أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (5)
نادم بعد خمسة وخمسين عاما علي اختياري السياسة بدلا من التاريخ مدفوعا بالصراع الحزبي في الجامعةفي جامعة كامبريدج كنت أمازح طلابي من الدبلوماسيين وأسميهم جواسيس المستقبل ولا أعتقد أني كنت أظلمهم!أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (5)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي بدأت الدراسة في الجامعة الأميركية في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1949، طالباً في صف الفرشمن . وتخرجت في العشرين من حزيران (يونيو) 1953 . ولم أجد صعوبة في الانتساب وكانت شهادة مدرسة صيدا عموماً وحصولي علي درجة الامتياز خصوصاً تؤهلانني لذلك ولا في التخرج، وإن لم تكن شهادة البكالوريوس بامتياز بل بتفوق. وأنا أعزو هذا التدني النسبي إلي انشغالي بالأمور السياسية والوطنية التي استولت علي جزء كبير من وقتي وأفكاري. غير أن الوضع العائلي السيء كان يشغل بالي طيلة الأعوام الأربعة، لأني كنت أدرك الصعوبات التي تواجه الوالد. كان راتبه، المتواضع أصلاً، قد انقطع بمجرد لجوئه إلي لبنان ربيع 1948. وعاش، حتي وفاته ربيع 1974، علي تقاعد زهيد جداً. ومع هذا عمل الوالد متطوعاً بلا راتب ولا مخصصات، قسيساً متجولاً لمدة ربع قرن، فكان يقوم مقام القسيس الأصيل في بيروت عند غيابه، ويتولي شؤون كنيستين تابعتين لكنيسة بيروت الإنجيلية في الحدث ومخيم الضبية. وكان يصرف أيام الأسبوع في زيارة العائلات الفلسطينية واللبنانية معزياً ومرشداً ومتفقداً، إلي جانب أنه كان، منذ أن وعيت هذه الأمور، يتبرع للكنيسة ولأعمال الخير بعُشْر مدخوله مهما كانت قيمة هذا المدخول.وكان يوسف في الأسر، وهو الذي سدد أقساطي المدرسية في القدس ثم في النصف الأول من 1948 في صيدا. وكان فؤاد قد تزوج حديثاً في غزة، وفايز يتابع تخصصه في جامعة جورجتاون في واشنطن، ومنير ما زال طالباً في كلية الطب في الجامعة الأميركية. وكان توفيق الوحيد الذي يعيل الأسرة في بيروت وكان راتبه محدوداً.مع هذا تمكن الوالد من أداء القسط الأول. وحصلت، منذ منتصف العام الدراسي حتي سنة التخرج، علي منح مدرسية من الجامعة، وكان بعضها هبة وبعضها الآخر قروضاً يتوجب تسديدها بعد أن أشرع بالعمل. لكني أعترف أني تباطأت في التسديد. ولما عدت من بريطانيا 1964 وجدت أن منيراً، وكان قد تخرج 1954 وعمل طبيباً في وكالة الأونروا، سدد كل ما كان بذمتي من قروض.أستغل الحديث عن نفقات تعليمي الجامعي للتطرق إلي مواضيع أرجو ألا تكون خارج جوهر المذكرات وإن كانت من صميم الذكريات.الموضوع الأول هو التكافل العائلي. إن أسرتنا تقدم خير دليل علي ضرورة تكافل الأسرة الواحدة، المحدودة الدخل، في نجدة أبنائها دون الاستعانة بالآخرين، بأن يقوم الأخ بإعانة أخيه الذي يتولي بعد ذلك الأمر نفسه مع من هم أصغر منه. فلولا إسهام الثلاثة، يوسف وتوفيق ومنير، مع الوالد في تغطية نفقات الدراسة لما استطعت أن أواصل تعلمي بعد أن تخرجت في المدرسة الابتدائية علي مدي سنوات في القدس وصيدا وبيروت. وهو ما حصل مع سائر الأخوة.أما الموضوع الثاني فهو دور الكنائس الإنجيلية في مساعدة أبنائها. إن تجربة عائلتي، وهي تجربة طويلة تشمل سبعة أبناء في مدي ثلث قرن، تؤكد أن الكنيسة الإنجيلية التي كان الوالد قسيساً فيها وخدمها أكثر من خمسين عاماً لم تسهم بقرش واحد بتعليم ابن واحد، علماً أن المدارس التي تعلمنا بها، الثانوية والجامعية، كانت كلها إنجيلية بمعني من المعاني، سواء في صفد أو القدس أو صيدا أو بيروت. وأية تخفيضات في الأقساط، أو القروض، كان الواحد منا يحصل عليها بعد تفوقه في الدراسة، أو لقاء القيام بأعمال ما، بغض النظر عن انتمائه أو انتماء والديه المذهبي. ولا شك أن هذه الحقيقة تكذّب مزاعم تنتشر بين أفراد من الطوائف العربية المسيحية غير الإنجيلية حول الطائفة التي لها فضل كبير جداً علي كل عربي مسيحي في المشرق العربي درس في معاهدها أو تطبب في مستشفياتها. إذ لا أظن أن هناك عائلة عربية مسيحية واحدة في دول الهلال الخصيب في المئة سنة الأخيرة لم تستفد علمياً وصحياً وثقافياً من المؤسسات الإنجيلية. أقول هنا دون أن أخوض الموضوع سياسياً فأبحث في عوامل قيام هذه المؤسسات أصلاً منذ القرن التاسع عشر وانتشارها، وهي عوامل كانت السياسات الاستعمارية تلعب فيها دوراً كبيراً ورئيسياً.إهانات بسبب الكيمياء والفيزياءافترض نظام التدريس الجامعي أن تكون الدراسة في السنة الأولي بدون تخصص ويبدأ في السنة الثانية التمهيد للتخصص بين الفرعين الرئيسيين العلمي والأدبي. ويجري التخصص كاملاً في السنتين التاليتين.والواقع أن اتجاهي نحو الفرع الأدبي كان قد تهيأ منذ سنوات الدراسة الابتدائية الأولي، حين تبين لي وللآخرين أني لا أصلح للعلوم الطبيعية بقدر ما أصلح وأجيد العلوم الإنسانية والأدبية.وهكذا، وبعد أن اجتزت المراحل الأولي في الجامعة التي فرضت أن أدرس الكيمياء والفيزياء والرياضيات إلي جانب الموضوعات الأدبية التي أحبّ، حصرت نفسي بهذه الموضوعات حتي تخرجي، إنما بعد أن أنهكتني العلوم البغيضة لمدة سنة كاملة وكادت تجرّني هارباً من الجامعة والدراسة كلها. كان أستاذ الرياضيات في الفرشمن من آل صايغ، وإن لم تكن بيننا أية قرابة عائلية. كان يختار أصعب الأسئلة ويوجهها إليّ لا ليحرجني فقط أمام زملائي بل ليدخل الصف كله في جو المرح والسخرية. وما زلت أسمع عباراته الشهيرة لي: يا صايغ لقد سوّدت وجه العائلة. ويا صايغ هل أنت حقاً من آل الصايغ؟ ويا صايغ أنت تبحث عن قط أسود في غرفة مظلمة والقط غير موجود أصلاً. وغير ذلك من الإهانات التي سبق لشقيقي توفيق أن أخبرنا من قبل أنه كان يسمعها من أستاذ الفيزياء في الكلية العربية في القدس! غير أن أستاذي لم ينصح والدي مثلما نصحه أستاذ الكلية العربية بأن يطعمنا تبناً وشعيراً لأننا من فصيل مختلف عن فصيل البشر! أما أستاذا الفيزياء والكيمياء في الجامعة فكانا يبذلان جهداً خاصاً لتدخل محاضراتهما إلي دماغي ويشجعاني وينتبهان لي حتي حصلت آخر العام علي درجة المرور المقبولة في كل من المادتين.في المقلب الآخر لم أجد صعوبة في المواد التي اخترت، وكنت مبرزاً في معظمها في اللغتين العربية والإنكليزية، وفي التاريخ والاجتماع، وفي السياسة والقانون الدولي والدبلوماسي. وقد أخطأت بحق نفسي حينما هربت من مادة الاقتصاد التي لم أستسغ محاضرة الأستاذ الأولي فيها. وجهلي المادة واضح في ما كتبت من كتب ومقالات سياسية.ندم عمره خمسة وخمسون عاماالندم الحقيقي، وعمره خمس وخمسون سنة، هو أني اخترت علم السياسة بدل التاريخ موضوعاً للتخصص. وأعترف أني لا أعرف الأسباب الحقيقية لعدم التخصص بموضوع أحببته منذ الدراسة الابتدائية والثانوية، وكنت أقبل عليه وأقرأ ما تيسر لي من كتب فيه بنهم وشغف. لعل الجو السياسي والصراع الحزبي المحموم الذي اشتد في الجامعة الأميركية، وفي أوساط الشباب العربي عموماً وفي أعقاب نكبة فلسطين خصوصاً، هو الذي أوقعني في فخ السياسة كعلم مثلما حاول إيقاعي في فخها كممارسة لفترة محدودة جداً في الخمسينيات. وقد شعرت بالندم باكراً. فبعد أن نلت شهادة البكالوريوس 1953 متخصصاً في السياسة والعلاقات الدولية، أخذت عدداً من حصص التاريخ عموماً والتاريخ المعاصر وتاريخ العرب وفلسفة التاريخ والمنهج التاريخي مع عدد من الأساتذة في الجامعة كمواضيع ومواد اختيارية وإضافية ما بين 1954 و 1957. وبين الأساتذة الذين تتلمذت عليهم آنذاك قسطنطين زريق ونبيه أمين فارس وزين زين.أذكر هؤلاء، وغيرهم، من أساتذة الخمسينيات في الجامعة الأميركية. كان هؤلاء الثلاثة، ومعهم نقولا زيادة ومحمود زايد، من الذين أثروا حياتي العلمية وأثّروا في حياتي العملية. وكان لكل منهم شخصيته المميزة. كما انفرد كل منهم بتخصص وبمزايا في التدريس خاصة به. استفدت في فهم التاريخ كعلم ورسالة من زريق. واستهوتني روايات التاريخ وطرائفه التي برع زين في حكايتها وإن كان معروفاً أنه يقسم طلابه إلي ثلاث مجموعات الدرجة العليا للفتيات الجميلات، والأقل للأقل جمالاً، أما الدرجة الأدني فللذكور، مهما كانت كفاءاتهم. ولأني كنت طالباً مجتهداً كان يكسر القاعدة أحياناً فينالني ما ينال الفتيات غير الجميلات. وكنت أقتنع بذلك!. وكان زيادة وما زال يعرف التاريخ كله، بحقبه وعصوره وعهوده، عن ظهر قلب. واهتم زايد بخفايا الجانب السياسي من تاريخنا العربي المعاصر. وهكذا أصبحوا كلهم أصدقاء لي. وامتدت صداقتهم ولقاءاتي بهم إلي وقت متأخر. فكان زريق أكثر مشجع لي علي أن أكتب في التاريخ. وكان زين يناقشني في ما أنشر خاصة إذا تعرّضت لمواضيع مذهبية. وكان زايد يعهد اليّ بمشاركته في مناقشة رسائل دكتوراه. ولم أشرف علي مشروع ثقافي في الثلاثين سنة الأخيرة إلا وكان زيادة زميلاً مكرماً إلي جانبي ومستشاراً لا أستغني عن مشورته. أما نبيه فارس فقد احتل في قلبي كطالب وكمهتم بالتاريخ مكاناً لم يحتله أحد. كان بطلي الذي لا ينازعه أحد في تدريس التاريخ. أحببته واحترمته لا لعلمه فحسب وإنما أيضاً لتواضعه ولطفه ودماثة خلقه ولاهتمامه بي ومحاولاته أن أصبح مؤرخاً ناجحاً ومعروفاً. وكنت من شدة تعلقي بطبريا أن اخترت المؤرخ الطبري موضوعاً لبحث قدمته له علماً أن الطبري ينتسب إلي طبرستان الفارسية وليس إلي طبريا. وأعجب فارس بالبحث كثيراً وأخذ منذ ذلك الحين يعتبرني تلميذه المفضل. وكان يلدغ بحرف الراء مثلي، ويقول لي مازحاً إذا كانت راءاتنا، أنت وأنا، سقيمة فإن آراءنا سليمة! وبعد رحيله شكلتُ لجنة لتخليد ذكراه لكنها كالمألوف في مثل هذه اللجان تموت قبل أن تحقق شيئاً له قيمته.وكانت السياسة تغلب علي العلاقات بين الطلبة أنفسهم وإن لم يكن لها شأن كبير في العلاقات مع الأساتذة إلا ما ندر. والحديث عن انتماءاتي السياسية والحزبية آنذاك يجيء لاحقاً في الفصل السابع عن الحزب السوري القومي الاجتماعي. لكني أشير هنا إلي أن الانخراط في العمل الحزبي كان له دور إيجابي في الحياة الأكاديمية، إذ إنه كان يحملنا علي المطالعة وحضور الندوات والمحاضرات وممارسة فن الحوار والنقاش في محاولة كسب الزملاء والرد علي الخصوم. وإن كان من الجهة الأخري يلهينا أحياناً عن الاستعداد للامتحانات.المقاهي السياسيةكانت الجلسات في المقاهي السياسية، كما في الصفوف، ذكورية في غالبها. كانت الفتيات في الجامعة آنذاك النصف الأول من الخمسينيات قلة. لم يكن معنا أية طالبة في صف الفرشمن. وفي السوفمور كانت هناك فتاتان أو ثلاث فقط علي ما أذكر. وارتفع العدد في الصفين الأخيرين. إلا أن النسبة ظلت متدنية. ولولا حرص النساء عموماً علي إخفاء أعمارهن لكنت ذكرت أسماء بعض الزميلات ممن كن معنا في الصف وأحياناً خارج الصف. وبينهن اليوم أستاذات وأديبات وكاتبات لامعات وزوجات ناجحات أو فاشلات. طلبت إحداهن مني مرة قبيل عقد اجتماع عام كانت ستشارك فيه أن لا أذكر أننا من جيل واحد في الجامعة خوفاً من أن يكتشف الحاضرون عمرها وكانت تحرص أن تبدو أصغر مما يعتقد الناس. ولن أنسي زميلتين أدركتا ضعفي أمام الأشياء الطيبة المذاق. فكانت إحداهما وهي اليوم أديبة وباحثة بارزة تصطحب معها إلي صف الدكتور نبيه أمين فارس حلويات نشترك في التهامها قبل أن يرانا الأستاذ. ولكنه كان يرانا دون أن نعلم. وبعد تخرجي عاتبني علي ذلك وقال إنه لولا رعايته لنا لكان طلب إخراجي أنا والزميلة من الصف. أما ثانيتهما فقد تعرفت علي نوع من الشوكولاته نزل حديثاً إلي أسواق بيروت آنذاك توبلر . وكنت أنا من المدمنين علي أكل الكت كات . وأصبحنا في كل يوم عندما نلتقي في درس علم الاجتماع مع الدكتور جميل سعيد نتبادل ألواحاً من هذين الصنفين. وكنت أنا الرابح لأن الكت كات كانت بنصف سعر التوبلر! وقبل أن أنهي الكلام في ذكريات زميلات الجامعة في الثلث الأول من خمسينيات القرن الماضي أعرّج علي ذكر زميلة كنت وإياها نختلف في الرأي السياسي اختلافاً كبيراً. لكن ذلك لم يعكّر صداقتنا. وفي ذات يوم سألتني عن رأيي بكاتب فلسطيني لم أكن معجباً به، لا بآرائه وكتاباته ولا بتصرفاته. فقلت رأيي بصراحة وصرامة. ولما أنهيت مطالعتي القاسية قالت سألتك عنه لأنه سيخطبني هذا المساء. ولم أعتذر. وتوقعت ألا تستمر علاقاتهما. وبالفعل حصل طلاق بعد وقت قصير. المهم في الموضوع أني تعلمت درساً ألا أعطي رأيي بصراحة في موضوع لا يهمني وليس شأناً عاماً قبل أن أعرف خلفيات الطلب، إذ لعل الكلام الصادق يجرح بعض الناس بدون داع.ولا مجال لتسمية زملاء برزوا في الأعوام التالية في دروب الحياة وضروب التخصص والعمل. فهم بالمئات ومن كل الأقطار العربية. تزعّم العشرات منهم العمل السياسي واستوزر بعضهم في لبنان وسورية والأردن والعراق ودول الخليج والفصائل والمؤسسات الفلسطينية. ومنهم قادة الرأي وأبرز عناوين المجتمع المدني والمهن الحرة، وكلما التقي اثنان منهم أخذا يذكران أيام الجامعة ويترحمان ويندمان علي انقضاء تلك الأيام وعدم تكرارها. فترة التوزعحتي لا تنقطع تلك الأيام بسرعة مع التخرج، بقيت في أجواء الجامعة ومحيطها بعد التخرج لخمس سنوات متواصلة. وأنا أسميها مرحلة ما بين التخرج وما بعد التخرج، أي ما بين الانتهاء من مراحل الدراسة في الجامعة الأميركية والالتحاق بجامعة كمبردج في بريطانيا.يبدو غريباً أن أواصل الدراسة ولو بشكل متقطع ودون أن أسعي لنيل شهادة ما وأنا الذي كرهت المدرسة منذ طفولتي، وكان انتهاء الدراسة في آخر كل سنة عيداً ومناسبة فرحة. إلا أن حبي التاريخ، وندمي علي أنني لم أختره موضوعاً رئيسياً للتخصص جعلاني أقبل علي حضور محاضرات وندوات في التاريخ، مع شلّة من الأساتذة الأكفاء الذين أصبحوا أصدقاء دون أن أضطر للجلوس إلي الامتحانات في آخر كل فصل. وكان ذلك نوعاً من الدراسة الحرة، وهي برأيي أفضل أنواع الدراسة الجامعية. فالمرء يحصل علي المعرفة التي ينشدها ولا يطمع في اعتراف يرفع من رتبته أو راتبه. وفي الوقت نفسه يتحرر من رهبة الامتحان. وقد كنت، ولا أزال، أكره الامتحانات كل الكره. ولعلني كرهت الدراسة بسبب كرهي للامتحانات التي ترتبط الدراسة بها. والشفهي أبغض أصناف الامتحان. وكانت الساعتان اللتان جلست خلالهما أمام الأساتذة وعلي رأسهم سيسل حوراني في الامتحان النهائي الأساسي، الشفهي، قبل البتّ بأهليتي لنيل شهادة البكالوريوس هما من أصعب وأمر أيامي الجامعية. وتشاء الصدف المتآمرة عليّ أن يكون الرئيس السوري أديب الشيشكلي أصدر في اليوم السابق دستور سورية الجديد. ولم أكن قد اطلعت عليه. بل ربما لم أكن قد سمعت به. وإذا بأستاذي يسألني عن رأيي وتقويمي للدستور الجديد مقارنة مع القديم. وبإمكان القارئ أن يتصور إحراجي وانهمار العرق يتصبب فوق جبيني. ومع هذا كان جوابي مرضياً واجتزت الامتحان العسير.سبب آخر لمواصلة الدروس المتقطعة والحرة في تلك الفترة أني لم أكن أعرف ماذا سأعمل كمهنة أستقر عليها. لم تعرض عليّ وظائف غير التعليم في مدارس ثانوية. وهو أمر رفضته لأني كرهته. بل إن والدي اضطرني إلي الاتفاق مع مدير إحدي المدارس الخاصة، وكان صديقاً له، علي التدريس عنده. ولما حان الموعد تغيبت دون عذر فصرف النظر عني واختار أستاذاً آخر.ملأت وقتي في هذه السنين الخمس بأمور أخري إضافة إلي التردد علي الجامعة لحضور المحاضرات في التاريخ. فكتبت مقالات ونشرت كتباً وساهمت في تحرير قواميس، كما عملت عملا رسمياً براتب شهري لمدة سنة في التعليم ولمدة سنة أخري في التحرير. وسأتحدث عن بعض هذه الأعمال الآن وأرجئ بعضها الآخر إلي الفصل التالي من الكتاب.أبرز عمل رسمي في هذه المرحلة الوسطي كان التدريس في القسم الفرنسي من الجامعة الأميركية لمدة سنة. وقد اخترت مادة التاريخ العربي. وكانت أول تجربة لي بالتدريس، لأكتشف أني إن كنت أكره الدراسة فأنا أكره التدريس أكثر. كان انقضاء ساعات التدريس اليومية أجمل لحظات النهار. ولا أستغرب إذا كان طلابي يشعرون الشعور نفسه. كنت أري الملل والشرود والنعاس في أعينهم وأنا أحدثهم عن تاريخ لبنان. ولو كانت الجامعة تستفتي طلابها عن أساتذتهم وتطلب تقييمهم كما تفعل الآن معظم المعاهد التربوية لكنت نلت أدني الدرجات. غير أن بعض الطلبة أصبحوا أصدقاء وزملاء لي بعد انقضاء تلك السنة السوداء، مثل ميشال أبو جودة وفريد سلمان ورفيق المعلوف، وقد أصبحوا من كتّاب النصف الثاني من القرن الماضي المعروفين. وأصبح آخرون وزراء ونواباً وسفراء في لبنان.كمبردجكنت في أواخر السنة الدراسية 1952 قد تعرّفت إلي زميلة أردنية تتخصص في الأدب العربي في الجامعة، هيلدا جليل شعبان وامتد التعارف إلي صداقة ثم إلي حب ثم إلي قرار بالزواج لكن قراراً مثل هذا يتطلب انتظاماً رسمياً في عمل ثابت وهو الأمر الذي كنت أتحاشاه من قبل وأمضي الأيام 1954 ـ 1959 بين الصفوف الجامعية ومكاتب الصحف ودور النشر والمقاهي والمطاعم متسكعاً ومتردداً بل وتائهاً أيضاً فالزواج استقرار بالدرجة الأولي لذلك حينما أعلمني شقيقي توفيق في أواسط 1959 أنه ينوي الاستقالة من عمله كأستاذ للدراسات المشرقية في جامعة كمبردج حيث كان يدرّس منذ 1955 واقترح عليّ أن يرشحني مكانه رضيت فوراً، وأبلغت هيلدا قراري وكانت تعمل في عمان وهكذا أعلنا الخطبة ثم الزواج في 29/8/1959، وغادرنا عمان إلي بيروت إلي شهر العسل في الطريق إلي كمبردج، في أثينا ثم روما ثم جنيف ثم لندن استغرقت الرحلة ثلاثة أسابيع، وقد غطت جامعة كمبردج تكاليفها وهكذا يبدأ فصل جديد من حياتي المدرسية، دراسة وتدريساً.وإذ كنت في هذا الفصل من ذكرياتي أواصل الحديث عن الحب المفقود بين الحياة المدرسية وبيني فلا بد أن أعترف أن السنوات الخمس في كمبردج كانت أجمل ما في حياتي وهذا ما تقوله أيضاً زوجتي وقد كانت هي السنوات الخمس الأولي في حياتنا الزوجية التي قاربت الخمسين سنة، فبعيداً عن الساعات الست التي كنت ألتقي فيها طلابي أسبوعياً، والساعتين اللتين كنت ألتقي فيهما أستاذي شهرياً، كانت ساعات كمبردج في النهار والليل هي الأجمل وذات الأثر الأبقي في الذاكرة. يعود الفضل إذن إلي المدينة وحياتها وطبيعتها وناسها ومناظرها وتقاليدها وفنونها وليس إلي حجرات الدرس وقاعات التدريس بل إن العلاقة مع الطلاب، طلابي وطلاب زوجتي التي عيّنتها الجامعة أستاذاً مساعداً ، كانت أغني وأنفع من العلاقات التي تقوم عادة في بلادنا بين الأساتذة والدارسين.ليس هنا مكان الحديث عن المدينة والحياة فيها، عن مسارحها وسينماتها ونواديها وحدائقها وشوارعها ومكتباتها ونهرها ومقاهيها وأزهارها ولنحصر الكلام في ذكريات الجامعة.ذهبت إلي كمبردج كأستاذ للعلوم المشرقية وكان للدراسات العربية والفارسية والتركية والعبرية دائرة واحدة وكان علي طالب هذه الدراسات أن يتخصص في اثنتين من اللغات المذكورة وكان معظم طلابي يختارون الفارسية إلي جانب العربية والقليلون اختاروا التركية ولم يكن بين طلابي في السنوات الخمس من اختار العبرية مع العربية.عبد العزيز البشري في لندنتنوعت مواضيع الدراسة المشرقية بين القرآن والفقه واللغة والأدب والتاريخ والاجتماع، بحيث تتداخل كلها في توافق يؤهل الدارس بعد ثلاث سنوات من التحصيل أن يعدّ نفسه وأن يعتبره الآخرون متخصصاً في الدراسات العربية أو الفارسية أو التركية أو العبرية وكان معظم الدارسين ويراوح عددهم في السنة الواحدة بين العشرة والخمسة عشر من الطلاب الأوائل في مدارسهم الثانوية ممن حصلوا علي منح دراسية بفضل تفوقهم، ومن الذين يطمحون إلي العمل في مجالات تتطلب معرفة العرب والعربية، كالسلك الدبلوماسي والشركات العالمية الكبري ولذلك كنت أمازح طلابي وأسميهم جواسيس المستقبل ولا أعتقد أني كنت أظلمهم! وكنت أذكّرهم أن بالمر من أوائل أساتذة الدراسات المشرقية في كمبردج، قتله الوطنيون في سيناء في عام 1881، بعد أن راقبوه وهو يتجول في ديارهم بحجة البحث عن الآثار ودراسة طبيعة المنطقة ومسح أراضيها، فاتهموه بالتجسس وكان ذلك قبيل غزو بريطانيا لمصر ومدّ سيطرتها علي سيناء 1882 ولا ننسي أن الدبلوماسي الصهيوني أبا إيبان، الذي أصبح وزيراً لخارجية إسرائيل، شغل المنصب، الذي شغلته أنا، قبلي بعشرين سنة وكان يتقن اللغة العربية، وهو الذي ترجم توفيق الحكيم إلي الإنكليزية وتشاء الصدف أن أعطي مكتباً كان يشغله قبلي بسنوات طلاب الدراسات الشرق أوروبية، وكان بينهم أربعة ثبت فيما بعد أنهم كانوا يتجسسون لحساب السوفيات ضد بريطانيا، واشتهر أحدهم وحوكم غيابياً بعد أن فرّ من بريطانيا إلي لبنان ومنه إلي موسكو اسمه كم فيلبي، وهو ابن المستعرب البريطاني سانت جون فيلبي الذي أسلم وعرفه الناس باسم الحاج عبدالله فيلبي. وقد اجتمعت به عدة مرات في الخمسينيات والستينيات في منزل شقيقي يوسف وكان الرجل مؤيداً لهتلر ويعارض سياسة بلاده الخارجية المحابية للصهيونيين!وكنت أروي للطلبة طرائف الكاتب المصري الفكه الشيخ عبد العزيز البشري الذي زار لندن في الثلاثينيات وأراد مرة أن يمسح حذاءه ولما أنجز الماسح عمله أعطاه الشيخ جنيهاً إنكليزياً كاملاً، وكان السعر أقل من عُشر المبلغ، فاستغرب رفيق له كرمه هذا فأجابه البشري من يدري، لعل ماسح الأحذية هذا يأتي إلي مصر يوماً وزيراً أو حاكمداراً أو مفوضاً سامياً وأحتاج إلي عطفه ومساعدته!لم تكن السياسة وحدها وراء إقبال الطلبة علي الالتحاق بالدراسة العربية بل كان بينهم قلة تبدي اهتماماً أكاديمياً باللغة العربية أو الحضارة العربية أو الدين الإسلامي. أحدهم، رودني الغار، أصبح من كبار المستشرقين الأكاديميين، وأسلم وسمّي نفسه حامد الجار وهو حالياً من كبار أساتذة جامعة بيركلي غرب الولايات المتحدة. وأصبح ماتوك من أساتذة الجامعة المعروفين وكذلك برز في حقل الاستشراق كل من كوك وإليزابيث وإبرتون وجون تايلور وجاكسون وفي المقابل تسني لي في الثلاثين سنة الماضية أن أجتمع مع أربعة أو خمسة من طلابي السابقين الذين التحقوا بالسلك الدبلوماسي في البلاد العربية وأصبح معظمهم سفراء مثّل أحدهم بلاده في لبنان في الثمانينيات جون غراي ومثّل فولرتون بلاده في بعض دول الخليج. وأصبح أحد طلابي، بتل، عضواً في مجلس اللوردات ترأس في الثمانينيات جمعية تعمل ضد الاتحاد السوفياتي وكان يمينياً متطرفاً ومتعجرفاً.كان الطلبة الذين درّستهم في كمبردج بريطانيين باستثناء واحد، هو الأمير رعد بن زيد بن الحسين الهاشمي، الذي يتولي منصباً عالياً في القصر الملكي في عمان منذ تخرجه في الستينيات وأعترف أني استفدت من تدريسي هؤلاء في السنين الخمس بقدر ما استفادوا هم. أتيح لي أن أطلع علي تفكير الشباب البريطاني مثلما أتحت لهم التعرف علي حياتنا ومشاكلنا وأوضاعنا وتاريخنا وأدبنا وديننا ومجتمعنا وأتحت لبعضهم أن يأتي في العطل الصيفية إلي لبنان ويدرّس الإنكليزية في بعض المعاهد الثانوية في برمانا وسوق الغرب وعاليه ويتدرب في الوقت نفسه علي التحدث بالعربية ووضعت لهم قاموساً صغيراً بآلاف التعابير والمصطلحات التي يجب أن يعرفها المبتدئ باللغة الذي يزور الوطن العربي، في مجالات السفر والمطاعم والفنادق والتعامل والتبضع وغير ذلك.كنا، زوجتي وأنا، نتبادل الزيارات وشرب الشاي مع الدارسين والدارسات في شقتنا وفي شققهم وكانت الأحاديث الثقافية علي مستوي عال وأعترف أنه فوق المستوي المألوف في بلادنا. وكذلك كان الحال مع زملائي من الأساتذة البريطانيين الذين ترأسهم المستشرق أربري ومع أنه نقل القرآن الكريم والكثير من التراث العربي إلي الإنكليزية وترأس تحرير مجلة ثقافية فصلية باللغة العربية في الحرب العالمية الثانية كان يتحاشي التكلم بالعربية لأنه كان يخطئ بها كثيراً! والواقع أنه باستثناء دنس جونسون دافز، لا أعرف مستشرقاً مستــــعرباً بريطانياً واحداً نستطيع أن نقول إنه يتقن العربية كما يتقن أحدنا اللغة الإنجليزية، وكانت زوجته يهودية الأصل من الإسكندرية، تعترف بعــــدم وجود مشاعر ودية لديها تجاه العرب وكانت تقول إنها إذا لم تحـــــب إنساناً تنسي اسمه بصورة لاشعورية، لذلك لم تكـــن زوجتي تستغرب حينما تلتقيها أنها تنسي باستمرار اسم شقيقي توفيق واسمي أنا وكنا دائماً نتناقش معها في السياسة أما جمال عبد الناصر فكان عدوها الألد وفي آخر أيام إقامتنا أصبحت تنسي اسم زوجتي أيضاً!وشارك في التدريس مستشرقان آخران ليونز وهوبكنز وكانا صديقين لنا وللعرب عموماً أما المستشرق الاسكتلندي الأصل، دنلوب، فكان إلي جانب عملنا معاً هو الأستاذ المشرف علي دراستي لكنه كان أبعد ما يكون عن التاريخ الحديث انحصرت معلوماته واهتماماته بالتاريخ الإسلامي في القرون الوسطي إلي جانب تخصصه بتاريخ اليهود الخزر في آسيا الوسطي. ولهذا السبب كان صديقاً لبن زفي ثاني رؤساء إسرائيل الذي وضع كتاباً عن تلك الجماعة من اليهود ومع ذلك كان دنلوب مفيداً في تقديم الملاحظات علي ما أعدّ من فصول من دراستي من حيث المنهج والمراجع والأسلوب. وحينما غادر الجامعة وهاجر إلي الولايات المتحدة استبدلته الإدارة وعيّنت ألبرت حوراني مشرفاً عليّ، مع أنه كان من أساتذة جامعة أكسفورد، والصراع أبدي وحامي الوطيس دائماً بين الجامعتين حتي اننا اعتدنا ألا نذكر اسم أكسفورد علي ألسنتنا بل نسميها المكان الآخر وإذا أراد أحدنا أن يذهب إليها، وقد اضطررت للذهاب عدة مرات في السنة الأخيرة لمقابلة أستاذي نقول، إنه نزل وليس ذهب. وكان بين المدينتين اللتين تبعدان عن بعضهما بعضاً ستين كيلومتراً فقط رحلتان اثنتان في القطار في الأسبوع بينما كانت الرحلات اليومية بالقطار بين كل من المدينتين ولندن أكثر من عشر رحلات ومن الطبيعي أن أتابع، حتي اليوم، السباق السنوي التقليدي في القوارب بين الجامعتين قبيل عيد الفصح من كل عام، ومن الطبيعي أن أفاخر بفوز كمبردج علي غريمتها وهو فوز يتكرر عاماً بعد عام أما الاحتفاء الأهم فهو بنيل كمبردج في السنوات العشر الأخيرة الدرجة الأولي في مستوي التدريس الجامعي، بينما تتنافس جامعتا أكسفورد ولندن علي المركز الثاني.أقمنا زوجتي وأنا صداقات مع أستاذي الفارسية والتركية، شرف وغانجي وبينما كان ثانيهما أعزب دائماً و دون جواناً يستغل شبوبيته وظرفه وأناقته ولا يكترث كثيراً لصفوفه وطلابه، كان الأول، الإيراني، من أروع من عرفت في حياتي ثقافة وعلماً، وكان واسع المطالعة والاطلاع والخبرة في حقول المعرفة المتنوعة، شاملة الطب والمأكولات والزهور والأدوية والموسيقي إلي جانب الفلسفة والتاريخ واللغات والآداب لكننا كنا نختلف معاً في آرائنا السياسية ولذلك كنا نتحاشي الخوض فيها. وقد تزوج شرف من فتاة ألمانية وكانت خير رفيق له في العمل كما في الدراسة لكنهما انفصلا عن بعضهما إثر عودتهما إلي إيران ومع هذا ظلت علاقتنا بهما جيدة إلي حين وفاته مؤخراً، وعودتها هي إلي ألمانيا وكان شرف في آخر حياته يترجم شعر شقيقي توفيق إلي الفارسية وقد طلب الناشر الإيراني مني أن أضع مقدمة للكتاب.وبطبيعة الحال كانت العلاقات قوية مع الأساتذة الآخرين في الدراسات المشرقية، كان بينهم بيتر أفري الخبير بالفارسية الحديثة الذي عرف بغرابات حياته الخاصة وروزنتال المختص بابن خلدون الذي عرف بأناقته المفرطة وهو في الثمانين من العمر. أما أطرف الأساتذة وكان متقاعداً تجاوز الثمانين فهو مينورسكي صاحب أفضل المؤلفات في الأدب الجغرافي العربي، وكان مرحاً وخفيف الظل وقد أطلق عليّ اسم أنيس العشاق.ولم يكن في كمبردج أثناء إقامتي أي أستاذ عربي أما الطلاب فكانوا بالعشرات، نصفهم عراقيون ومصريون والنصف الآخر من الأقطار العشرين الأخري، وندر وجود طلبة من شمال أفريقيا وكان هؤلاء الطلبة علي نوعين حوالي النصف ينتمون رسمياً إلي الجامعة، ويقيم النصف الآخر في المدينة ويدرس في بعض معاهدها إما لتحسين لغته الإنكليزية أو لمجرد سكني بريطانيا ليعود فيما بعد إلي بلده ليروي لأصحابه حكايات كمبردج. وشكّل أفراد الجماعتين مجموعة متراصة واحدة، بالرغم من وجود انقسامات طارئة بسبب المواقف والانتماءات السياسية بين الناصريين والبعثيين والشيوعيين واستطعت منذ 1960 أن أجمع الطلبة كلهم، علي تعدد انتماءاتهم، في حلقة دراسية وثقافية واحدة، وهي أساس الفكرة التي انطلقت بها في بيروت بعد ثلاثين سنة باسم اللقاء الثقافي الفلسطيني الذي سيأتي الكلام عنه في الفصل الأخير من الكتاب واستمر انعقاد حلقات هذا التجمع إلي آخر أيامي في كمبردج.أذكر من بين الذين عاصرتهم في كمبردج وأسهموا بعد العودة إلي الوطن في الحياة الثقافية أو السياسية في الأقطار العربية المختلفة إميل المعلوف وجعفر بخيت وجورج أبي صعب وحمدي السكوت وخالد الشاعر وخليل حاوي وخير الدين حسيب ورعد بن زيد ورياض نجيب الريس وسلمي الراضي وعادل عبدالله وطاهر كنعان وكامل الشيبي ولمياء الكيلاني ومصطفي عبادي وزوجته عزة كرارة ونديم نعيمة.الدكتوراهذهبت إلي كمبردج أستاذاً وعيّنت الجامعة زوجتي هيلدا أستاذاً مساعداً واغتنمتُ فرصة إقامتي، وبتشجيع بل وملاحقة من رئيس الدائرة، أربري، سجلت اسمي للدكتوراه ولما كنت قد صرفت السنين الأخيرة في بيروت دون أن أسعي للحصول علي درجة الماجستير قبلت الجامعة معاملتي كمن يحمل تلك الشهادة بشرط أن أمثل أمام رئيس الجامعة الماريشال اللورد تدر، قائد سلاح الجو البريطاني المتقاعد ليمنحني شهادة فخرية، وذلك بأن أنحني أمامه في يوم معين ويربت علي كتفي بسيف ويردد كلمات باللاتينية لا أفهم معناها وهكذا أصبح مؤهلاً للتحضير للدكتوراه!تم ذلك الإجراء بسهولة أما هيلدا فلم تحتج إلي كل هذه المعاملات الشكلية لأنها كانت تحمل شهادة الماجستير من بيروت من قبل مشكلتها أنها ترددت كثيراً وقاومت إغراءات الدكتوراه طويلاً ولم توافق إلا في السنتين الأخيرتين واختار أربري لها وكان هو المشرف عليها موضوعاً مهماً هو المقارنة بين الشعرين الأندلسي والمشرقي أما أنا فكان موضوعي الفكر القومي في مصر في القرن التاسع عشر.يمنع نظام التدريس في الدائرة المشرقية تجديد عقد العمل مع الأستاذ الأجنبي أكثر من أربع مرات، بحجة أنه بعد إقامته في بريطانيا خمس سنوات متتالية يحتاج أن يعود إلي وطـــنه ليجدد ثقافته المحلية الأمر الذي عني أن القانون لم يكن يســــمح لي بالبقاء في كمبردج بعد 1964 وكان تجديد العقد أربع مرات، دون أن أسعي أنا إلي ذلك، دليلاً علي أن إدارة الجامعة لم تكن تعتبرني أستاذاً فاشلاً كما كنت أعتبر نفسي!غادرنا كمبردج عائدين إلي لبنان قبل أن تنتهي زوجتي من تحقيق المطلوب، مع أنها كانت قد أنجزت القسم الأكبر من العمل ووعدت بأن تنهي باقي العمل في لبنان، لكن التحاقها بالتدريس في كلية بيروت الجامعية، الجامعة اللبنانية الأميركية حالياً، ألهاها عن الوفاء بوعدها ويجدر أن أذكر أن جامعة أكسفورد عرضت عليّ التدريس فيها ما دمت قد أنهيت ارتباطي مع كمبردج لأصبح عضواً في كلية سانت أنطوني التي كان أستاذي ألبرت حوراني من المسؤولين فيها عن الدراسات المشرقية لكني وزوجتي كنا قد قررنا العودة إلي الوطن.عندما أتحدث عن الأيام الحلوة في كمبردج حديث الحنين إنما أشمل في كلامي أيام لندن أيضاً ذلك أننا كنا في تلك السنوات الكمبردجية الخمس نذهب إلي لندن باستمرار. وكان شقيقي توفيق، الذي انتقل من كمبردج إلي لندن آخر 1959 ليدرّس في جامعتها، أكبر مساعد لنا للتعرف علي لندن مثلما كان أكبر مساعد في التعرف علي كمبردج من قبل إذ كان توفيق خبيراً بالأمور والأماكن الجميلة والتاريخية والغريبة وغير المألوفة وذات النكهة الخاصة التي لا يستوعبها إلا أمثاله من الذوّاقين. وهيـــــلدا وأنا ندين له الكثير بفضل إرشادنا إلي جــــمالات هاتين المدينتين وخفاياهما وغرائبهما ـ وكان هناك غيرنا كثيرون من العرب في بريطانيا، من مقيمين وزوار، من الذين كان توفيق المرشد والرفيق الذوّاق لهم في ما بين 1954 و 1963.7