شعراء انقلبوا الي روائيين بسبب قدرة الرواية علي التعبير عن الواقع المرعب للحياة المصرية وهدف الكتابة لم يعد رسوليا بقدر ما هو كتابة بشر الي بشر آخرين
المشهد الروائي الجديد في مصر: غ3فشعراء انقلبوا الي روائيين بسبب قدرة الرواية علي التعبير عن الواقع المرعب للحياة المصرية وهدف الكتابة لم يعد رسوليا بقدر ما هو كتابة بشر الي بشر آخرينالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: هذه الشهادات الغاضبة ـ في معظمها ـ تعكس واقعا اردنا تسجيله وتثبيت زواياه بقصد النظر اليه بمزيد من التأمل.اردنا في هذا الاستطلاع التوقف امام عدة اشكاليات تطرحها الرواية الجديدة في مصر، بالتزامن مع الانحسار المنظور للقصة القصيرة وللشعر معاً، بالاضافة لتعثر اشكال فنية مؤثرة تعتمد الاشكال الجماعية وتفتقر الي الدعم والي غياب المشروع مثل المسرح والسينما، ولا يتم ذلك بانفصال عن اتساع الهوة بين المنجز الابداعي ـ بشتي صوره ـ وبين متلقيه، دون الافتئات علي ارقام التوزيع واعداد المشاهدة التي يتجرأ ويعلنها اصحاب مصلحة هنا او هناك.الرواية الجديدة في مصر ساعية ـ بالتأكيد ـ للتماس مع افكار الواقع الانساني في صورته المعولمة، فثمة قناعات مفرطة بتفتيت المركزية الروائية من دون انفصال عن مفهوم تفتيت المركزية القومية، وهناك عودة للجيتوهات المهمة والجماعات الصغيرة، التي تمثل نقائض هذا المركز الذي عاش مقهورا بفكرة صناعة العقل العام، وتعاظمت ايضا مفاهيم العمل الفردي والذوات المتشظية التي ترفض ان تتزيا بمسوح الرهبان والقديسين، لذلك سنجد اعتمادا واسعا ومفرطا للغة هشة، رومانسية، تنأي ـ بكل قوة ـ عن التركيب والمعاضلة والتأويل، سنجد سيرة شخصية تضفي علي آثامها حيادية تشي بأن آخرين هم مقترفوها، وفي كل الحالات لا يتم ذلك بعيدا عن الوعي العام بالتفكك المأساوي الذي لحق بالشخصية المصرية والعربية علي السواء، وترسيخ مثل هذه الصورة عمق فكرة المبدعين الجدد عن المفهوم السالب للالتزام، وباتت الوظيفة الابداعية مخيفة الي حد المخاطرة. وربما كان ذلك كله يقبع خلف الانجاز النوعي للرواية الجديدة الذي ـ لا شك ـ ميزها عن رواية الاسلاف، بمن في ذلك الاسلاف من ذوي القربي، وهذا هو نص السؤال الذي وجهناه الي المشاركين في هذا الاستطلاع: حققت الرواية الجديدة طفرات نوعية في عدة مفاهيم سواء علي مستوي السرد او اللغة، وكذلك علي مستوي الوعي بالذات لكنها ظلت رهينة ذوات محدودة وعوالم افقية لا تؤمن بأهمية الوعي المركب في النظر الي العالم.تري ما هو المستقبل الذي تراه لهذه الكتابة، وبأي معني يمكن تصنيف تجاربها الراسخة، وهل يمكن لهذا الوعي بالعالم ان يعد بصياغة جديدة تحدث في اطار تجربتك؟ .ولا يزعم هذا الاستطلاع لنفسه النهوض بالتغطية الجامعة للمشهد فهناك اسماء مهمة غابت عن المشاركة لأسباب مختلفة، ولا يزعم كذلك انه سيكون آلية وحيدة للفرز وان زعم انه خطوة في طريق هذه القراءة الكاشفة.وتتبقي بعض الملاحظات:لم يلتزم كثير من الكتّاب بنص السؤال وبدا جيل الستينات في خلفية المشهد قابعا رغم التأكيد الدائم علي اشراف دوره علي النهاية.ما يبدو وكأنه عنف وغضب من بعض شباب الكتاب يعكس الأزمة التي وصلت اليها المؤسسة الثقافية، التي عليها الواجب الاول في تقديم كافة الظواهر وتهيئة المناخ لقراءتها وفرزها دون وساطة، ودون القائها في مستوطنات العقاب الجماعي التي تعاني من ثقلها الآن، ويبدو انها ستظل كذلك لأمد ليس قصيرا.وهنا نص شهادات الروائيين الجدد:الرواية الجديدة والمعرفة المطلقةشحاتة العريان المشهد الروائي المصري، ككل ما هو مصري الآن يعاني من طاقة تغيير محتجز، فخلاله تتجاور انماط عدة من طرائق السرد، فبينما ما زال نجيب محفوظ يواصل الكتابة تتواتر في الصدور اعمال كتّاب الستينات ـ واقصد هنا بهاء طاهر والبساطي واصلان والغيطاني وشلبي والديب والخراط وصنع الله ـ مؤكدة علي طرائقهم في الكتابة فيما يتنازع الجيل الأحدث تياران كبيران يتجهان في عملية استقطاب حاد الي طرفي معادلة البساطة والتعقيد فينحو اصحاب المنحي الاول الي الكتابة بأيسر السبل في محاولة للامساك بالعالم الدرامي الواقعي والمراوغ في آن، حيث يبدو الزمن لا معقولا وسرعة التغيير مدهشة حتي لا تكاد تلمح ألوان الصورة إلا وهي تتواري وتبهت، وهي السمة التي صبغت تيار الرواية الجديدة وهو تعبير اطلق علي عدة أعمال روائية توالي صدورها منذ نهاية التسعينات لكتّاب لم يكتبوا القصة من قبل واغلبهم كانوا شعراء خاصة من تيار قصيدة النثر وهو الجنس الأدبي الذي كانت له صدارة المشهد طيلة التسعينات. وبالنسبة لي علي سبيل المثال، كان الديوان الاول بمثابة مقدمة للرواية الاولي والمقطع صفر في الرواية ليس سوي فقرة من القصيدة الاولي في الديوان، وتعود لتيار الرواية الجديدة الذي اشاع ذائقة فنية طازجة منحازة الي العذوبة والتلقائية وسلاسة السرد في سبيل التقاط الوجود الدرامي للشخوص والأحداث والأماكن التي تتبعها حكاية الكاتب والفارق هنا ان الكاتب متورط في حكايته لذا شاع استخدام ضمير المتكلم في السرد وبطريقة أشاعت اعتقادا خاطئا لدي نقاد الأدب دفعهم لطرح تعبير (السيرة الذاتية) في مواجهة تلك الروايات، وكأن الرواية كانت طيلة تاريخها شيئا آخر بخلاف سيرة كاتبيها!! وهي مفارقة تثير التساؤلات حول طبيعة فهم هؤلاء النقاد للرواية والسيرة في آن، وما ازعجهم في مذكرات ماركيز (عشت لأروي) انها كشفت بوضوح ان ماركيز لم يكن يكتب طيلة حياته سوي سيرة واقعية تماما لتلك الحياة التي عاشها فقط وهي تتضمن اوهام الناس واكاذيبهم واحلامهم وخرافاتهم كجزء من الحياة الواقعية وبنفس حجمها الواقعي، فيما اطلق عليه نقاد الأدب تعبير (الواقعية السحرية) الملتبس والذي عاني كثيرا من سوء تفسير كلمة السحرية.وعلي عكس تيار الرواية الجديدة، ينحو اصحاب المنحي المناوئ ناحية التعبير والألعاب الشكلانية والايغال في افساد أي دلالة قد تتولد عن العمل الأدبي لدي القارئ الذي ينكرون وجوده وتعتمد تلك الكتابة علي ذات المعطيات التي أودت بظاهرة شعر السعبينات وقصة الثمانينات الي مهاوي العزلة والغموض النبوي الذي يدعي معرفة عميقة غير واضحة بحيث لا يكون لدي القارئ الافتراضي سوي النظر اليها باكبار، دون فهم، حيث تتحول لنوع من السلطة فلا تسعي لاجتذاب القارئ وانما تعتمد قمعه وانكار وجوده اصلا، وغالبا ما يكتب الكاتب منهم لقارئ افتراضي واحد، هو الناقد الصديق الذي سيشهد بتلك الكتابة بمناسبة ودونها لتكتمل حلقات الفساد المقترنة بالسلطة في كل تجلٍ من تجلياتها.الرؤي قصيرة النظرحسين عبد الرحيم سأتحدث في المستقبل لهذه الكتابة وهذه الرواية الجديدة التي تري أنها حققت طفرة نوعية في مفاهيم عدة علي مستوي السرد واللغة والجماليات والمعني والاشتباك مع العالم، ففي اطار الوعي بالذات تكمن الرحابة والرؤية الكلية في رسم معالم الطريق والمسار المغاير في مفهوم الوعي المركب في الآني والمستقبلي.فالوعي المركب الذي اعمل عليه في كتابتي روائية كانت أم قصصية او حتي تلفزيونية كمادة منطوقة بقصدية معبرة في صور عديدة عن حالات كتابتي وعلاقتي بمن يحملون مفاهيم مختلفة للكتابة تنحو نحو ترسيخ وتأكيد هذا العالم للانطلاق فيه ومنه وتجلية.واذا أتينا الي هذه الرؤية المفصلة التي طرحت في ارتباط وعي الذات بالعالم يلزم كاتب الرواية او السارد او الراوي للأحداث كلها في هذه اللحظة الآنية والمتناقضة والمتشعبة ان تنهض النهوض بمعني الإلمام بكل ما هو سياسي ثابت ويتحول ويراوغ ومستهلك محليا او عالميا. وكذلك القبض علي ذواتنا كلها في كافة تجلياتها انطلاقا من ارث او موروث اجتماعي شكوك في شرعيته وفي تربته من قبل شرعيته وبالتالي في هويته وانطلاقاته بل ودوافعه وحصاده المعرفي الثقافي والتقني علي طريقة التحصيل الذاتي للفرد المبدع. ففي هذا الاطار الذي أراه حتميا مفروضا من نفس علي نفس او من نفس علي العالم تكمن لحظة الانطلاق بمعني ان تقول لي كيف الي العالم اقول لك هل العالم هو نفسك أم علاقة هذه النفس بعدة انفس تتعدد وتختلف وتتناقض بل وتتواري احيانا مع حالات اشتباكاتها مع كل ما هو مطروح في هذا الكوكب من صورة فوتوغرافية او لوحة او شريط موسيقي او فيلم سينمائي أو قصيدة شعر او سيمفونية او حدث سياسي، فنحن من نرسم العالم ولكل منا نقطة ارتكاز ومحور او محاور اهتمام تربطه بحراك الكون وشكله ومدي قربه ببشره او بعده عن ارواحنا، ويأتي حصاد تفاعله بهذه الرؤية من منطلق ادراكه لحقيقة وجوده المادي او الانساني لتكون التجليات الابداعية هي الخلاص والمنتهي والحكمة في دواعي او دوافع الكتابة وعلاقة المبدع بها فاذا تطرقنا الي الحديث عن الجانب الادني من طرحك الجذري لدور الروائي في اعادة صياغة العالم والمشاركة في بنائه بفعالية منفردة سنتحسر آسفين علي كل منتجاتنا الابداعية علي مدار خمسة وسبعين عاما هي عمر الرواية المصرية الحديثة، فما هي علاقة هذه المنتجات بمفهوم الرسوخ في المطلق او في الفن او في مفهوم التجاوز واعادة الصياغة للوعي بالعالم وليس بالرؤي الجديدة في الصياغة والمشاركة المنتظرة، فاذا ما عددنا رموز الابداع الروائي في مصر وهم كثيرون واعمالهم اكثر سنجد ان هناك نصوصا قليلة وحضورا أقل لحق الاشتباك او الغوص في الركب والتشييد الحضاري للانسانية والبشرية ابداعيا وجماليا واني لاتساءل وبعيدا عن الفعال والحاضر الشيخ نجيب محفوظ الذي ادرك كل هذه المفاهيم منذ ان كان عنده ستة عشر عاما فصار نتاجه يزغرد في هذا المشهد حتي وان كان خافت الصوت محالا لرؤيا عالم ثالثية، فهل كان يدرك ادريس؟! وهل ادرك من بعده شلبي والغيطاني وصنع الله او الغطاس دلالات هذا التماس في ضرورة الاشتباك الطبيعي والحتمي لاعادة صياغة رؤية جديدة للعالم اكثر جذرية وايمانا ونكهة؟ وما مدي علاقتنا نحن هذا الجيل او ما قبله او بعده بهذه الركب؟ للأسف كل منا يملك رؤية لا تصل اكثر من قدميه. بمعني هل اعددنا انفسنا بشكل حقيقي لاعادة رسم عالم يخصنا نحن كعالم ثالث مثلا او عالم متوسطي فما بالنا بأننا قد تخلفنا عن موكب البشرية بمفهومها البدائي، فصرنا نتنافس علي جزر معزولة ولا نعي أو نقف، فبالتالي لا نملك أية كيفية لبثها في رؤية جديدة تخص العالم إلا بطموحات فردية اراها كأنها شكل قدري بالنسبة لي بمعني: كيف ترهن نفسك للمعرفة والثقافة والعيش بين البشر في كل لححظة علي مدار اربع وعشرين ساعة علي مدار عمرك؟في زمن بلا بداية..وفي فضاء لا يُعرفحدوده.. أكتبسعيد نوح المبدع الحقيقي هو رد فعل لمبدعين رائعين سابقين عليه في الحياة. فما الذي يمكن لواحد مثلي ان يقدمه في ظل وجود ذاكرة معرفية تضم اسماء كثيرة بداية من سرفانتس مرورا بالأدب الروسي العظيم والأدب العالمي الرائع وطه حسين ويحيي حقي وعمنا نجيب محفوظ وسعد مكاوي ويوسف ادريس وجيل الستينات العظيم خيري واصلان وبهاء والغيطاني والبساطي وصنع الله وعبد الحكيم قاسم والكفراوي ويحيي الطاهر ومحمد ناجي واميل حبيبي والتكرلي والطاهر وطار وبن جلون وشكري والطيب صالح ومنيف واسماء كثيرة لو ظللتُ ارددها لانتهت سويعات قبل ان انتهي من بعضها. ولقد حققت الرواية او ما عرف بالفن الروائي انجازات هائلة خلال العقود الماضية.ولقد كان الانجاز علي كافة المستويات من سرد ولغة ووصف وحبكة واضمار وتصريح ومستوي وعي بالذات، ولقد استطاعت خلال وجودها الذي لا يزيد علي خمسة قرون ان تضم اليها كل الاجناس الأدبية التي تم التعرف عليها خلال التاريخ سواء التي استقرت كالشعر او الحدثية كالتحليل والتعليق.ان الشكل الروائي هو الشيء الوحيد في مختلف الفنون المتعارف عليها القادر علي الابتكار والتجديد والادهاش من داخله.ولقد حاولت علي مدي علاقتي بالأدب ان انتبه الي قدرتي علي الاستفادة والاستثمار من كل الاعمال الأدبية. فمثلا في روايتي الاولي كلما رأيت بنتا حلوة اقول يا سعاد كان الحدث الهام في الرواية هو الموت. والموت هو حدث عادي ومتكرر ملايين المرات. ليس داخل الحياة فقط ولكن داخل الاعمال الأدبية. ولأنني اعرف ان أهم ما يميز الكتابة الجديدة والجيدة ايضا هو البعد عن تنقيب واقع سبق تعريفه وتحديده من قبل، فقد كنت في موقف لا احسد عليه. ماذا اصنع ومادتي الخام تم تدوينها منذ آلاف السنين علي جدران المعابد الفرعونية بلغة معروفة؟ ماذا افعل لأخرج من مأزق الموت عند المبدعين السابقين؟ لقد وجدت ان الحل الأمثل هو الدخول في قلب الأحداث. اذن لا بد من وجود لغة شاعرية وايجازية في نفس الوقت، الايجاز في عالم مليء بالتعقيدات، والايجاز الذي أعنيه هو الدخول في قلب الاشياء مباشرة دون تورية او اضمار. ماتت سعاد. وكلما رأيت بنتا حلوة اقول يا سعاد.هذه كانت علاقتي باللغة في رواية سعاد ، ربما اتسعت لتشمل بعض الاصوات في الرواية مثل خالد خطيب سعاد واوراق سعاد والأم. لكن علي مستوي آخر كانت هناك لغة ماجدة اخت سعاد التي تنتمي الي لغة العديد ولغة هويدا لغة تقريرية. لقد كنت ابحث عن موت جديد، او علي الأصح عن الحياة التي عاشتها سعاد. أما في رواية دائما ما ادعو الموتي فقد كانت اللغة وعاء للشخصيات. ومن هنا كانت اللغة العامية هي لغة العمل. أما عن الحدث فهو حكاية حب بين شخصية انور المنسترلي وتوحة. انور هو ممثل درجة ثانية من هؤلاء الذين يطلقون عليهم لقب كومبارس ، جعلته يظهر في مجموعة من الافلام الهامة في ذاكرة السينما المصرية. فمثلا جعلته، أحد الكومبارس الذي يردد وراء محمد عبد الوهاب اغنيته الشهيرة عاشق الروح في فيلم غزل البنات ثم جعلته العسكري الذي يصاحب انور وجدي في فيلم اربع بنات وضابط . ويظهر صديق لفريد شوقي في فيلم الاسطي حسن ، واعتقد ان تلك المرجعية المخترعة من الألف الي الياء جعلت انور انسانا من لحم ودم كما اخبرني كثير من الاصدقاء حتي ان مبدعا كبيرا اتصل بي وهو يشاهد فيلم قلبي دليلي ليسألني عن انور، في حين ان داخل الرواية شخصية حقيقية ومهمة مثل يوسف صديق أحد الضباط الاحرار وأهمهم ايضا من حيث الفعل الذي قام به والذي لولاه ما حدثت الثورة في موعدها، علي الأقل لم يتم الالتفات اليها. ولقد مات انور في بداية الرواية ومن هنا كانت التفاصيل هي شغلي الشاغل.. وأنا اكتب لماذا؟ ببساطة لأن البطل كان غائبا عن الواقع ومن هنا كان لا بد للتفاصيل لرسم صورة حقيقية للبطل كما طرحت في مقدمة عمي يحيي حقي. علي الجانب الآخر كانت هناك شخصيات لم أكن ابحث لها عن تفاصيل او حتي عن اسم ثلاثي او عن دوافع شخصية لأنني كنت اريده في لحظته الراهنة مثل شخصية القاضي الذي اراد ان يري مفهوم العدل بعيونه بعد ان ظل يحكم اعواما كثيرة دون ان يعرف مصير احكامه ومن هنا نزل الي الشارع واختفي في زي بائع متجول.هذه الشخصية مثلا لم يكن يعنيني ذكرياته او حتي لونه. فقط هو حاضر لخلق صورة معاكسة لشخصية الباشكاتب في حين ان السيد زغلول العريان ابو العريش الذي ظل طوال عمره داخل الرواية يحلم بأن يقول اسمه كاملا امام حشد من الناس دون ان تنتابه الرعشة والخوف، وفي اللحظة التي وقف فيها امام الناس جميعا في بولاق ابو الطلاق، وقال اسمه وبيانه المختصر أحس بمدي ضآلة حلمه ومدي ضياع عمره وراء حلم كان سهل المنال. اريد ان اقول ان كل شخصية لها تفاصيلها التي تحترم وجودها، فشخصية توتة الايطالية التي جاءت الي القاهرة للبحث عن ابنها الغائب بعد حرب العالمين وعملت مع انور في بعض الافلام ثم عملت في مستشفي فؤاد الاول واستقرت في مصر وانتهي بها الحال في مستشفي الامراض العقلية كان يمكن لحياتها ان تتغير لو قال لها أحد ان ابنها مات. ان حياة الافراد متوقفة علي تفاصيل صغيرة يقوم بها الآخرون. وفي تمثال صغير لشكوكو تلك المتتالية التي رأت النور بعد عشر سنوات علي كتابتها ويرجع الفضل في ذلك الي الصديق المبدع الجميل محمد هاشم صاحب دار ميريت والذي قام بطبعها علي نفقته كاملة دون ان يأخذ مني مليما. اعود الي المتتالية لأقول ان الفكرة كانت الحافز علي الكتابة، والفكرة باختصار تتحدث عن زوجة ظلت لمدة ثلاثة وثلاثين عاما تحافظ علي سر زوجها وأفشته في موقف غريب أمام مجموعة من النساء ولم يمض إلا اسبوع ومات ذلك الزوج صاحب العضو الكبير. وبعد دفن الزوج تسترجع الزوجة الايام الكثيرة التي كانت تنام فيها بجوار ذلك الزوج علي السرير الذي يستطيع ان يحمل ثقلا لا يقل عن ثلاثمئة وخمسين كيلوغرام دون ان يصدر عنه صوت كما قال لها بائع العاديات وهم يشترون العفش. وتروح تتذكر كيف اقاموا بيتا من اربعة ادوار وكيف استطاعوا ان يربوا سبعة من الاطفال. انها المعرفة التي أبحث عنها. واظن ان اي عامل فني لا يكشف لي جزءا من الوجود كان غائبا عني بدونه هو عمل لا اخلاقي. ان المعرفة هي اخلاقيات الرواية كما اظن. ولقد انتهيت في الاعوام الأربع الاخيرة من كتابة ثلاثة اعمال روائية طويلة كانت المعرفة هي الهم الاساس الذي أبحث عنه. ففي رواية 61 شارع زين الدين والتي تحكي عن تاريخ ونشأة ذلك الحي المتخيل اكتشفت ان المقدس فرج قد اختار بيته بجوار الجامع الوحيد في بداية النشأة، ومن هنا رحت ابحث داخل اطار الرواية عن لماذا اختار فرج ذلك المكان وظل طوال عمره يستمع الي ميكروفون الجامع في بيته ليل نهار. انها المعرفة الجديدة بطبائع البشر. لقد ظل المقدس وفياً لدينه الذي يضرب في كل صلاة من خلال بعض الدعاة الاسلاميين الجهلاء. أما في رواية أم مليحة فلقد كان السؤال الاساس في انفجار ذلك العمل هو عندما اخرجت أحد الشخصيات الروائية ورحت أملي عليها كيف ستجسد شخصية أم مليحة وكيف انها استمرت في العيش طوال واحد وثمانين عاما، وكيف انجبت ثلاثة عشر ابنا وبنتا ماتوا جميعا وتركوها تعيش مع الاحفاد، وكيف ردت علي الكاتب حين قال لها انه يشك في تقمصها للدور، وكيف تركت الورق وراحت تعطي لذلك الكاتب الاحمق خبرتها الطويلة وعادت بالرواية مرة اخري الي نقطة الصفر. وفي رواية الكاتب والمهرج والملاك الذي هناك كانت المعرفة الجديدة التي تفجرت من داخل العمل هي دخول ما يشبه الدراسة الميدانية الوثائقية عن حكر ابو دحروج ذلك المكان العشوائي والذي نشأ في بداية حكم الرئيس الحالي والذي اخرج لنا ابطالاً جدداً لم يتم التعامل معهم من قبل في العمل الروائي.وفي النهاية، اظن وان كان بعض الظن اثم، ان الرواية هي الفن الوحيد القادر علي تغيير نفسه والتأقلم مع الواقع المرعب الذي يفوق الخيال الذي نعيشه. اريد ان اقول من وراء ذلك ان روح الرواية هي روح الاستمرار، ولكن الاستمرار الذي أعنيه هو استمرار الاستثمار، استثمار ما سبق انجازه وإلا فلن يبقي إلا ثرثرة لا طائل من ورائها ولا نهاية لها ايضا.0