الدم العربي والاسلامي صار سلعة في سوق النخاسة
عمر نجيبالدم العربي والاسلامي صار سلعة في سوق النخاسة نقلت التلفزة الاسرائيلية وعدة وكالات أنباء دولية يوم الجمعة 2 حزيران (يونيو) 2006 خبرا مفاده أن جنديين اسرائيليين من حرس الحدود قتلا علي يد حرس القوات المصرية في منطقة الحدود بين الطرفين في منطقة سيناء. تضاربت الأخبار حول ظروف الحادثة البعض ذكر أن الاسرائيليين دخلا الأراضي المصرية وأطلقا النار، آخرون أفادوا أن القوات المصرية قتلت الجنديين داخل الأراضي الاسرائيلــــية. مباشرة بعد ذلك أعلن رئيس وزراء اسرائيل أولمـــــرت الغاء زيارته المقـــــررة لمصر وتأجيلها الي أجل غير مسمي وطالب القاهرة بالتحقيق في الحادث والاعتذار الي اسرائيل ومحاكــمة المسؤولين وتقديم تعويضات لعائلات الجنديين الاسرائيليين .هذا الخبر السابق ظهر أنه كان حلم مواطن عربي في ذلك اليوم بعد أن سمع الخبر الصحيح وكان الأمر هو أن اللذين قتلا كانا ضابطين في الشرطة المصرية. الشهيدان هما محمد بدوي صديق وأيمن سعيد محمد حامد من قطاع الأمن المركزي بمنطقة النقب وسط سيناء.قبل ظهر يوم الجمعة 2 حزيران (يونيو) أكد مصدر أمني مصري أن عنصرين من القوات الأمنية المصرية المكلفة بتأمين خط الحدود الدولي بين مصر واسرائيل بسيناء قتلا بالرصاص فجر ذلك اليوم وتم العثورعلي جثتيهما بالقرب من الحدود الدولية داخل الأراضي المصرية في سيناء علي بعد 100 كيلومتر من غزة.ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية عن المصدر ذاته، أنه عثر علي جثتي القتيلين وهـــــما برتبة أمين شرطة، ومعهما سلاحهما وكامل معداتهما، مشيرا الي أن البحث جار بشأن الواقعة وتحديد ملابستها.وكانت اذاعة بي بي سي البريطانية نقلا عن مصادر اسرائيلية، قد ذكرت في وقت سابق في نفس اليوم أن اثنين من المتسللين الي الأراضي الاسرائيلية لقيا مصرعهما علي الحدود المصرية ـ الاسرائيلية، مشيرة الي أنهما قاما باطلاق النار خلال محاولتهما التسلل الي الأراضي الاسرائيلية وأن القوات الاسرائيلية قامت بالرد عليهما.في اليوم التالي أي السبت ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية أن التحريات الأمنية المصرية أفادت أن الشرطيين اللذين قتلا قد لقيا مصرعهما حينما كانا متواجدين بالجانب المصري من الحدود. وأضافت الوكالة أن الجانب الاسرائيلي قام بسحب جثتي الشرطيين المصريين للادعاء بانهما قد ماتا بالأراضي الاسرائيلية .وكانت متحدثة باسم الجيش الاسرائيلي قد قدمت يوم الجمعة رواية مختلفة للحادث، حيث ذكرت أن الشرطيين المصريين كانا من ضمن مجموعة مكونة من ثلاثة أفراد اقتحمت الحدود في الفجر قرب جبل ساجي المواجه لبلدة بير المعين الحدودية المصرية وفتحت النار علي الجنود الاسرائيليين الذين ردوا عليها بالمثل.وادعت المتحدثة أن الشرطي الثالث عاد الي الأراضي المصرية فيما أصيب جندي اسرائيلي بجروح بسيطة في حادث تبادل اطلاق النار.وكان راديو اسرائيل قد ذكر يوم الجمعة أن وزير الدفاع عمير بيريتس أمر باجراء تحقيق في واقعة اطلاق النار الذي يأتي قبيل اللقاء الذي سيتم بعد الحادث بـ 48 ساعة في شرم الشيخ بين الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت.بعد ذلك بدأت التقارير الصهيونية تتضارب حول الحادث واستشهاد الشرطيين المصريين. فذكر تقرير عسكري اسرائيلي تمهيدي ان الشرطيين قتلا في اسرائيل فيما كانا يلاحقان مهربين. وتوصل التقرير الي أن الشرطيين كانا يعتقدان بأنهما يواجهان مهربين وفتحا النار علي جنود اسرائيليين كانوا علي مسافة 80 مترا منهم و200 متر داخل اسرائيل.وأكد التقرير أن ضابطا كبيرا من الشرطة المصرية سيشارك في صياغة التقرير النهائي للتحقيق في هذه الحادثة، فيما أكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست تساحي هنيغبي للاذاعة الاسرائيلية علي قناعته بأنه لو حصلت أخطاء خلال هذا الحادث، فانها تكون ارتكبت عن حسن نية مشددا علي ضرورة ألا تؤثر علي العلاقات بين مصر واسرائيل. بعد الحادث الأول بساعات قتلت القوات الاسرائيلية ما سمته مهربا مصريا في اشتباك علي الحدود يوم الثلاثاء.وفي نطاق مواصلة الصهاينة تمييع مسؤوليتهم عن قتل المصريين ذكرت مصادر أمنية اسرائيلية رفيعة المستوي أن الشرطيين حاولا تنفيذ مذبحة علي نمط مذبحة رأس برقة (حيث قتل مصريون عددا من المستوطنين الاسرائليين). ورغم ذلك، ولاسباب سياسية، فقد عولج الحدث بحساسية من الجانب الاسرائيلي، بل ان قائد المنطقة الجنوبية يوآف جلنات التقي نظيره المصري ودعاه للمشاركة في التحقيق في الحدث. في نفس الوقت وبينما أخذ الشارع المصري يلتهب مطالبا بالرد المناسب علي جرائم الصهاينة، صرح وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية المصري مفيد شهاب ان اسرائيل وافقت علي تشكيل لجنة مشتركة لكشف ملابسات مقتل الجنديين المصريين.وقال خلال جلسة مجلس الشوري ان الحكومة المصرية تسعي من وراء عمل اللجنة المشتركة لمعرفة ما اذا كان الجنديان دخلا الاراضي الاسرائيلية بطريق الخطأ أم أن الجنود الاسرائيليين مرخص لهم بالتــسرع في اطلاق النار.وقال شهاب الذي يتحدث باسم الحكومة في مجلسي الشعب والشوري (مجلسا البرلمان) ان الحكومة لا يمكنها أن تترك هذا الحادث يمر بسهولة . وتحدث شهاب ردا علي مطالبة عضو مجلس الشوري محمد فريد زكريا بطرد السفير الاسرائيلي من مصر. وقال زكريا الذي ينتمي لحزب الاحرار المعارض ذلك أقل اجراء يمكن أن نتخذه تجاه قتل اسرائيل للجنديين المصريين .بينما أعلن وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الدكتور مفيد شهاب أن الحكومة لا يمكن أن تترك هذا الحادث يمر بسهولة لأن هذه ليست المرة الأولي، وأنها سوف ترفع تقريرا الي اللجنة الدولية علي ضوء نتائج التحقيق الجارية من قبل لجنة مصرية ـ اسرائيلية مشتركة شكلت للتحقيق في الحادث.وطالب أكثر من كاتب معارض الرئيس حسني مبارك في مقالات نشرت في ذلك الوقت بارجاء اجتماع مقرر عقده في وقت لاحق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت في شرم الشيخ.وقد استهجنت صحف مصرية معارضة وأخري مستقلة يوم الاثنين بعد 72 ساعة من استقبال الرئيس مبارك رئيس وزراء اسرائيل بشرم الشيخ بعد يومين فقط من قتل الجيش الاسرائيلي الجنديين المصريين. فقد وصفت صحيفة الأسبوع قمة الرئيس مبارك ورئيس الوزراء الاسرائيلي بأنها عار علي الحكومة المصرية. وذكرت في افتتاحيتها ان فتح الأبواب أمام القاتل ايهود أولمرت ليدخل الي مصر بينما دماء الشهداء لم تجف بعد، هو أكبر استهانة بكرامة المصريين ودمائهم التي تسيل الآن علي الحدود بلا ذنب أو ثمن، لأن ما جري جريمة في حق مصر وأمنها، فهي عملية قتل متعمد تستوجب تقديم القتلة الي الحكومة المصرية لمحاكمتهم . وقد ذكرت هذه الحادثة المصريين مرة أخري بالجرائم الاسرائيلية ضد القطر المصري وخاصة قتل الجيش الصهيوني لأكثر من 5400 اسير مصري وسط سيناء خلال حرب 1967، أضف الي ذلك قتل عشرات الآلاف من المصريين في السويس وبورسعيد والاسماعيلية وغيرها من ربوع مصر.بعد قتل الجنديين المصريين كان واضحا وحسب التقارير التي توفرت لعدة مصادر رصد أن غالبية الشعب المصري بقواته المسلحة وأجهزة أمنه كانت تريد ردا فعالا وقويا علي الجريمة الاسرائيلية، ولم يكن ذلك رد فعل الشعب وحده بل ساد اتجاه قوي داخل دوائر القرار في القاهرة بتشديد رد الفعل علي تل ابيب واستدعاء السفير المصري لدي الصهاينة الي القاهرة، ونصح آخرون الرئيس مبارك بالغاء لقائه مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اولمرت وتأجيله الي موعد لاحق.هذا التوجه كان غالبا في الساعات الأولي التي تلت الاغتيال، غير أنه وحسب صحف المانية ونقلا عن مصادر أمريكية، أجرت واشنطن اتصالات مكثفة مع القاهرة لتثبيت موعد لقاء مبارك مع اولمرت، وعدم تضخيم عملية القتل كما سمتها دوائر أمريكية. الأقلية التي ساندت في دوائر القرار الابقاء علي اللقاء في شرم الشيخ تعززت بالضغط الأمريكي، ولعبت علي ورقة ضرورة عقد الاجتماع في موعده لعل ذلك يساعد في تخفيف الضغط علي الفلسطينيين والاتفاق مع الصهاينة علي تسهيل العبور عبر المعابر لتمرير المعونات الي قطاع غزة والضفة الغربية. كما أشار هؤلاء الي أن تأزيم العلاقات بين مصر واسرائيل في هذا التوقيت بالذات لن يسهل التوصل الي اي تفاهم مع الفلسطينيين وسيسمح لاولمرت بالمضي قدما في خطته الأحادية للفصل خلال الأشهر القادمة في حين أن الاتفاق علي لقاء مصري ـ اسرائيلي جديد قد يستغرق مدة أطول من ذلك. أنصار تأجيل الاجتماع والمطالبين باتباع لهجة حادة مع حكومة اولمرت حذروا من ان اللقاء ان تم في موعده فسيكون في غير صالح الرئيس مبارك داخليا أو خارجيا، زيادة علي أنهم توقعوا ألا تستجيب تل ابيب لطلبات القاهرة الخاصة بالفلسطينيين. وهذا ما وقع فعلا.كان من ضمن الاولويات التي تحدث عنها الاعلام المصري نقلا عن محادثات مبارك ـ اولمرت، ان يظل العمل في معبر المنطار متواصلا، وان لا يستخدم هذا المعبر من قبل اسرائيل لمنع دخول المواد، خاصة التموينية منها الي قطاع غزة، وفق سياسة العقوبات الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني قتلا وتجويعا.الحديث عن فتح المعبر، الذي هلل له بعض المعلقين باعتباره انجازا، كان حديثا علي الهواء، وبالهواء تلاشي، اذ ان مصدرا مصريا أيضا، أشار الي ان شيئا من قبيل تسهيل دخول المواد التموينية وبحسب الاتفاق الذي تم بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الاسرائيلي، لم يحدث، بل زاد المصدر قولا: ان السلطات الاسرائيلية تحتجز وتمنع منذ شهر دخول مساعدات غذائية وطبية الي الأراضي الفلسطينية.صحيفة الأهرام الحكومية حاولت تغطية خيبة أمل السلطات من نتائج اللقاء حيث اعتبرت أن اللقاء الذي جمع مبارك وأولمرت فرصة لاطلاق دعوة جديدة للفلسطينيين والاسرائيليين للعودة مجددا الي طاولة المفاوضات. وقالت الصحيفة انه يتعين علي اسرائيل اعادة النظر في سياسة العنف والقمع والاغتيال والتدمير والحصار التي أثبتت عدم جدواها مع الشعب الفلسطيني، وطالبتها بالتخلي عن تقرير مستقبل الضفة الغربية من جانب واحد بدعوي أنها لا تجد شريكا فلسطينيا تتفاوض معه.صحيفة الجمهورية عكست رأي الاتجاه الذي رفض مجاملة الصهاينة ونشرت تصريحات رئيس مجلس الشوري صفوت الشريف والتي دان فيها بشدة مقتل الجنديين المصريين، وقال ان هذا العمل الذي يتسم بالاغتـــــيال والغدر، لا يكون الا من اللئام، سواء كانوا لئام أعداء السلام أو لئام دعاة السلام .متي يثأر العرب والمسلمون لكرامتهم ولا يعود شهداؤهم أرخص سلعة؟ہ كاتب من مصر مقيم بالمغرب8