الكاتب الجزائري أحمد دلباني: الحاضر هو الذي ينتج التراث ويعيد إنتاجه!

حجم الخط
0

الجزائر ـ “القدس العربي”: أحمد بوعلام دلباني، صوت شعري حداثي بدأ يكتب في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وقد لعب تخصصه في الفلسفة دورا حاسما في توجهه الي كتابة المقالة الفكرية، ومتابعة تحولات المشهد الفكري والفلسفي المعاصر، ورغم استمراره في كتابة الشعر الا انه لم يصدر أي كتاب في هذا المجال لحد الآن، وبالمقابل صدر له في الآونة الاخيرة كتاب مأدبة المتاهة، وهو عبارة عن مقالات فكرية متفرقة كان قد كتبها ونشرها في بعض الصحف والمجلات في المدة بين 2000م و2003. انتظرنا منك ديوانا شعريا، واذا بك تفاجئنا بكتاب ذي طابع فكري، هل قهرت الشاعر الذي يسكنك؟ الكثير من الأصدقاء انتظروا مني فعلا ولوج عالم النشر بمجموعة شعرية، أنا اليوم ارجئ هذا لأسباب شخصية، تعود الي مزاجي العام والي اهتماماتي الفكرية والثقافية عموما، واذا جاز لي أن استعير تلك المقابلة النيتشوية الشهيرة بين ديونيسوس و أبوللون أي بين اله السكر والعربدة والاحتضان المأساوي للحياة من جهة، واله العقل والمنطق والشمس والنظام من جهة اخري، لاستطعت القول ان ما يؤلف حضوري الفكري والأدبي اليوم، هو تلك المحاولة الابوللونية في السيطرة علي الصوت الليلي والطالع من سديم الذات، بوصفها علامة علي دبيب اللحظة التاريخية. هذه هي مهمة الفكر بعامة، ان منازلة ديونيسوس الشاعر وأبوللون المفكر في ذاتي لم تحسم نهائيا، ولكنها منذ مدة طويلة ترجح كفة أبوللون أي العقلانية المنفتحة والنقد الممارس بوصفه مراجعة دائمة لاحداثيات خطاباتنا المتكاثرة، هذا هو التوتر الذي أعيشه كيانيا، والذي يبدو جليا في النصوص والمقالات التي تؤلف مأدبة المتاهة. ما الذي يجمع المشهد الشعري الجديد بصدام الحضارات في كتاب واحد، وماذا تبقي من تلك الأسئلة الآن والعالم يشهد تغيرات متسارعة؟ هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات المكتوبة حول الراهن المعقد، والخيط الرفيع الذي يجمع شتات هذه الفسيفساء، هو صدورها عن رؤية واحدة في محاولة الاصغاء الي ايقاع اللحظة التاريخية التي نعيش، والتي تشهد تغيرا كبيرا، وهذا من خلال التجليات الخطابية المختلفة ومن منظور اركيولوجي ونقدي ـ ثقافي، يسائل الانساغ التي تغذي سلطة المعني والدلالة في الحاضر.. ان هذا الكتاب بالتالي ليس سفرا في النقد الادبي بمفهومه الرائج وانما هو شذرات تحاول قراءة الذات التاريخية وسبر تشكل ملامح وجه جديد للكينونة بعد ثلاثي اليتوبيات الثورية وتأزم العقلانية وخطاب الحداثة الكلاسيكية امام انفجار اللامعقول، من هنا الحديث عن حساسيات شعرية جديدة انتصب التاريخ أمامها تمثالا من الملح، من هنا بروز الاصوليات المختلفة في صورة طوطمية جديدة تشكك في الحداثة وقيمها، من هنا غياب بوصلة الاتجاه. ان احدي مهام الفكر اليوم بالتالي تكمن في استبصار الراهن ومحاولة تجاوز مأزق الصدام والاصولية والانكفاء علي الذات، بالتأسيس لشروط جديدة تفتح افقا للحوار والتواصل بعيدا عن لعبة التمركز والنبذ، وهذا باحتضان العقل لرحابة الواقع وتعقيده وفضح البطانة الايديولوجية لنزعات الهيمنة. نعود الي المشهد الشعري الجزائري التسعيني، كيف تقرأ مآل تلك التجربة الآن، خصوصا وانت الشاعر نفسه الذي ينتمي الي الحساسية؟ في الحقيقة اعتقدت انه سيكون من الممتع للغاية أن أقدم شهادة علي مرحلة شعرية في الجزائر المستقلة ـ وهي حقبة التسعينيات ـ محاولا اضاءة معالم وملامح الحساسية الشعرية الجديدة، التي شكلت برأيي قطيعة جمالية ورؤيوية مع ما سبقها، وما اثارني اكثر هو تقاعس النقد المحترف عن الالتفات الي ما يعمل داخل رحم التوثب الابداعي الجزائري، وعدم خروجه من منطق الاستهلاك للمنجز النقدي الغربي في صورته المدرسية، وعدم تعففه عن المحاباة في دراسة هذا الشاعر أو ذاك، من هنا رأيت انني ملزم بطرح شهادة عن جيل ـ انا واحد منه ـ يفصح خطابه عن حساسية جديدة ترسم احداثيات حضور كينوني متميز، محاولا الانفتاح ايضا علي تجذر هذا الخطاب التاريخي المرتبط بانفجار اللامعقول في جزائر التسعينيات، وأعتقد اليوم ان هذا الخطاب الشعري يشكل متنا متميزا وفصلا من فصول ذاكرتنا الادبية الاكثر نتوءا والأكثر دلالة علي مرحلتها وسط الركام الهائل من الكتابات في نفس المرحلة ـ أي التسعينيات ـ والتي تكدست هشيما تذروه رياح الزمن، وطبعا يبقي علي النقد ان يقول كلمته في هذا بأدوات تنفتح علي واقعة الخطاب في سديم الغبار التاريخي. اذا عدت الي نيتشه مجددا، هل ستقرأه بنفس الطريقة التي قرأتها في كتاب قبل سنين من كتابة المقال؟ ان سؤالك هذا يدفع بي مباشرة الي طرح مشكلية التراث وقراءة التراث، بمعني أن نيتشه مثلا ـ بوصفه موروثا فكريا غربيا ـ يتمتع منذ مدة بحضور متميز شرقا وغربا ويتم استحضاره ومساءلته من جديد، وهذا لا يرجع الي قيمته الذاتية فحسب، وانما لطبيعة المرحلة الحالية التي تشهد تراجع اليوتوبيا التاريخية الثورية، وتفكك المنظومات الفكرية الشمولية وبروز القوي الخفية المظلمة التي تتحكم في انتاج الواقع والخطاب، بعيدا عن الذات والوعي والعقل، هذا ما يمنح حضور نيتشه اليوم نبرة خاصة. أردت ان أقول ان الحاضر هو الذي ينتج التراث ويعيد انتاجه: فالتراث ليس متحفا جامدا وانما هو حضور ودلالة علي وعي المرحلة وتوجهها العام.. و نيتشه يلبي منذ مدة حاجة فكرية وروحية وايديولوجية في الغرب الذي يعيد قراءة حداثته المأزومة وأزمة العقلانية فيه.

التقاه: الخير شوار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية