المـونـديـال
صباح زوينالمـونـديـالكل اربع سنوات يعود العيد اليّ، واعتبر المونديال عيداً جميلاً يدوم شهراً كاملاً اشعر خلاله اني في نزهة طويلة او في رحلة استجمام او في سفرة سياحية حيث الوجوه الكثيرة والهيصة والحماس والشوق والاندفاع وحبس الانفاس امام الشاشة الصغيرة في البيت، والكبيرة (للمناسبة الخاصة هذه) في المطاعم. كل اربع سنوات يعود هذا العيد العالمي الملوّن والمسالم وتعود في كل مرة تمتلئ شوارع بيروت بالاعلام من كل لون وشكل وصوب.اعلام الانتماءات الشتي، فاللبناني يختار الفريق العالمي الذي يحبّه كونه لم يحظ حتي الان بفريق وطني. فأمرّ كل يوم في سيارتي عبر الشوارع المختلفة واري الاعلام ترفرف إماّ علي الارصفة او علي الشرفات او من خلال نوافذ السيارات وهذا العلم لإسبانيا وذلك لسويسرا وآخر لألمانيا ورابع لإيطاليا وخامس للسويد ولا ننسَ طبعاً البرازيل والارجنتين وألمانيا والي آخره. ألوان جميلة فرحة مشكّلة تجعلني اشعر وكأن الأمم كلها في لبنان. لكن اللافت في هذا الاحتفال اللبناني للرايات الدولية، هو الميل العنصري لدي كل واحد فينا. فغالباً ما يفضّل اللبناني الفريق الالماني او السويدي او السويسري او الايطالي او الفرنسي علي الافرقة الافريقية السوداء! ومهما عظم شأن اللاعبين الزنوج فأنا اكيدة ان اللبناني سيظل يخـتار الرايات الاوروبية، لا بل الغربية منها بشكل خاص، وذلك لأسباب سياسية تكنولوجيـة اقتصاديـــــة: فيعرف اللبناني ان ألمانيا متفوقة اقتصــــــادياً وعلمياً علي مولدافـــــيا مثلاً. وان السويد في هذه النواحي اهــــــم من لاتفيــــــا وما شابهها من بلدان اوروبا الشرقية وصولاً الي روسيا.اما البرازيل فلها اسطورتها الخاصة بفضل بيليه ولهو من النافل خوض موضوع هذا البلد الشاسع بما يمثله من اهمية علي صعيد كرة القدم.وماذا اقول عن الارجنتين، هذه الارجنتين التي يربطني بها رابط عضوي، هذا البلد العريق في كرة القدم ايضاً كما في مجالات رياضية اخري كسباق السيارات وكرة المضرب والخ. كم افرح عندما ترفرف اعلام الارجنتين في مدينة بيروت، في زواياها وعلي مدخل دكاكينها وعلي شرفات بيوتها او علي اسطح سياراتها. مررت قبل يومين في شارع الحمرا ورأيتُ سيارة راكنة علي احد الارصفة ومن شبابيكها يرفّ علمان للأرجنتين وعلي الزجاج الجانبي ألصق صاحبها بوستراً كبيراً لفريق الارجنتين 2006! توقفت ولم أتوانَ عن التوقّف، لأري اولاً الشمس الذهبية المرسومة في الوسط بين ازرقَي العلم، وثانياً لأنظر الي كل لاعب من لاعبي هذا الفريق! اني مع الارجنتين واحبّ كل من يحمّس فريقها. قبل سنوات، عندما خسرت الارجنتين، بكيتُ بكاء حاراً وكأني طُردتُ من جنّة عشيقي. وفي الثمانينات، عندما ربحت، لم تعد تتسع لي الدنيا.اما قبل الثمانينات فلم اذكر شيئاً اذ لم أكن افهم ما هو المونديال، لا بل لم اكن اعلم انه موجود. كل ما اذكر هو انه سنة 1978، قال والدي لوالدتي مادحاً اياها من خلال مدحه فريق الارجنتين ما اطولهم وما احلي اجسامهم انها اجسام امريكية! . اليوم، لو كان لا يزال علي قيد الحياة، لكنت قلت له، صحيح انها اجسام امريكية، والقارة الأمريكية تنمو فيها الاجساد الجميلة. فالمكان يغيّر اشياء كـثيرة وهو المؤثر الاكبر في طبيعة لغتنا وكتابتــنا وطريقة عيشنا ونمو جسمنا. الا ان اليوم بدأ فريق الارجنتين يختلــط، وبــــدأ يدخـــــل اليه عناصر من الشعب المحلي الاصلي، وكان اوّلهم مارادونــــــا، الا انه، علي الرغم من هــــــذا الاختلاط الخفيـــف، لا يزال فريقاً مكوّناً من العرق الابيـــــض، اي الارجنتيني ذي الاصول الاوروبية إذ أن هذا البلد خليــــط من المهاجرين الاسبان والايطاليين في النسبة الكبري، ومن الالمان والفرنسيين والاوروبيين الشرقيين في نسبة اقلّ.وحتي اليوم، لا يزال فريق الارجنتين مكوَّناً في تسعين بالمئة منه من الايطاليين والاسبان (واعرفهم بل اميّزهم عن بعضهم بعضاً من خلال اسماء عائلاتهم المكتوبة علي ظهر قمصانهم الجميلة). ثمة نكتة ارجنتينية تقول ان شابين ارجنتينيين ذهبا في رحلة سياحية الي ايطاليا. ففتحا هناك دليل الهاتف بحثاً عن اسمٍ. وعندما قرؤوا ما امامهم من اسماء، قال الواحد للآخر: لكن ماذا يفعل كل اولئك الارجنتينيين هنا في ايطاليا؟ !! وعودة الي كرة القدم واللاعبين والمونديال، اعتدت كل اربع سنوات ان اقع في غرامٍ احد لاعبي الفريق الارجنتيني وفي المرّة السابقة أُغرمت باللاعب الفائق الجاذبية والجميل باتيتوستا. هذه السنة لن اقول بمن أُغرمت كي لا اؤثر عليه الامر الذي قد يفقده صوابه ويتكاسل في اللعب. اريد ان تربح الارجنتين، وبعد المونديال سوف اخبره!ليتنا نعيش اثني عشر شهراً في هكذا عيد، ليت الالعاب المونديالية تقام دائماً وبلا انقطاع، وذلك لننسي السياسة والحروب والموت، علماً بأن من قد يتمنّي ايضاً مونديالات متواصلة علي غراري، ولكن لأسباب جداً مختلفة، هي الشركات المتعددة الجنسية التي وراء قناع الديمقراطية وقبول الآخر والحوار الحضاري التافه الذي اتعبونا به، يشنّون علي العالم حرباً اقتصادية شرسة.واشرس من ذلك، او اتفه من ذلك، هو رغبة احد رؤساء احدي الدول الاوروبية الغربية في ان يغلب احد الفرقاء الزنوج فريقاً اشقر كان يلعب معه! هذه العاطفة وهذا الكرم هما اللذان اشمئز منهما: فمن لا ينظر الي الآخر نظرة دونية، او نظرة شفقة في احسن الاحوال، لا يعامل هذا الآخر معاملة مميزّة انما يعامله كما يعامل الجميع. وفي اي حال، سياسات الدمقرطة المهذّبة هذه، ليست سوي كاذبة واعرف كم العرقية والوطنية تغليان في قلب كل واحد منا، وخصوصاً، وعلي الرغم من المظاهر، في قلب كل اوروبي وغربي عامة. ولِمَ لا؟! انا لستُ ضد هذا انما ضدّ الزيف!شاعرة كاتبة من لبنان0