تقصد هذه المقالة الكشف عن الأسباب التي كمنت خلف تبني الضابط الانكليزي أورد وينغيت (1903 ـ 1944) للصهيونية. مفترقا بذلك عن تلك الجمهرة من الامبرياليين الذين تطابقت ذواتهم مع مرجعيات الامبراطورية الأيديولوجية والسياسية مثل اللورد كرومر، وشاذا عن تلك الكوكبة من البريطانيين الذين كنوا للعرب قليلا أو كثيرا من الاعجاب والود. وتبسط المقالة ثلاثة أسباب رئيسة عملت علي صوغ هذه الشخصية التي لقبت بلورنس اليهود. وقد تمثل أولها في الارث العائلي والثقافي التاريخي، فقد كان أبواه عضوين في جماعة الاخوان بلايموث التي دأبت علي تدارس النبوءات التوراتية. وكان من وراء ذلك كله موجة من الخطابات السياسية والثقافية المشبعة بالرؤي القيامية التي اجتاحت بريطانيا منذ القرن السابع عشر. فقد جاءت الثورة البيوريتانية بقيادة أوليفر كروميل لتعين اتجاها جديدا غدا معه العهد القديم الذي وعد بالأرض لشعب مختار ناسخا للعهد الجديد الذي وعد بالسلام الأبدي. وتمثل ثاني هذه الأسباب في موقف بريطانيا الاستعمارية والذي اخذ صورته الرسمية في وعد بلفور الشهير، اذ تمازجت المؤثرات التوراتية التي غزت عقول جمع غفير من الساسة البريطانيين مع حسابات السياسة والاستعمار مما أنتج سياسة محابية لليهود وافقت مزاج وينغيت الايدولوجي. أما ثالث هذه الأسباب فقد تمثل في ما يمكن أن نطلق عليه المشترك السايكولوجي الذي يجمع وينغيت بالشخصية الصهيونية. اذ أن أي دراسة مقارنة لا بد وان تلمس ناظما فكريا وسايكولوجيا يجمع وينغيت بالشخصية اليهودية. فحديثه عما خبره من عذابات الطفولة بروح احتكارية ينتظم خطابيا، مع تلك الروح التي تبطن الأدبيات اليهودية التي تتحدث عن الهولوكوست. كما أن عنفه الذي لم ينج منه الجنود الأثيوبيون الذين خدموا تحت امرته ترادف مع السلوك الصهيوني المتوحد مع المعتدي النازي Identification في كل من فلسطين ولبنان. ناصر مصطفي ابو الهيجاءرسالة علي البريد الالكتروني6