توجه اسرائيل نحو النهج أحادي الجانب نابع من رغبة انتقامية بسبب الهزيمة وليس من اجل إرضاء المصالح القومية

حجم الخط
0

عندما أوضح أعوان ارييل شارون المقصود بالانسحاب أحادي الجانب من غزة، حرصوا علي التوضيح بأنه ليس هِبة ممنوحة للفلسطينيين. أما في المحادثات المغلقة فقد اختاروا كلمات أكثر رقة كعادتهم: سنخرج ونوجه لهم ضربة قاصمة، ومن ثم سنوجعهم ونخرج. بواسطة هذه الكلمات الحربجية تم إسكات الأنا الاسرائيلية المكتوية التي تعرف بينها وبين نفسها أن الانسحاب قد جاء في الأساس علي الضرر الفادح الذي لحق باسرائيل في الانتفاضة الثانية. وهكذا غلفوا حكاية الفشل الصارخ جدا بورق سلوفان تشع منه الألوان الأمنية وكلمة فك ارتباط. مشكلة الأنا حُلت: الجمهور اشتري ذلك وقبل به.

ولكن الواقع التاريخي صاف تماما: اسرائيل بدأت بخطوة مغادرة المناطق بصورة كثيفة. حكومتها التزمت بأن يكون الانسحاب من غزة آخر خطوة أحادية الجانب، إلا أن حكومتها الجديدة أعلنت عن اخلاء اضافي. المؤشرات تدل علي وجود ديناميكية انسحابية جارفة.

هناك من يقولون أنه لا يوجد هنا خطر بالمرة. وماذا اذا حدثت انسحابات أحادية الجانب؟ ربما كانت هذه أفضل طريقة لفصل القوات والبدء في التطبيع، هذا قصر نظر كارثي. يوجد لديناميكية الانسحاب جانبان، ومعناه في الجانب الفلسطيني بلورة رواية تدعي أن العنف يؤدي الي الانتصار، العنف وليس الحوار. الخطر يكمن في أن تكريس الصراع العنيف الذي سيتعزز مع كل انسحاب اسرائيلي أحادي الجانب قد يجر الفلسطينيين الي التطرف والنزعة الشمولية بحيث تصبح حدود حزيران (يونيو) غير كافية في هذه الحالة. هكذا يعتقدون في الليكود وميرتس علي سبيل المثال.

من الممكن التفكير ببديل آخر. اذا كانت الحكومة الحالية تعتقد حقا أن السيطرة علي اغلبية الاراضي في الضفة تتعارض مع المصلحة الوطنية، فلماذا لم تصرح للفلسطينيين بذلك مباشرة، ومن ثم تتوجه الي اجراء المفاوضات معهم حول الانسحاب المتفق عليه بصورة تامة. هناك مشكلة مركزية في هذا الحل: هو سيبدو كحل انهزامي في نظر الجهاز السياسي. ولذلك، يتم تصوير الخطوة المتوقعة علي أنها عقوبة للفلسطينيين: اذا لم تفاوضونا وتتنازلوا، فالويل كل الويل لكم، وسننسحب من دون مفاوضات.

في عام 1973 قررت الولايات المتحدة انهاء ورطتها في فيتنام، ووقعت علي اتفاقية باريس. حكومة نيكسون عرفت أن الاتفاق قد لا يُنفذ بالكامل (وهذا ما حدث)، ولكن الامريكيين فهموا أن الاتفاق الذي يخرقه الطرف الآخر أفضل من الانسحاب من دون اتفاقية ـ حتي عسكريا ودوليا. هذا درس اعتباري يصرخ حتي عنان السماء: عندما انسحبت امريكا من بلد يبعد عنها آلاف الكيلومترات في مواجهة دولة أضعف منها بكثير، أصرت علي التوصل الي اتفاق يتم التوصل اليه عبر الحوار. وعندما تقرر اسرائيل الانسحاب هنا في مواجهة جيران سنضطر الي العيش الي جانبهم، تتوجه نحو سياسة المقاطعة التامة. مراقب هزلي للأحداث قد يعتقد أن ما يفعل فعله هنا ليس المصلحة القومية وانما الأنا القومية التي ترغب في معاقبة الفلسطينيين.

من المحتمل أن يتبين أن النهج أحادي الجانب مسألة لا بد منها، ولكن المشكلة هي أنه ليس خاضعا لنقاش حقيقي. النهج أحادي الجانب يُعامل علي أنه وسيلة وحيدة، وليس واحدة، من رزمة متنوعة من البدائل. وهو ليس كذلك: اذا كانت اسرائيل ترغب في انهاء سيطرتها علي اغلبية المناطق، فعليها علي الأقل أن تفعل ذلك من خلال المفاوضات حتي وإن لم تتمخض عن حل دائم شامل.

نداف ايالكاتب في الصحيفة(معاريف) 19/6/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية