مذكرة من السفير الامريكي بالعراق تقدم صورة قاتمة للاوضاع وتحرج بوش وبلير:
لندن ـ “القدس العربي”: نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية علي صدر صفحتها الاولي صورة عن مذكرة سرية كتبها السفير الامريكي في العراق زلماي خليل زاد. وهي المذكرة التي ارسلها الي وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس وموضوعها لقطات من المكتب اي مكتب السفير. والمذكرة التي سربت تصف حياة العراقيين وبلدا يتشرذم وتحكمه الميليشيات. وقد وقع المذكرة السرية هذه السفير زاد في السادس من حزيران (يونيو) الحالي. والنبرة التي تحملها المذكرة تختلف عن التقييم الامريكي المتفائل للوضع خاصة بعد مقتل ابو مصعب الزرقاوي، زعيم القاعدة في العراق، وزيارة الرئيس الامريكي جورج بوش السرية، واستكمال الاعلان عن حقائب الحكومة العراقية. وتقول المذكرة ان الموظفين المتعاونين مع الاحتلال الامريكي يعيشون في خوف دائم، ويحاولون اخفاء هوياتهم واماكن عملهم عن الاخرين لئلا يتعرضون للقتل. وتشير الي ان موظفي السفارة يقومون بفرم الوثائق الرسمية المتعلقة بالموظفين واخفاء اسماء عائلاتهم. كما تساءل عدد من العاملين عن الاحتياطات التي اتخذتها السفارة لحماية طاقمها العراقي حالة نقل او رحيل الامريكيين عن العراق.
وفي الوقت الذي اعلن فيه وزير الدفاع البريطاني الذي زار بغداد عن بدء تسليم مناطق للعراقيين، حيث تم سحب 250 جنديا من محافظة المثني كدليل علي تحسن الوضع الامني وقدرة العراقيين علي تسلم مهامهم الامنية والسيطرة علي الوضع، الا ان مذكرة خليل زاد تصور وضعا قاتما ومتشائما عن الأمن الذي يتردي. وما يثير الدهشة في التفاصيل التي تحملها المذكرة ان العراقيين الذين يعملون داخل المنطقة الخضراء، مركز السفارة والحكومة، والتي تعتبر من اكثر من المناطق حماية وتحصينا في كل العراق، ومع ذلك يشعر العاملون العراقيون بالخوف. ويشعر الامريكيون انفسهم ان العراقيين في الامن والجيش الذين يتولون حراسة الحزام لا يمكن الوثوق بهم، خاصة ان موظفين لاحظوا تغييرا في طريقة فحص الموظفين الداخلين الي والخارجين من السفارة. ونظرا لمشاعر الخوف، طلبت موظفة تغيير نوع عملها من موظفة في السفارة الي صحافية لان الحراس العراقيين عندما يقومون بفحص هويتها يصرخون بانها تعمل في السفارة، مما يجعل المارة يتعرفون علي طبيعة عملها وهذا يعتبر حكما بالموت. وكانت صحيفة واشنطن بوست قد حصلت علي المذكرة السرية والتي تظهر محدودية سيطرة الامريكيين والعراقيين المتعاونين معها علي الوضع. وحملت مذكرة السفير عنوانا فرعيا وهو موظفو الشؤون العامة يظهرون مخاوف. وتعتمد المذكرة علي ملاحظات تسعة موظفين في مكتب الشؤون العامة التابع للسفارة. وتقدم شهاداتهم رواية غير مسبوقة عن الوضع المتردي ووضع الامريكيين القلق في العراق. وقالت الاندبندنت ان محتويات المذكرة تعتبر ضربة لمزاعم كل من توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، وجورج بوش واركان ادارته حول ان الصحافة والاعلام يبالغان بعرض الوجه السيئ في العراق. فمع تزايد سلطة الميليشيات، تجد المرأة صعوبة في التجول في المناطق السنية والشيعية بدون حجاب، فيما نصحت نساء اخريات بالتوقف عن استخدام السيارة، وطلب من نساء تغطية وجوههن والامتناع عن استخدام الهواتف النقالة، كما يمنع الرجال من ارتداء الجينز او السراويل القصيرة. ومع اشتداد حرارة الصيف، اكد الموظفون ان حجم الطاقة الكهربائية التي تصل العراقيين، ومنذ نهاية ايار(مايو) الماضي ساعة واحدة لكل ست ساعات بدون طاقة كهربائية، فيما لم تصل الكهرباء الي منطقة باب المعظم في وسط بغداد منذ شهر تقريبا، وتزود بناية يستخدمها وزير جديد الطاقة الكهربائية علي مدار الساعة. ويكشف الموظفون ان عدم شعبية الامريكيين بين العراقيين هو السبب الذي يدفعهم لعدم الافشاء عن طبيعة عملهم حتي لاقاربهم واقرب المقربين لهم. فقد زعمت فتاة ارسلت للتدرب في امريكا لعائلتها انها سافرت للاردن. كما تشير المذكرة الي تزايد التصدع والخلافات الطائفية بين العاملين العراقيين في السفارة. وتقول فتاة شيعية انها لا تستطيع مشاهدة التلفاز مع امها السنية، لان الاخيرة تلقي مسؤولية كل ما حدث علي الحكومة الشيعية. وعلي الرغم من الاستقبال الحافل الذي تلقته حكومة نوري المالكي في لندن وواشنطن الا انه لا اثر لها علي حياة العراقيين الذين تتحكم بهم قوي محلية وميليشيات. وتقول المذكرة ان عاملتين من دائرة الشؤون العامة، احداهما شيعية، تلقتا نصيحة من احدي الزميلات في حي بغدادي بالتوقف عن ارتداء الملابس الغربية التي تحبها وتجنب سياقة السيارة وارتداء الحجاب. فيما قالت اخري ان جماعات داخل حيها تقوم بالتحرش بالنساء وتحديد طبيعة اللباس الواجب ارتداؤه. وقالت ان السائق الذي يحضرها يوميا للمنطقة الخضراء منعها من ركوب السيارة حتي تغطي رأسها، فيما بدأت موظفة تعمل في القسم الثقافي بلبس العباية بعد تلقيها تهديدات. ولم تستطع الموظفتان تحديد هوية الجهات التي تقف وراء هذه التهديدات والتي قد تكون سنية او شيعية، الا انها تشترك في كونها محافظة، كما تقول المذكرة. وتشير الي ان وزير النقل الذي ينتمي لجماعة مقتدي الصدر فرض الحجاب علي الموظفات في وزارته. كما تحدثت الوثيقة عن عمليات طرد لجماعات عراقية، وتشير الي حالة امرأة من الاكراد الفيلية التي طردت من بيتها الذي عاشت فيه لثلاثين عاما بدون ان تعوض ببيت اخر، وتقول ان هذا الاجراء تقوم به الحكومة الشيعية كانتقام لما تقوم به الجماعات الكردية في الشمال ضد العرب، خاصة في كركوك. كما اضافت ان محرر صحيفة عراقية اخبر السفارة انه يقوم باجراء مسح لعمليات التطهير العرقي التي تحدث في كل محافظات العراق وتدفعها المصالح والتنافس بين الجماعات المتصارعة علي السلطة. اما عن الخدمات الرئيسية، فتقول المذكرة ان درجة الحرارة تصل في بغداد هذه الايام الي 115 درجة فهرنهايت، حيث اكد موظفون انهم يتلقون منذ ايار (مايو) الماضي طاقة كهربائية ساعة واحدة كل ست ساعات. وتقول ان المناطق القريبة من المستشفيات، ومراكز الاحزاب السياسية والمنطقة الخصراء تتلقي طاقة كهربائية دائمة. وقال موظف يعيش في بناية عين فيها وزير في الحكومة الجديدة وخلال 24 ساعة اصبحت البناية تتلقي الطاقة علي مدار الساعة. ويقول الموظفون انهم يحاولون التغلب علي نقص الطاقة من خلال الاشتراك في مولدات صغيرة ويدفعون في المقابل مبالغ كبيرة. ويقول موظف اخر انه يضطر للوقوف 12 ساعة من اجل الحصول علي الوقود، فيما اكد اخر ان اسعار المحروقات في السوق السوداء ارتفعت بشكل جنوني. اما عن الاختطاف، فقد قال موظف ان شقيقه تعرض للاختطاف واطلق سراحه مما ترك اثارا نفسية عليه، وعندما تلقت فتاة كردية تهديدات، اخذت اجازة مفتوحة ثم هاجرت من البلاد. اما عن طريقة اخفاء هوياتهم عن العائلة، فقد قالت المذكرة ان من بين التسعة الذين كتبوا مذكراتهم اربعة تعلم عائلاتهم بطبيعة عملهم. والموظفون الذين تتصل بهم السفارة في مواعيد خارج العمل يتحدثون العربية ويتظاهرون بانهم لا يعرفون الانكليزية. وتواصل المذكرة قائلة انها تواجه مشاكل مع عائلتها التي تري ان الامريكيين هم الذين يسيطرون علي البلاد ويدفعونها الي حافة الصراع. كما يمتنع عدد من الموظفين عن اخذ هواتفهم النقالة الامريكية لانها تجعلهم هدفا سهلا، ويلجأون لاستخدام شيفرات ورموز لاسماء زملائهم في العمل، ولهذا بدأت السفارة بفرم الاوراق والوثائق التي تحمل اسماء الموظفين او هوياتهم. وتتحدث المذكرة ان العنف الطائفي انتقل الي العائلات، حيث قررت فتاة الهجرة الي مصر بسبب المشاكل والتوترات العائلية. وقالت ان فتاة سنية اهانت اخري شيعية لانها امتدحت لباسها المتحرر، كما يقول اخر انه يشعر بالهزيمة من خلال الظروف التي تمنعه تخفيف الالم عن ابنه المصاب، كما يقول اخر ان الحياة خارج المنطقة الخضراء اصبحت متعبة، ويقول ان المتاعب سببها وجود القوات الامريكية وتلك المتحالفة معها، خاصة انه يتحمل مسؤولية اعالة عائلته واقاربه. ويتحدث الموظفون عن انهم يقومون باتخاذ كل الاجراءات عندما يتحركون خارج احيائهم من خلال التكيف مع لباس الحي، وطبيعة سكانه ولغته. ومنذ تفجير المسجد في سامراء اصبح لدي الاحياء مخبرون يقومون بالاخبار عن اي تحرك او وجود شخص غير مرغوب فيه. ويقولون ان الموظفين يتحركون من خلال علاقاتهم مع المسؤولين في الاحياء. وعلقت السفارة قائلة ان الموظفين وان كانوا مدربين واصحاب كفاءة الا ان الاوضاع تركت اثارها السلبية عليهم، وتؤثر علي علاقاتهم مع زملائهم في موقع العمل، وحذرت المذكرة من ان الموظفين ربما بالغوا في الحديث عن اثار الاوضاع خارج المنطقة عليهم الا ان السفارة قد تضطر لاتخاذ بعض الاجراءات لمنع تأثير هذه الاوضاع علي الحيادية، والتعامل الحضاري، والزمالة في موقع العمل، خاصة اذا اصبحت الضغوط الاجتماعية فوق الاحتمال.