أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (6)
معهد البحوث العربية اصبح مؤسسة جامدة تلقن الطلاب وتوزع الشهادات… واسقطت من مؤلفاتي موسوعة جنسيةمحكمة غيابية في بيروت بسبب كتاب الهاشميون ومصرفي سطا علي كتابي وناشر اخر سرق موسوعة بكاملهاأنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (6)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي معهد البحوث والدراسات العربيةبالعودة إلي بيروت آب (أغسطس) 1964انتهت الصفحات الأخيرة من تجربتي كطالب، وإن لم تنته فصول التجربة كأستاذ فبعد أربع سنوات طلب مني صديقي إسحق موسي الحسيني، الأستاذ الذي سبق أن درّسني في الجامعة الأمريكية، أن أتولي عمادة معهد البحوث والدراسات العربية، التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة، في السنة الدراسية ـ لأنه سيتغيب عن المعهد في إجازة الأستاذ السبتية ويصرف تلك السنة في جامعة ماكجيل الكندية فوافقت بعد أن استأذنت رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية في عهد يحيي حمودة بحكم عملي كمدير عام لمركز الأبحاث منذ 1966، مشيراً للمنظمة أنني لن أتغيب عن المركز إلا نصف نهار عمل فقط إذ أتوجه إلي القاهرة ظهر السبت وأعود ظهر الإثنين، وأني لن أتقاضي عن عملي هذا راتباً إضافياً لأن المعهد سيتكفل بتسديد نفقات سفري بين العاصمتين والإقامة في الفندق في القاهرة.وهكذا كان. بقيت علي هذا الحال سنة دراسية كاملة. فلم يتعطل عمل المركز قط، بل استفاد من فرصة وجودي في مصر والاتصال بالكتّاب والباحثين. أما المعهد فقد استقدم من خلالي تجربة جديدة ودماً شاباً جديداً.كان المعهد قد تأسس منذ 1953 بفضل جهود ساطع الحصري أحد أعظم التربويين القوميين العرب الذي خدم الأمة والقومية العربية أكثر من أي مفكر آخر بنظرياته وبمشاريعه، أي بالقول والعمل، بالفكر وبتجسيد الفكر. وأراد للمعهد دوراً ريادياً علي خطين: تعميق العلاقة بين المفكرين العرب من مختلف أقطارهم وخاصة بين مفكري المشرق ووادي النيل والمغرب، من جهة، وتحويل الفكر التوحيدي القومي إلي علم وأصول وقواعد توضع وتدعم وتعمم بمحاضرات وندوات ومنشورات. وتوسع المعهد في مدي عشر سنوات. واحتل بناية كبيرة في حي غاردن سيتي الأرستقراطي غير بعيد عن فندق شبرد الذي كنت أنزل فيه. وتولي التدريس في صفوفه المسائية العشرات من أهل الاختصاص من مصر وخارجها. وتوسع عدد المنتسبين، وكانوا كلهم من حملة الشهادات الجامعية من الساعين للحصول علي الدبلوم الخاصة أو الماجسيتر أو الدكتوراه في حقول المعرفة القومية، كالسياسة والقانون والتاريخ والاقتصاد والاجتماع والأدب. وتوفر للمعهد مكتبة لا بأس بمحتوياتها.كان الدكتور محمد خلف الله أحمد رئيساً للمعهد، أشبه برئيس فخري، مثل رئاسة الماريشال الجوي تدر لجامعة كمبردج، يقيم في الإسكندرية ويزور المعهد لماماً. وهو غير محمد أحمد خلف الله الكاتب القومي الوحدوي. لذلك أحس الأساتذة أن المعهد بحاجة إلي مسؤول مقيم. ووجدوا في يوميْ إقامتي ظهر السبت حتي ظهر الإثنين تعويضاً عن غياب الرئيس الأصيل.اعتبرتُ إدارتي للمعهد، في يومين فقط من الأسبوع، تحدياً لي. وشعرت أن بعض أساتذة المعهد وإدارييه ربما ممن كانوا يطمحون إلي أن يديروا هم المعهد، أو ممن كانت فيهم رواسب التعصب القطري هم أيضاً يعتبرون وجودي تحدياً لهم. ولذلك بذلت جهدي خلال أشهر السنة الدراسية التسعة أن أعطي المعهد، مؤسسة ومشروعاً ورسالة، كل جهدي وفكري. وقمت بوضع المخططات للتطوير، وبحقن الهيئة التدريسية بدماء شابة ذات خبرة، وبتطوير نظام المكتبة مثلاً كانت الخرائط والرسوم لا مكان لها فوضعت في بانيو الحمّام! وبإدخال نظام جلسات المناقشة والتخفيف من المحاضرات وتعويضها بإشراك الطلاب بالحوار، خاصة أن الكثيرين منهم كانوا في سن متقدمة ويحتلون مناصب عالية في دولهم، سفراء وقادة عسكريين ومديري وزارات إلخ. وواجهت صعوبة في إقناع بعض الدارسين أن من أصول النقاش معارضة رأي غير مقنع حتي ولو كان صاحب الرأي أعلي في الرتبة العسكرية أو في الوظيفة الرسمية. واستمتعت خلال تلك الفترة بصداقة الكثيرين من الدارسين والأساتذة، من مصر وسائر الأقطار. وكسبت الكثيرين منهم كتّاباً وباحثين في منشورات مركز الأبحاث وفي مجلة شؤون فلسطينية. وحتي تنضج البذور التي حاولت زرعها في المعهد، وبعد أن استقال أستاذي إسحق موسي الحسيني، رشحت نفسي رئيساً للمعهد سنة 1972. وكنت قد قررت ترك مركز الأبحاث لخلافاتي المتكررة مع ياسر عرفات. إلا أن اعتداء الإسرائيليين عليّ صيف ذلك العام اضطرني إلي البقاء في المركز وسحب ترشيحي لينجح في الرئاسة العالم الجغرافي المصري ذو الاتجاه العربي صفي الدين أبو العز، الذي شارك فيما بعد في عضوية مجلس إدارة الموسوعة الفلسطينية.ولا بد من كلمة ختامية حول المعهد في ضوء تجربتي في السنة المدرسية التي خدمته فيها وفي ضوء علاقتي به بعد ذلك كمستشار وكأستاذ كثير التردد عليه. لقد وضعت الآمال علي المعهد ليكون أرقي مؤسسة أكاديمية تدعم المسيرة السياسية والثقافية الوحدوية للأمة العربية، ليس فقط باعتباره تابعاً لجامعة الدول العربية التي افترضنا فيها تجسيد تلك المسيرة علي المستوي الرسمي، ولا لأنه كان بيتاً للعرب كلهم، من مختلف أقطارهم، بأساتذته وطلابه، ولا لأن مناهجه اختصت بالموضوع الوحدوي العربي، فحسب، بل أيضاً وبشكل خاص لأنه حظي برئاسة كوكبة من العلماء العرب الكبار من ساطع الحصري إلي صفي الدين أبو العز، مروراً بمحمد شفيق غربال وطه حسين وعبد الرحمن البزاز ويحيي الخشاب.مع الأسف، تحوّل المعهد إلي مؤسسة جامدة تكتفي بتلقين الطلبة دروساً ثم توزع الشهادات عليهم. لقد سلب روحَه الثورية وحيويته الأسلوبُ الروتيني في إدارة الأمور ووضع المناهج وتأهيل الدارسين. وأخشي أن يكون قد بقي حياً بمجرد قوة الاستمرار وعدم الجرأة علي إقفاله، مع الاعتراف بما يبذله مديره الحالي من جهد لإعادة الحياة إليه. وربما كان المعهد صورة أخري مماثلة للمؤسسة التي ينتمي إليها، جامعة الدول العربية. وهذا سبب كاف لأن يقصّر المعهد عن تحقيق المطلوب منه تقصير الجامعة نفسها.لعله من المفيد، والطريف، أن أذكر أنه كان بين العاملين في المعهد أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات موظف هوايته أن يرفع صباح كل يوم دعوي قضائية ضد إنسان ما يسجّل عليه ارتكاب خطأ أو إهمال بحق الآخرين. وبالطبع كانت هذه الهواية مثار تندر أهل المعهد وحديثهم اليومي. وأسمح لنفسي بأن أتساءل لماذا لا يرفع أولو الأمر في المعهد دعوي يومية ضد كل إجراء أو قرار أو تقاعس يتخذه فرد أو دائرة في الجامعة العربية، أو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أو دولة عضو في الجامعة يضرّ بالمعهد ويشلّ حركته ويقصيه عن دوره الريادي؟طلاب نجباءهكذا طويت صفحة تجربتي في التدريس النظامي. لكن نشاطي الجامعي لم يتوقف تماماً. ومع اعتذاري عن التدريس في أكثر من جامعة في بيروت في الثمانينيات والتسعينيات، ومع اعتذاري للدكتور الحسيني عن عدم قبول عرضه عليّ أن أتولي التدريس مكانه في جامعة ماكجيل الكندية، قبلت عرضاً واحداً ولمدة سنة أكاديمية واحدة فقط، وبشكل تطوعي متنازلاً عن تسلم أي راتب أو مكافأة. كان ذلك في العام الدراسي 1979 ـ 1980، في الجامعة اللبنانية. وبقدر ما لم أستسغ التدريس ولم أقبل عليه ولم أخض غماره إلا في حالات استثنائية وتحت ضغوطات معينة ولمدد قصيرة نسبياً، استهواني الإشراف علي إعداد الرسائل الجامعية وتوجيه أصحابها ومناقشتهم وإرشادهم. وهذا ما دعاني بعد تجربتي مع الجامعة اللبنانية وبعد تعاملي الطويل (منذ استلام مسؤوليات مركز الأبحاث 1966) مع الباحثين والدارسين، وخاصة الناشئين والجدد منهم، في الحقل الجامعي أو خارجه، إلي أن أخصص جزءاً كبيراً من وقتي وجهدي لمساعدة الباحثين وتدريبهم والرد علي استفساراتهم، ومراجعة نتاجهم كمسودات أو في صورها النهائية. ولعلي كنت ناجحاً في هذا المضمار نقيضاً للفشل الذي أعترف به وكان حصيلة عملي كأستاذ جامعي. وإذ ألقي اليوم نظرة علي ما يزيد علي الثلاثين دراسة جامعية للماجستير أو للدكتوراه التي كان لي دور في الإشراف عليها أو مناقشتها في عدد من الجامعات الكبري كالجامعة الأمريكية في بيروت والجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية وجامعة دمشق والجامعة الأردنية وجامعة اليرموك وجامعة القاهرة وجامعة عين شمس تغمرني موجة من الرضي والاعتزاز والحنين إلي تلك الأيام والمشاريع.دار معظم موضوعات هذه الرسائل الجامعية في إطاريْ الدراسات الفلسطينية والتاريخ العربي الحديث والمعاصر وهما حقلان ركّزت عليهما في مطالعاتي وكتاباتي في الخمسين سنة الماضية. ومكنتني مهام الإشراف عليها من إقامة عري صداقة وتعاون واحترام متبادل مع الدارسين. ويلتصق بالذاكرة بعض هؤلاء، أمثال السيد سليم وأنور مصطفي وشذي عدرة وعلي سعود عطية وفارس اشتي وفكتور سحاب وكمال الخالدي. ولكني أعترف أن اعتزازي بدارستين اثنتين يفوق كل اعتزاز، لأنهما أثبتتا بعد التخرج قدرة ممتازة في تدريس التاريخ والكتابة الرصينة التي كنت دائماً أدعو إليها. وهما بيان نويهض الحوت وخيرية قاسمية. وقد لمعتا كمؤرختين عربيتين بارزتين. ولذلك فأنا أحرص علي الإفادة من علمهما في أي مشروع ثقافي يكون لي دور في إنجازه. ولعل هذا الاعتراف نهاية باسمة لفصل عابس في استعراض حياتي وعلاقاتي المدرسية في مختلف مراحل الدرس والتدريس في مدي زمني طويل.في الكتابة والتأليف والتحريربعد التخرج في الجامعة، وحتي الالتحاق بجامعة كمبردج ، أصبحت الكتابة شغلي وشاغلي الأساسي إلي جانب دروس وتدريس في الجامعة لم يأخذا الكثير من وقتي. وأصبحت الكتابة مصدر رزق إلي حد ما، فأصبحت أتقاضي مكافآت علي بعض ما أكتب بمبالغ متواضعة ولكن تكفي لتغطية نفقات إنسان لا مسؤوليات كبري لديه. كنت أعزب، ولا أخوة أصغر مني عليّ أن أتكفل بتربيتهم، وأقيم مع الأسرة. فكانت مصاريفي علي بنود ثلاثة فقط تذاكر السينما واقتناء الكتب وشراء ربطات العنق! وكانت هذه الثلاث هواياتي الوحيدة تقريباً.في صيف العام نلت أول مكافأة في حياتي علي عمل ثقافي قمت به. كلفني الدكتور عزت طنوس، المناضل الفلسطيني الذي ترك مهنة الطب وتفرّغ للعمل الوطني الفلسطيني متطوعاً وأسس المكتب العربي الفلسطيني في لبنان في شارع جان دارك في بيروت بعد نكبة 1948، بأن أعدَّ للمكتب قائمة شاملة بمصادر القضية الفلسطينية ومراجعها ووثائقها باللغتين العربية والإنكليزية. فقمت بالعمل اعتماداً علي مكتبات لبنان الجامعية الكبري. وسلمت القائمة في حوالي الألف مدخل بعد ثلاثة أشهر وأنا أعتقد أن إسهامي مجاني. وإذا به يكتب حوالة بمبلغ ألف ليرة لبنانية. ولم يكن المبلغ أول أجر أتقاضاه فحسب، بل كان مبلغاً سخياً في حسابات ذلك الزمان. ولا أعلم مصير تلك القائمة. لكني سمعت الدكتور طنوس حوالي العام 1990 يتكلم مع زوار ويقول إن أفضل قوائم المصادر الفلسطينية وأولها إنما كان ما وضعه فلان قبل أربعين سنة، ولم ينتبه إلي أني أنا هو فلان إذ كان الرجل قد تجاوز التسعين من العمر.تسهيلاً لتأريخ هذه السنوات الخمس في حياتي، أصنّف نشاطاتي الكتابية في عدد من أشكال الكتابة، الكتابة الصحافية المنتظمة، وتأليف الكتب، وتحرير النشرات والمجلات، والإسهام في أعمال موسوعية. وسأخصص الصفحات التالية لبعض ما أذكره من هذه النشاطات.اتفقت بعقود رسمية مع مؤسستين صحافيتين في بيروت، جريدة النهار ومجلة الأسبوع العربي . أما النهار فقد كلفني الأستاذ غسان تويني بتحرير ثلاثة أبواب يومية لمدة سنة كاملة. أحد الأبواب بعنوان أعلم ، يتحدث عن موضوع يكوّن خلفية للأحداث الجارية. والباب الآخر نقد لكتب أو محاضرات أو ندوات. أما الثالث فكان الأكثر صعوبة في الإعداد حدث في مثل هذا النهار . وكما يدل العنوان، كنت أستعرض تاريخ أحداث جسام حصلت في الماضي في مثل ذلك اليوم. وكانت الزاويتان الأولي والثانية تسببان الحرج أحياناً للأستاذ غسان لما تحتويانه من معلومات أو آراء لا يوافق عليها بعض القراء. وأكثر من مرة أبلغني عتب المراجع الأرثوذكسية علي كلمة أو تعبير ورد في مقالي. وكذلك عتبت عليّ مرة الطائفة البهائية. لذلك قررت ألا أتناول المواضيع الدينية الحساسة إطلاقاً. وكان أقرب المحررين إليَّ آنذاك كمال سنو وفؤاد مطر وأنسي الحاج وهم من جيلي، وقد أصبح ثلاثتهم رؤساء تحرير لصحف فيما بعد وجبران حايك وجوزف نصر وأنطوان غريب من جيل أكبر. أما أحمد شومان، الذي اختص بشتم الناصرية، فكنت أتجادل معه باستمرار. وفي النهار تعرّفت إلي العشرات من أهل السياسة والأدب والفن، لبنانيين وعرباً.وقبل الانتهاء من ذكريات العمل في النهار أذكر أنه في مساء أحد الأيام اتصل الأستاذ غسان بلويس الحاج يبلغه بوفاة حبيب أبو شهلا السياسي اللبناني الكبير بالسكتة القلبية ويطلب منه أن تنشر النهار كلمة رثاء سريعة في الصفحة الأولي، وكلفني لويس بالمهمة إذ لم يكن أمامه أحد غيري. وبدأت أكتب وأمزق ما أكتب. وعجزت عن التعبير عن حزن الجريدة علي الفقيد الذي ارتبطت الجريدة به منذ إنشائها، إذ لم أكن أعرف الرجل ولم أتمكن من رثاء شخص لا أعرفه الرثاء الذي يستحق. وفي دقائق كان لويس يكتب افتتاحية عنه مؤثرة ومعبرة.أما الأسبوع العربي فإن أحد رجال الأعمال الكبار، جورج أبو عضل، الذي سبق له أن أصدر مجلةً بالفرنسية سماها ماغازين فكّر بإصدار شقيقة لها بالعربية، أسبوعية مصورة. وعهد إلي قريب له، يوسف إبراهيم يزبك، بالتحضير للمجلة. وهو مؤرخ معروف، كان في مطلع حياته شيوعياً بارزاً ثم اعتدل مع الأيام واعتزل العمل الحزبي. وتشكلت لجنة من ثلاثة، ياسر هواري وكمال سنو وأنا، للتحضير للمجلة العتيدة. وكان للاثنين الأولين تجربة جيدة في الصحافة. وبقينا سنة نتدارس الأفكار ونعد المقالات والصور. وقبل أن يصدر العدد الأول وأصبح الهواري رئيساً للتحرير تركت المجلة لالتزامي بالتعليم في الجامعة. وجدير بالذكر أن يزبك اقترح عليّ تحويل أحد المقالات التي أعددتها إلي كتاب عن آثار نهر الكلب. وقد حمل عنوان جدار العار .وواظبت علي الكتابة المتطوعة، أي دون تكليف ولا أجر، في بعض المجلات والصحف في أواسط الخمسينيات، كجريدة الحياة ومجلة الثقافة العربية وغيرهما.عالم التأليف والكتبانتقلت تدريجياً من عالم المقالة إلي عالم التأليف. وأخذت بين 1954 و 1959 أؤلف كتاباً بعد آخر وكلها في حقل التاريخ. لبنان الطائفي هو أول كتبي. كنت لا أزال في الحزب السوري القومي الاجتماعي أؤمن وأبشّر بعلمانية تشربتها في الأساس من البيت من أيام الصغر. وقد هالني تغلغل التعصب الطائفي والمذهبي في لبنان، أنا القادم من فلسطين حيث لا نعرف للطائفية معني. وكان شقيقي فايز قد نشر قبل عشر سنوات كتاباً يدحض الطائفية كفكرة وأداء سياسي. وكان زميل ورفيق لي، حليم فياض، يدرس في الجامعة موضوع الطائفية في الإدارة اللبنانية. ففكرت في أن أكتب دراسة في تأريخ الطائفية ثم ننشر البحوث الثلاثة معاً. وبعد أن أنهيت الدراسة وجدت أن حجمها يفرض أن أنشرها كدراسة مستقلة. وهكذا كان.نشرت الكتاب علي حسابي. وبينما لاقي استحساناً من العلمانيين، حزبيين وغير حزبيين، احتج علي نشره بعض الحزبيين، خاصة من حزب الكتائب اللبنانية. حتي إن صاحب المطبعة التي بدأت بطباعة الكتاب رفض إكمال الطباعة في المرحلة الأخيرة منها. يعود الفضل في كتابي الثاني، الأسطول الحربي الأموي في البحر الأبيض المتوسط إلي أستاذي الدكتور قسطنطين زريق الذي درّسنا في الجامعة أصول الكتابة التاريخية. وطلب من كل دارس أن يختار موضوعاً يكتب فيه بحثاً يناقش في الصف. واخترت الأسطول الأموي موضوعاً لي بسبب شغفي بالتاريخ الأموي. وجاء البحث طويلاً. وأثني الدكتور علي البحث واقترح أن أنشره في كتاب. وهو ما حصل. أما الكتاب الأهم، العلاقات السورية المصرية فقد استغرق إعداده سنوات. وتعبت عليه كثيراً. ومع هذا لم أنشره. أدركت أنه يحتاج إلي المزيد من الجهد. فأرجأته إلي أن أعود من كمبردج. ولما عدت بعد سنوات كانت حماستي للموضوع قد فترت لانهماكي بمواضيع أخري وأنا سريع الملل عادة من موضوع أبحث فيه إذا طال أمره أكثر مما كنت أتوقع. هذا مع العلم أني قابلت في القاهرة في 1954 الرئيس جمال عبد الناصر وطلبت إليه يضع مقدمة للكتاب بعد أن زودته بملخص عنه. ففعل. وبعد أن عدت إلي بيروت من زيارتي للقاهرة تلقيت المقدمة مع صورة للرئيس. وإذا كان الكتاب بقي مسودة لم ترَ النور فإن انطباعاتي عن تلك الزيارة لمصر ومقابلتي لرئيسها وحديثي معه كانت مادة سلسلة من المقالات نشرتها في النهار . وأشعر اليوم بندم علي إهمال ذلك المخطوط وعدم التركيز عليه كما يجب. لا يحق لي أن أمدح كتابي. لكني متأكد أنه كان بحثاً مقبولاً في العلاقات بين البلدين، التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية، موثقاً وموضوعياً. ويكفيه أنه كان يحمل مقدمة من ذلك القائد التاريخي.جاء كتابي المنشور الرابع جدار العار بناء علي نصيحة يوسف إبراهيم يزبك. إنه عرض تاريخي لآثار نهر الكلب التي تركها ثلاثة وثلاثون فاتحاً وغازياً للبنان ولسورية عموماً في مدي أربعة آلاف سنة، ممن بقيت بصماتهم ومباهاتهم علي جدران هذا النهر الهادئ والوديع. ولم يكن العنوان مألوفاً. وظن الكثيرون أن الكتاب رواية عاطفية. ولم يشع العنوان إلا بعد أن استخدمه الأمريكيون وصفاً لجدار برلين الذي فصل القسم الشرقي الشيوعي عن الغربي من المدينة في1961.ولا بد من الإشارة هنا إلي أن أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي اهتموا بكتبي الأربعة الآنفة الذكر في حينه. واستمر الاهتمام إلي وقت قريب حينما أعادت إحدي دور النشر القومية طباعة بعض هذه الكتب في دمشق في العام 2000.مع الناصريةوباعتناقي الفكر الناصري بعد أن ابتعدت تدريجياً عن الحزب السوري القومي الاجتماعي أواسط الخمسينيات، بدأت أهتم بالفكر القومي العربي. وأسهم الاهتمام والدرس في إعداد كتابين. أولهما هو الفكرة العربية في مصر، نشرته. وهو، علي ما أظن، أفضل ما كتبت في تلك المرحلة. أقول ذلك قياساً إلي آراء الكثيرين من المفكرين والكتّاب العرب الذين أبدوا اهتماماً بالكتاب المذكور لم أكن أتوقعه، وبينهم أحمد بهاء الدين ومحمد حسنين هيكل. وأسجّل للتاريخ أن الرئيس عبد الناصر اهتم بالكتاب وأشار إليه في أكثر من مناسبة. وكان الكتاب أكثر ما نشرت من قبل ومن بعد استئثاراً باهتمام الباحثين العرب، وخاصة المصريين. وأستطيع أن أحصي عشرات الدراسات الجامعية التي اعتمدت عليه أو اقتبست منه.أما الكتاب الثاني فقد نشر بعد أربع سنوات، بعد أن غادرت بيروت إلي كمبردج. نشرته في لبنان بعنوان تطور المفهوم القومي عند العرب ، وقد كان في الأساس رداً علي مزاعم الصهيوني البريطاني برنارد لويس الذي ينكر الفكرة القومية العربية وينظر إلي العرب كمجموعة من الأمم غير المتجانسة. وبلغ عداؤه للعرب أنه يتباهي بأنه لم يتكلم العربية قط مع أنه يعتبر نفسه عميداً للمستعربين الإنكليز!.امتد اهتمامي إلي دنيا الموسوعات، ولم يعد نشاطي الكتابي محصوراً في كتابة المقالات وفي التأليف والترجمة. وشاركت في موسوعتين كانتا قيد الإعداد في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي.كانت مؤسسة فرانكلن قد بدأت تعد لإصدار موسوعة مختصرة. وأسست لها مكتباً وجهازاً للتحرير في القاهرة. وكلفت بكتابة عدد من المداخل، وصدرت الموسوعة في العام بعنوان الموسوعة العربية الميسرة .أما إسهامي الموسوعي الأكبر فكان في المساهمة في تحرير قاموس الكتاب المقدس . وهو جهد ضخم يقدّم تعريفاً لكل اسم ورد في الكتاب المقدس، سواء كان اسم علم أو شعب أو مكان أو مصطلح أو عادة أو طقس أو أداة. وكان العشرون محرراً من علماء اللاهوت والتاريخ التوراتي. ربما كنت الوحيد بينهم من خارج هذا الإطار المختص. كما كنت الأصغر سناً والأقل خبرة. ومع هذا كلفت بمواد خمسة أحرف هي ع وغ ون وه وو وتبلغ صفحات مداخلها حوالي مئتي صفحة من القطع الكبير، أي خُمس الكتاب كله. ولعل ما حمل هيئة التحرير علي أن يعهدوا إليّ بهذا العمل الثقافي المرجعي بالرغم من خبرتي القليلة هو أني توليت في العام رئاسة تحرير مجلة دينية تصدرها الكنائس الإنجيلية في سورية ولبنان، محدودة التوزيع اسمها العلّيّة . وقد استمر إشرافي علي هذه المجلة المجهولة لدي معظم القرّاء إلي حين مغادرتي لبنان خريف. وكانت مجلة شهرية مختصة بالأمور الدينية الصرف.هناك عمل موسوعي آخر مجهول لدي غالبية الذين يعرفونني، غالبيتهم العظمي بلا شك، ثم إن معظمهم سيستغرب الخبر وبعضهم سيستنكره!. كنت وهشام أبو ظهر أواسط الخمسينيات نبحث عن موضوع نكتب فيه كتابة مشتركة ويدرّ علينا بعض المال الذي كنا كلانا بحاجة له هشام ليسافر إلي لندن، وأنا لأشتري المزيد من الكتب وربطات العنق وأحضر المزيد من الأفلام السينمائية! واستشرنا أحد الأصدقاء من الناشرين الشباب في بيروت. فنصحنا بأن نضع موسوعة جنسية بعنوان جذاب ورصين هو دائرة المعارف الجنسية . وهو موضوع بكر في المكتبة العربية. وراقت الفكرة لنا، وإن كانت خبرة كل منا في هذا المجال أضعف من أن أصفها بالضعيفة! واتفقنا أن أكتب أنا جزءاً ويكتب هشام جزءاً آخر، وننتظر ردة الفعل. ولخجلنا من نشر اسمينا علي كتاب مثل هذا مع أنه كان كتاباً علمياً ولم يكن هدفه الإثارة قررنا أن ندمج الاسمين معاً. وهكذا ولد اسم أنيس هاشم ، كما أضفنا لقب دكتور لنضفي روحاً علمية عليه.صدر الجزء الأول. وسافر هشام إلي لندن. فاضطررت إلي أن أكتب أنا الجزء الثاني أيضاً. وباع الكتاب الموسوعي نسخه كلها. ولا أستغرب إذا كان الناشر أعاد طبعه مرة ومرات دون علمي. وأعترف أني أسقطت خبر الموسوعة من ذاكرتي ولم أستعد الموضوع إلا عند كتابة هذه السطور. ولا أنصح القارئ بالبحث عن الكتاب. فقد نفد وفقد من الأسواق منذ خمسين سنة!في لندنسافرت إلي بريطانيا خريف 1959بعد يوم من حفل زواجي. وأقمنا في كمبردج خمس سنوات متواصلة. وانشغلت بالدراسة وبالتدريس. لكني لم أستطع قتل الحنين إلي الكتابة. وعبّرت عن هذا الحنين في أربع قنوات.كانت مراسلة مجلة الصياد هي القناة الأولي. ومرة أخري أنسب نشاطي في هذا المجال لزميلي وصديقي هشام أبو ظهر. فقد عاد هشام من بريطانيا إلي لبنان وانضم إلي أسرة تحرير دار الصياد. وأخذ يكاتبني ويلحّ عليّ أن أكتب مقالات من كمبردج وعن كمبردج. ففعلت. وكتبت حوالي عشر مقالات في وصف الحياة الجامعية في هذه المدينة الفريدة من نوعها. وكنت أحاول أن أكون ظريفاً وتكون المقالات طريفة لتتناسب مع روح ْالصياد وأسلوب عميدها سعيد فريحة. وكنت أترك له اختيار العناوين التي تجذب القارئ.وكان صديقنا المشترك كمال سنو قد أصدر مجلة خفيفة لتسلية القراء سماها كوكتيل ثم اللواء . وعزّ عليه أن أراسل الصياد دون مجلته. إذ لم ألبّ طلباته المتكررة. فلجأ إلي طريقة أخري. أخذ يترجم مقالات عن بريطانيا والحياة الاجتماعية والفنية فيها، وأخباراً ونوادر وقصصاً صحيحة أو من وحي الخيال، وينشرها في المجلة تباعاً بقلم مراسلنا الخاص في بريطانيا أنيس صايغ. وعبثاً حاولت أن أعترض وأطالبه بالتوقف. ولم يكن يزودني بنسخ من المجلة التي تزعم أني مراسلها أو مبعوثها الخاص! وكنت أسمع أخبار رسائلي وما تحتويه من فضائح ومقابلات وهمية من أصدقائي. حتي إن أحد أعداد المجلة زعم أن هيئة التحرير أوفدتني إلي هوليود لمقابلة بعض فناناتها وأخذ أحاديث وصور لهن. ثم نشرت تلك المقابلات والصور التي لا شك أن مصدرها كان صحف الشائعات وفضائح النجوم الكثيرة في الولايات المتحدة. وكان لوالدي صديق طبيب يقيم في حمص. وكان محافظاً وشديد التدين. اطّلع علي أعداد المجلة وبعث رسالة إلي الوالد الذي حوّلها إليّ في كمبردج يقول فيها إنه يفهم أن أرفض أن أدرس اللاهوت وأرسم قسيساً ولكنه لا يفهم أن أصرف وقتي في غرف نوم ممثلات هوليود!أما القناة الثانية فكانت نقيض مقالاتي الحقيقية في الصياد والوهمية في مجلة كمال . هزّني الانفصال بين سورية ومصر 1961 فوضعت دراسة مطولة في الموضوع. وربما كانت تعابيري عاطفية أكثر من المطلوب. وربما تسرعت في استخلاص بعض النتائج. لكني ما أزال متمسكاً بالفكرة الأساسية، وهي أن إنجازات الوحدة وإيجابياتها هي المسؤولة عن الانفصال وليس ما اختلط بممارسات رجالاتها من أخطاء وسلبيات. وأرسلت المخطوط إلي بشير الداعوق صاحب دار الطليعة في بيروت، لكنه لم ينشره ولم أسترده.وكانت القناة الثالثة الحرص علي كتابة البحوث والمقالات الجادة في عدد من المجلات الرصينة، أبرزها مجلة حوار التي أصدرها شقيقي توفيق في بيروت، ومجلة أصوات التي أصدرها المستعرب دنس جونسون دافز في لندن، ومجلة الرابطة التي أصدرها اتحاد الطلاب العرب في المملكة المتحدة وحررها رياض نجيب الريس، وكانت تصدر ملحقاً باسم أراب رفيو بالإنكليزية في مطلع ستينيات القرن الماضي.الهاشميونأما القناة الرابعة، والأهم، فكانت تحضير مواد عمل تاريخي سياسي ضخم عن الأسرة الهاشمية في الحجاز وشرق الأردن والعراق (1916 ـ 1950). استفدت خلال وجودي في بريطانيا من مصادر ووثائق موجودة هناك، ومن أوراق ورسائل خاصة متناثرة في عدد من مكتبات الجامعات والمتاحف وكذلك من أحد أفراد الأسرة الهاشمية، الأمير رعد بن زيد، الذي كان أحد طلابي وطلاب زوجتي في كمبردج. غير أني وضعت الدراسة في بيروت، بعد عودتي. وقد صدرت في كتابين منفصلين يمكن النظر إليهما ككتاب من جزأين، حمل الأول عنوان الهاشميون وقضية فلسطين ، والثاني الهاشميون والثورة العربية الكبري . ولحق بهما كتاب ثالث صدر 1966 بعنوان في مفهوم الزعامة السياسية، من فيصل إلي جمال عبدالناصر . وقد راجت هذه الكتب الثلاثة رواجاً كبيراً، ونفدت الطبعة الأولي من كل منها بعد أشهر قليلة. وكانت تهرّب إلي دول منعت دخولها مما زاد في بحث الناس عنها تولت زوجة أحد شخصيات الأردن المعروفة نقل مئات النسخ في حقائبها كلما زارت بيروت وعادت إلي عمان دون تفتيش علي الحدود! وأظن أن ما أتاح لهذه الكتب الثلاثة الرواج غير المتوقع هو أنها أول دراسة جادة في التأريخ الهاشمي غير المتأثر بالسلطة، بحيث خرجت التحليلات علي النمط المألوف في معالجة الموضوع وقدمت تحليلاً واستنتاجات جديدة، وجديرة بالاطلاع والدرس. قوبلت الكتب برد فعل قاس من أفراد من الأسرة الهاشمية. فمنعت في الأردن، وما تزال ممنوعة رسمياً حتي اليوم. وحينما ولي الملك عبدالله الثاني العرش في عمان سنة 1999 وسمح بإدخال الكتب الممنوعة من قبل استثني الرقيب كتبي المشار إليها. ومنع أي اقتباس عنها. حتي إن النائب السابق ليث شبيلات حوكم وسجن لأنه اقتبس أقوالاً من أحد هذه الكتب في محاضرة له في إربد بعد أكثر من خمس وعشرين سنة علي صدور الكتب. كما منعت أنا شخصياً من دخول الأردن مدة ستة عشر عاماً 1966ـ 1988.وامتد الحظر الأردني علي كتاباتي عموماً وليس علي كتاب معيّن. فحين صدرت الموسوعة الفلسطينية في قسمها الثاني، أي بعد ربع قرن من صدور كتاب الهاشميون ، لم تأذن السلطات الأردنية بإدخالها للتوزيع في البلاد إلا بعد شطب فقرتين لا تزيد أسطرهما معاً علي عشرين سطراً اقتبسهما الكاتب من مؤلف لي غير كتاب الهاشميون في مداخلته عن الفكر السياسي الفلسطيني.وأراد أحد المؤرخين أن يتملق البلاط فأعدّ كتاباً يرد علي المعلومات والمقولات التي وردت في كتابي، واستعان الرجل ببعض أساتذة التاريخ الحديث في كتابة دراسات ضمها إلي كتابه وقد اعترف بعض هؤلاء بمكافآت أغرتهم علي الإسهام في الحملة ضدي. واستمر في التهجم علي كتبي في مناسبة وغير مناسبة. ثم انتقل إلي مهاجمة كتاباتي الأخري، وكذلك أعمالي في مركز الأبحاث. ونشر في مذكراته مزاعم أبعد ما تكون عن الصحة. قال مثلاً إني استوليت علي مذكرات عوني عبد الهادي بالخداع وحذفت أشياء وأضفت أشياء قبل أن أدفع بها إلي المطبعة، الأمر الذي زعم أنه أثار استياء السيدة أرملته. وهذا كذب جملة وتفصيلاً. فالسيدة المذكورة هي التي أعطتنا أوراق زوجها، وكانت راضية جداً عن الكتاب بعد أن صدر. ولم أتدخل أنا في حرف واحد من مادة المذكرات لا إضافة ولا حذفاً.ومع أن دور نشر كثيرة طلبت مني، ولا تزال تطلب وتلح، أن أسمح بإعادة طبــــاعة هذه الكتب فإني أعتذر، مثلما اعتذرت عن نشر جزء ثالث من كتاب الهاشميون . فقد قلت ما قلت. وكشــــفت عما رغبت في الكشف عنه خدمة لتاريخنا القومي والوطني. وأترك المجال للجيل الجـــــديد من المؤرخين أن يستفيد مما يكشف من مصادر ووثائق تباعاً ليقوم هو بالتأريخ لهذه المرحلة غيــر متأثر، بالضرورة، بما كتبت.أشير هنا إلي حادث طريف من نتائج نشر المجلدين عن الأسرة الهاشمية. قرأت في بعض صحف بيروت صبيحة يوم من أوائل العام 1967، وكنت قد أصبحت مديراً عاماً لمركز الأبحاث الفلسطيني وأتمتع بحصانة دبلوماسية، أن أحد قضاة بيروت أصدر حكمه في القضية المرفوعة ضدي بسبب الكتابين بالسجن وبغرامة مالية بتهمة القدح والذم بعائلة مالكة وقد نسيت مقدار الغرامة أو مدة السجن. الذي أعرفه أن مدير وزارة العدل آنذاك نفي علمه بالموضوع، ولم يسألني أو يسائلني أحد رسمياً حول الدعوي. ولم يطالبني أحد بغرامة، ولا ساقني شرطي إلي مخفر أو سجن.كما أشير إلي أني دعيت في العام 1969 إلي اجتماع في عمان لمديري مكاتب منظمة التحرير. واستشرت أحد أفراد البعثة الدبلوماسية الأردنية في بيروت، وكان صديقاً لي. فاستفسر ثم قال إن من الأفضل أن أعتذر عن المشاركة. وفهمت الرسالة. إلا أن ولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال، وكان في أيار (مايو) 1982 في زيارة لتونس حيث كنت أعمل رئيساً لتحرير مجلة شؤون عربية ، دعاني إلي تناول الشاي معه في قصر الضيافة. وكانت الدعوة مفاجئة جداً. واستقبلني بلطف ودعاني لزيارة الأردن. وأفهمني أن ليست هناك إجراءات بحقي. وطلب أن أخبره مسبقاً قبيل الزيارة. فتوجهت إلي عمان في أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، وكان الجيش الإسرائيلي يحتل بيروت ويتعذر عليّ العودة إليها. وأرسل الأمير مندوباً لاستقبالي في المطار. وتكررت الزيارات لعمان. وأصبحت أتردد عليها دون أي اعتراض أو استجواب، إلا مرة واحدة بعد أن نشرت كتابي 13 أيلول ضد اتفاق أوسلو. أبقيت في المطار ساعات قبل أن يُسمح لي بدخول العاصمة. وقد اعتذر سكرتير الأمير عن ذلك الحادث ووعد بألا يتكرر. ولم يتكرر بالفعل.وجدير بالذكر أن الحكومتين السورية والعراقية منعتا كتاب الهاشميون بعيد صدوره. وكانت الذريعة أن البلدين عموماً وحزب البعث خصوصاً يعتبرون فيصل الأول من رموز النضال العربي ولا يجوز تشويه هذه الصورة حتي ولو ثبت بطلانها تاريخياً. وظل المنع في سورية قائماً عدة سنوات. أما في العراق فما زال قائماً حتي اليوم! وقد سطا أحد أعلام الفلسطينيين في قطر عربي وكان مديراً لمصرف، علي أحد الجزأين من الكتاب، وقدّمه في سلسلة أحاديث إذاعية من إذاعة ذلك البلد في خمسين حلقة، دون ذكر اسم المؤلف وكأنه هو صاحبه! وأصبح الرجل فيما بعد عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولم تكن تلك أول حادثة سطو علي كتاب لي. وقد سبق لمجلة عسكرية تنطق باسم أحد الجيوش العربية أن سطت علي كتاب الأسطول الحربي الأموي في البحر الأبيض المتوسط ونشرته مسلسلاً في أعداد متوالية دون الإشارة إلي المؤلف. وبالطبع لم أكن أنا المؤلف الوحيد في الوطن العربي الذي يتعرض لأحداث من هذا النوع المخجل من جرائم السرقة الأديبة.والحديث عن السرقات الأدبية يقودني إلي الاسترسال، فأذكر أني عانيت منها بأشكال متعددة دون أن يستهدف السارقون كتابات وضعتها أنا. فأحد منشورات مركز الأبحاث تعرّض لسرقة وقحة قبيل نشره بأيام. أعطيت مخطوطة الدراسة وكانت عن الدبلوماسية الصهيونية وضعها فايز صايغ إلي صحافي ناشئ ليعد نقداً ومراجعة للكتاب في صحيفة بيروتية كان يعـــــمل فيها. وإذا به ينشر الكتاب كله في سلسلة حلقات وقدّم نفسه كمؤلف للدراسة دون أية إشارة إلي المؤلف الأصلي! وسطا كاتب آخر علي اسم الموسوعة الفلســـــطينية ونشر كتاباً له بالعنوان نفسه. وسطا ناشر في الأردن علي موسوعتنا بأن أخرج موسوعة قطرية مقلداً موسوعتنا في الشكل والإخــــراج والمظهر والعناوين والصور إلخ.7