القبول الأعمي لتصريحات أو مواقف رسمية لا يخدم المجتمع
حتي لو كان هناك من يعتقدون أن النشر النقدي يمس بأمن الدولةالقبول الأعمي لتصريحات أو مواقف رسمية لا يخدم المجتمع المجتمع الاسرائيلي، مثل مجتمعات اخري ايضا، لا يحب النقد الداخلي. يفترض أن يخدم الاسرائيلي، قبل كل شيء، اسرائيل والاسرائيلية. تستطيع خدمة كهذه، بحسب التصور السائد أن تشتمل ايضا علي عدم الكشف عن الحقيقة والتسليم لأنصاف الحقائق. يُنظر الي النقد ووضع علامات الاستفهام، في أحيان كثيرة، كمس بالأمن وكتسليم العدو سلاحا.الصحافيون الذين يستعرضون نشاطات الجيش الاسرائيلي يواجهون أكثر من مرة هذه المعضلة. هل يمكن للنشر أن يُسبب المس بالروح المعنوية؟ هل سيمس النشر بأمن الدولة؟ من الذي يستطيع اقتناص الفائدة من النشر؟ وهل يسأل الجانب الثاني اسئلة هو ايضا؟.في أكثر الحالات، يغلب الاحساس باسرائيلية الدافع الصحافي. يمتنع كثير من الصحافيين عن جعل الامر صعبا علي المؤسسة وعلي الجهات المخولة بعلاج الاسئلة الصعبة. يحدث هذا لاسباب كثيرة. بعضهم غير معني بأن يصبح مُثقلا في نظر الجمهور، وبعضهم يخاف، وبعضهم يؤمن ببساطة بالصيغ الرسمية. وبعضهم، مثل سائر الجمهور، يشعر أن طرح الاسئلة في وقت الحرب يشبه نوعا من خدمة الطرف الآخر. يريد أكثر الجمهور الاستمرار في الاعتقاد بأن المؤسسة محقة، لأن هذا يمنح علي نحو ما احساسا بالأمن في بحر عدم الأمن الذي نعيش فيه.قبل نحو من عشرة ايام قُتل علي شاطيء غزة سبعة من أبناء عائلة غالية. سارع الجيش الاسرائيلي الي نشر تحقيق، يظهر منه أن أبناء العائلة لم تُصبهم قذيفة للجيش الاسرائيلي. وأنا كمن أستطلع أحوال قطاع غزة، لم تلائم نتائج التحقيق ما تراه عيناي. لقيت الناس وسمعت الاصوات. وشعرت بأنهم لا يقصون علينا الحقيقة كلها.حظي الجمهور الاسرائيلي بأن يسمع فقط ما كان عند الجهة القوية، والأكثر تأثيرا وأهمية في دولة اسرائيل، أي الجيش الاسرائيلي. تمكنت من أن أُصغي الي من لا نريد سماعهم، الي الفلسطينيين. الاشياء التي سمعتها ورأيتها قادتني الي أن أنفذ تحقيقا يخصني. نشرت نتائجه في القناة العاشرة وأثارت عاصفة كبيرة، لأن أكثر الجمهور الاسرائيلي شعر في لحظات كهذه أن مهمة الصحفي ألا يسأل اسئلة، بل أن يقبل الاشياء كما تعرضها المؤسسة.لكن جوهر الديمقراطية هو طرح الاسئلة، وهذا هو لب لباب النظام الديمقراطي.مهمة الصحافي هي التشكيك وفتح الأنظار. الصحافي الذي يقبل الاشياء بصيغة أنظر وقدّس هو صحافي أعمي. العمي يعني اعطاء النظام والمؤسسة امكانية أن يفعلا ما يحلو لهما. يوجد توتر دائم لسنين طويلة بين حرية الصحافي وقضية الأمن القومي. في تصوري، أمننا القومي متعلق بقدرة المؤسسة واستعدادها علي قول الحقيقة للجمهور. تكمن منعتنا الحقيقية كمجتمع في قدرتنا علي اجراء نقاش مفتوح، حتي عندما لا تكون نتائجه لصالحنا. المجتمع القوي ليس قادرا فقط علي احتمال النقد، بل علي أن ينقد نفسه ايضا.في 1971 رفضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة قرار منع نيويورك تايمز من نشر كشوف صحافية تتعلق بالتدخل الامريكي في كوريا الجنوبية. كتب القاضي بوتين ستيوارت ما يأتي: في مجالات الأمن القومي والعلاقات الدولية يمكن أن يكون الحاجز الأكثر جدوي في تعويق سياسة السلطة التنفيذية وصلاحيتها جمهور مواطنين متنورا وذا رأي.. من غير صحافة حرة ذات عِلم لا يمكن أن ينشأ رأي عام حكيم متنور . في حالة تحقيقي وتحقيقات اخري ليس لي إلا أن أوافق علي كلماته. المجتمع القوي هو مجتمع مُحقِق، وهو مجتمع عالِم.شلومي الدارمراسل في القناة العاشرة للشؤون العربية(معاريف) 21/6/2006