الثقافي، نموذج الكاتب النقي ، وكان الكتاب الذي يتم الترويج له هو كائن لا تحتمل خفته للكاتب ميلان كونديرا، ورغم انه مترجم الي العربية الا ان بعض رموز جيلنا قلد هذا الكاتب باعتباره الطريق الملكي الي الترجمة مثلما قلد ابراهيم اصلان ـ ارنست هيمنغواي ـ مع الفارق بالطبع بين منجز اصلان وبين ما قدمه زملائي!واجمالا يكن القول، ان جيلنا استطاع ان يحقق التلاصق بين الاسم و المسمي ، اباد فكرة الرمز والمجاز واشتبك مع الواقع من زوايا مختلفة. هناك من رأي الدنيا من ثقب ذاته، وهناك من رأي الدنيا من موقع المخرج السينمائي وهناك من رآها من موقع البطل المشارك في الاحداث، والكاتبات من جيلنا اقرب الي التصديق والصدق من كاتبات الاجيال السابقة.لكن فيما يخص الوعي المركب ، فان هذا الوعي يتم بناءه علي مدي سنوات في ظل خبرات متراكمة، ونحن في عمومنا نقاوم ونحاول ان نعمل تراكمات، لكن جيلنا للأسف لم يولد له نقاد، لأن النقاد يكونون مرتبطين بمنصة القضاء، ومصر ليس فيها قضاء بالمعني، وليس فيها تقسيم سلطات. فيها مبارك الواحد الأحد ، فلم نجد نقادا يساعدون في تطوير الوعي ، ولم نجد غير محاولات فردية من جانب نقاد قدامي مثل فاروق عبد القادر.حتي محاولات محمد بدوي النقدية، لم تخرج من فلك الافكار القديمة، وفي افضل الاحوال يمكن القول ان محمد بدوي باحث مجتهد، اجتهد ليتوصل الي نظرية ولم يستطع التدليل علي مقولاته، لأنه لم يكن يملك الضمير الكافي للقراءة الموضوعية المنزهة عن الغرض الشخصي والنقص المعرفي والعداء الايديولوجي والحرص علي البقاء بالقرب من وزارة الثقافة! وفي النهاية، ما دمنا قد اعترفنا بأن هناك طفرات حققها جيلنا، وهي طفرات تلقائية، فردية، إلا انها تجربة لها دورها التمهيدي، وعلي الاجيال التالية ان تقود المعركة ضد السلفية بكافة اشكالها، وضد قمع الدولة وضد ناقد ومثقف الدولة الذي يلهو بالرطانة اليسارية احيانا والليبرالية احيانا بينما هو في الحقيقة موظف له طموحات ذاتية صغيرة ورخيصة.ولو ظل زملائي من الروائيين الذين انكفأوا علي انواتهم ـ من الأنا ـ واهملوا قراءة المشهد الاجتماعي وتفاعلاته، فإنهم سيدخلون المتحف، ولن ينطبق عليهم وصف كاتب لأن الكاتب باحث و مبدع و حفّار و مهموم بالمجتمع كله، سواء رضي او لم يرض.وفي ظني ان السنوات القليلة القادمة سوف تشهد نهاية مؤلمة للكاتب غير المشغول بمجتمع، وسوف ينتهي هذا النوع من الكتّاب لأنه لن يكون مفيدا لأحد.العطالة السياسية حولت المتفرغين الي كُتّابسعد القرش ليس اسوأ من روائي حين يتحدث عن تجربته. سيكون كشاعر لا يتقن الغناء ولا الالقاء، في حين يكون المطرب اكثر صدقا في غنائه قصيدة لهذا الشاعر. ودائماً ما ينحرف الحديث عن التجربة الي وهم الألوهية بتضخيم الذات والانجاز ولو متواضعا او تجاهل هذه الذات بدافع تواضع زائف او حقيقي، وتجنبا لصداع يسببه صغار المحسوبين علي الابداع او النقد.نحن جيل نشأ في غفلة من المشاريع القومية الكبري، والاحلام التحررية العظمي، والكبرياء الوطنية. لم نشهد صعود المد الستيني ولا انحساره بالهزيمة. ولم نشهد سنوات النهش الاولي في عرضه المستباح. لهذا تأتي الكتابة بلا اعباء تثقل الابداع، ولا نظريات سابقة تحد من الخيال، وتكون النتيجة تطرفا في اتجاهين: احدهما مغرق في الذاتية، يعتبر الفن هو ما هو ولا شيء خارجه يهم، والثاني يتمسك بذيول شعارات تكسبه شرعية تحت ظلال مقولات كبري، حيث لا تسعف شروط الفن.كتابة الجيل الجديد جارحة، ودالة، ويجب ألا تمر بسلام، مهما يكن مستوي بعضها، فهي روايات أزمة تحذر من كارثة، او تجسد لكاتبيها أزمة شخصية، هي بالضرورة انعكاس لأزمة الوطن نفسه. وقلما تجد مشروعا روائيا لكاتب ناشئ، وهذا احد تجليات أزمة غياب المشروع العام، والثقافي بشقيه الابداعي والنقدي، ويكون الحصاد مجرد روايات مهمة، تحمل بصمة، ولكنها لا تكفي لبناء عالم واضح لصاحبها، يمكن ان يصمد لاختبار الزمن، ويخاطب جيلا آخر، لم يولد بعد.التجارب الجديدة جامحة، تنتمي الي نفسها، ولا تشبه غيرها، وكاتبوها لا يشبهون حتي انفسهم، ورغم تباين مستوي معظم هذه التجارب، فان هناك ملمحا عاما يمكن رصده، وهو التمرد. متمردون علي كل شيء، وكل احد، لوجه الابداع وحده.انها كتابة بلا طموح كبير، ولا مراهنة علي يقين، أي يقين، بعد ان سقطت، بالتواطؤ السياسي والثقافي، اقوي دولة عربية، في مشهد درامي سريع، وعادت الي العام صفر.نحن جيل نشأ في غفلة من النقاد، كانوا غائبين بالسفر، وبعد العودة انضموا الي من لم يسافروا او يعتقلوا، ليواصلوا ثرثرات ساذجة، عن بطولات وهمية، بصياغات تشبه نقدهم الأقرب الي حكايات مسلية حينا ومملة في معظم الاحيان. هو نقد يعكس قدرة كتابة علي المسايرة، وطبيعة الخبز الذي يسهل ـ علي المعدة النقدية الكسول ـ هضمه، ولم يعد في الساحة ناقد يسعي الي المتابعة والبحث والفرز، بدأب ونزاهة، بل يكتفي معظمهم بما يصل اليهم من اعمال ليكتبوا عنها او يثرثروا او يمنحوها لأقرب عابر.اين كاتب مثل صاحب خافية قمر محمد ناجي من مشهد تتصدره اعمال روج لها نقاد يعانون تسوس الاسنان، وامراض القلب والشيخوخة، فصنعوا من دواوين وروايات كتبها اطباء في خريف العمر، نجوما يتواضع الي جوارها نجيب محفوظ الذي تجاوز، قبل ستين عاما، اعمالا سهلة علي معدة النقاد الحاليين. بعض هؤلاء النقاد انفسهم افسدوا الحياة الثقافية، قبل سنوات، حين تحمسوا لزملائهم من كتّاب المصادفة، من مترجمين واكاديميين يعانون بعض الفراغ، وقلة الحيلة، واكتشفوا حين صحوا من كابوس منتصف العمر انهم لا يقلون ثقافة عن الشعراء والروائيين، فزاحموهم بأعمال كتبت علي مقاس اعمال قرئت قبل الشروع في الكتابة مباشرة. وتستطيع ان تشم رائحة ماركيز وبورخيس وكونديرا، بين حطام روايات مثقلة بوطأة قاطراتهم المحملة بتراث عمره اربعمئة عام، منذ سرفانتس، الي اليوم.كثير من سقط متاع النقاد والاكاديميين والمترجمين يذكرك بأدوار سينمائية زاعقة ومفتعلة، يصر علي القيام بها اساتذة اكاديمية الفنون، بحجة انهم الأكثر فهما لنظريات التمثيل. ولا تتعلق القضية بمصادرة علي حق احد، ولكن الابداع ليس مجرد معرفة بقواعد البناء الدرامي او الوزن الشعري، وإلا صار معظم مدرسي العروض في قامة المتنبي.الروائيون الحقيقيون يتامي، والكعكة الروائية في يد اليتيم عجبة كما يقول المثل المصري، ولذا يسعي انصاف الموهوبين لاقتسامها باصدار اعمال تسهم في الصخب العام، لكنها لا تترك اثرا، وبعضها مضحك لدرجة الشفقة علي هؤلاء المساكين، فقراء الخيال، الذين ادمنوا زمنا لفظة دلف ثم اكتشفوا ان في المعجم الفاظا اخري ينشرونها بين سطر وآخر مثل داهم و مشدوه ، ناهيك عن الفاظ ميتة تستعصي علي البعث.ان عددا كبيرا من هذا الحصاد الروائي بحاجة الي تحليل نفسي لا نقدي، والفرز الحقيقي لا يبدأ بالنقد، وانما بحل أزمة البطالة، وفتح طاقات جديدة من الخيال اليومي المعيشي، واعادة الثقة للناس بامكانية التحقق، في أي مجال تحكمه الشفافية والكفاءة والحريات العامة. فالبطالة احد اسباب هذا الزحام من الكتب، التي تصنف تعسفا باعتبارها شعرا او رواية، وقد اطلق الدكتور شكري عياد عليها ظاهرة الطفح الثقافي التي أدت الي لخبطة الخريطة الروائية، وبعض النقاد مسؤولون عن هذا الخلط.الظرف السياسي، الذي جمد الحياة في مصر ربع قرن، يدفع بطوابير العاطلين، وغيرهم مممن اجبروا علي الخروج الي المعاش المبكر، الي وهم التحقق، فيسدون ـ بالالحاح علي نشر كل هذا الركام والمنح الثقافية الأشبه بإعانات البطالة ـ المنافذ الطبيعية امام الموهوبين. وهذه اكبر خطيئة يمكن ان يرتكبها واقع يتآمر علي الخيال.ولا تنطلق هذه الحدة من موقف شخصي، واعترف ان ما كتب عن روايتي حديث الجنود 1996، و باب السفينة 2002 يزيد علي حجمها، والأجمل ان كثيرا من كاتبي هذه الدراسات غير مصريين، ولا اعرفهم. كما اعترف بأنني احد الذين لا يملكون فضيلة المكابرة، واستطيع ان ابتعد عن نفسي وكتابتي مسافة تكفي للحكم والمراجعة واعادة النظر.وكنت لوقت قريب احسن الظن في النقاد وبعض المبدعين، فوجدت كثيرين يدفعهم الفضول غير النقدي لرؤية غرف مظلمة في ذاكرة الكاتب وعقله، مثل مراهق ينظر من ثقب باب، لعله يري مشهدا مثيرا. كانوا يطابقون بين البطل والكاتب في مقارنة ساذجة، فقررت ان اختبر نفسي في تجربة روائية عريضة وكبيرة علي الأقل قبل الشروع في الكتابة، ليس بدافع ان اهزمهم، او اضعهم في مقارنة قاسية بين عمل مختلف وادوات تقليدية، وانما لأرضي طموحي في لعبة غير مضمونة العواقب، وكانت رواية اول النهار 2005 .واذا تجاوزنا ما نشأنا عليه من تعريفات تقليدية للرواية التاريخية، فيمكن اعتبار كل رواية تاريخا، وكل حدث تاريخي رواية، تنتظر كاتبا يمنحها من روحه قبس الفن. بمثل هذا التعميم الشخصي جدا، اعتبر الرواية التاريخية بالمفهوم القديم، تيارا كاد ينتهي، بل يختنق لأن مثل هذه الاعمال تعيد انتاج حادثة أو وقائع معروفة واحيانا تكون الوقائع الحقيقية اكثر بلاغة من خيال الكاتب. فحكاية التاريخ عند الجبرتي، علي سبيل المثال، اكثر متعة من كتابات حملت شعار رواية ، اذ كان هذا المؤرخ الفذ روائيا عذبا، يتمتع بحضور قوي، وثراء لغوي يعجب القارئ، الي اليوم متسائلا: من اين أتي به؟من حسن حظ الجبرتي انه عاش عصر تقلبات كبري اتاحت له غزارة في الاحداث، وطرافة في الوقائع بتنا قضاتها. كل الناس يمسون علي حاكم ويصبحون علي آخر، اقصد الحكام الفعليين، مراكز القوي والنفوذ في الدولة المصرية، حيث كان الباشا التركي يقضي ما يكتب له القدر في مصر اياماً او سنين في حمايتهم، في حين كانوا يحتاجون حمايته لأنه رمز الشرعية. فهم الجبرتي قانون زمانه، فكتب ما كتب.ولكن المبدعين من روائيين وشعراء وسينمائيين، لا يتمكنون الي الآن، من القبض علي قانون اللحظة التاريخيــة المرتبكة، لينتجوا عملا ينتمي اليهم والي التاريخ، وهذا سبب الفوضي التي لا تخطئها عين المتابع، اذ شهدت السنوات الاخيرة غزارة في الانتاج الروائي، تتجاور فيها اعمال اصيلة وعابرة، تريد اكتساب ارض تساوي ما يملكه اصحابها من جرأة تبلغ درجة الوقاحة احيانا، كبديل للبطالة.بالمفهوم التقليدي، اختفت الرواية التاريخية او كادت، ولكن الجيد من الاعمال الحالية يمكن ان يعطي بعد نصف قرن، لدي ناقد دؤوب، لوحة بانورامية شديدة الثراء، عن خراب فترة تاريخية قاتمة، استطاع الروائيون مقاومتها بالكتابة، وكانوا شهودا، او شهداء في زمن يستخف بالشهداء. لكن النقد التقليدي يطلق علي كل قصة او رواية من هذا النوع تاريخية او كما قال احدهم عن اول النهار انها رواية تاريخية بامتياز لإرضائي!! في حين لا تقترب تقسيمات، من هذا النوع العجول الكسول، من اعمال اخري لكويلهو او ماركيز او زوسكيند او بوتزاتي.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية