الأمريكيون في محيط الزرقاوي

حجم الخط
0

عبدالعظيم محمد

اللحظات الأخيرة التي عاشها الزرقاوي قبيل مقتله في منطقة هبهب قرب مدينة بعقوبة قد يكون من الصعب التعرف عليها، لكن قصة استهداف الزرقاوي طويلة ومليئة بالأحداث دامت نحو ثلاث سنوات، رصد فيها الأمريكيون ملايين الدولارات لمن يدلي بمعلومات تساعد علي القبض عليه أو قتله.

مدينة الفلوجة دمرت بالكامل في معركتها الثانية بذريعة وجود الزرقاوي، مع أن التوصل الي حل بين أهالي المدينة وحكومة علاوي كان شبه مكتمل، لكن تدخل الأمريكيين في اللحظات الأخيرة أفشل الاتفاق، وأُقحم شرط تسليم الزرقاوي الي القوات الأمريكية كأساس لأي اتفاق يمنع اقتحام المدينة، وهو أمر عجز عن تفسيره حتي رئيس الحكومة وقتها اياد علاوي حسبما نقله عنه أحد السياسيين العراقيين السنة لاحقا. واستمر حصار الفلوجة واستمر معها القصف اليومي للمنازل التي يشتبه بوجود الزرقاوي فيها أو أتباعه، والتي راح ضحيتها العشرات من المدنيين الأبرياء، ثم بعد ذلك دخلت القوات الأمريكية المدينة بالطريقة المعروفة واتضح كما كان معروفا حتي للأمريكيين أنفسهم أن الزرقاوي لم يكن داخل المدينة.

مع أن الزرقاوي كان يعرف أنه المطلوب الأول في العراق، الا أنه كان يتنقل كثيرا بين المناطق التي يوجد فيها أنصاره أو مقاتلوه. ففي معركة الفلوجة الأولي، والتي كنت شاهدا عليها، كان الزرقاوي داخل المدينة يقود ويحرض علي القتال هو ورفيقه مفتي جماعة التوحيد والجهاد وقتها أبو انس الشامي، حتي أصر عليه مقربون منه علي مغادرة المدينة حفاظا علي حياته، مع أنه لم يكن القائد الأبرز في تلك المعركة، فقد كانت المعركة عراقية بامتياز قائدها الأبرز والمحرض الأعلي صوتا فيها كان الشيخ أبو الخطاب أو ـ أبو حفص ـ عمر عبدالجبار، الذي قتل في تلك المعركة وخلفه في قيادة جماعته عمر حديد الذي سطع نجمه لاحقا كعضو بارز في جماعة التوحيد والجهاد.

المهم في قصة ملاحقة الزرقاوي أنه بعد غزو العراق كان هذا الرجل يتواجد في منطقة الفلوجة والقري المحيطة بها، وكان يعطي الدروس والخطب الجهادية بشكل شبه علني، وكان يجتمع معه الكثير من الشباب وخصوصا الشباب السلفي وكان الزرقاوي ـ يقول عنه من جالسه أنه خطيب مفوه وقادر علي التأثير فيمن يجالسه وكثيرا ما يبكي في كلامه ـ يحرض في معظم كلماته علي قتال المحتلين الكفرة. ما أردت قوله ان الزرقاوي كان يتحرك بحرية غير حذرة وكان يلتقي بعموم الناس ويجند لقتال الأمريكيين.

ولكن بعد معركة الفلوجة الأولي وشيوع ظاهرة الاختطاف برز أكثر اسم الزرقاوي وزاد طلب الأمريكيين له. ولذلك لم يدخل الزرقاوي الفلوجة بعد معركتها الأولي الا مرتين مع أنها كانت خالية تماما من الأمريكيين وقوات الحكومة العراقية. وبقي في محيط الفلوجة يتابع ما يجري فيها. الأمريكيون وقتها كانت لهم محاولات عديدة ومضنية للقبض علي المطلوب الأول. ففي احدي المرات التي وقفت علي تفاصيلها مع الناس الذين عاشوها في منطقة البوعيسي القريبة من عامرية الفلوجة. كانت سيارة قديمة الطراز تسير في الشارع الذي يجتاز القرية، فيها رجل عجوز مع ابن أخيه، فجأة ومن غير سابق انذار نزلت مروحية علي سقف السيارة وهي تسير، ترافقها ست مروحيات مملوءة بالجنود فضلا عن عدد من المروحيات التي كانت تحلق عن بعد لتأمين المنطقة. طبعا كان الأمر بالنسبة لراكبي السيارة مفاجأة لا تخطر علي بال، الرجل العجوز كان هو الهدف، قيد علي الفور ووضع رأسه علي الأرض واحتجز ابن أخيه علي جنب مع صاحب كشك صغير كان الحدث يدور أمام كشكه، ثم وضعت قنبلة في محرك السيارة الهدف، وبسرعة طارت المروحيات برفقة الرجل العجوز فقط. بعد ثلاثة أيام أفرج عن الرجل العجوز وتحدث عن أن الأمريكيين أخذوه بالمروحية الي مطار بغداد حيث المحققون والقيادات العسكرية التي كانت تنتظر، وما ان وصلت المروحيات بالغنيمة التي اعتقدوا أنها دسمة، حتي أخبره الضباط الأمريكيون: أنت أبو مصعب الزرقاوي، ونحن كنا نتابعك من فجر اليوم منذ وصلتنا المعلومات عن مكان تواجدك، وعرضوا عليه صورا بالأقمار الصناعية عن الأماكن التي مر فيها والمنازل التي دخلها، طبعا الرجل صدم من الحديث والصور وما ان تمالك نفسه حتي سأل المحققون: من هو أبو مصعب الزرقاوي؟! لم يصدقه احد كما قال، فتعرض للضرب والاهانة لكنه أصر علي موقفه، لأنه فعلا لم يكن يعرف من هو أبو مصعب الزرقاوي (الرجل العجوز يعمل قيما علي احد مقامات نبي الله الخضر عليه السلام في قرية قريبة من مدينة كربلاء وكان يزور المنطقة لأخذ المساعدة من معارفه القدماء واقسم انه لم يسمع باسم الزرقاوي قبل ذلك اليوم) وتبين أخيرا للأمريكيين بعد التحقيق واجراء الفحوصات أن هذا الرجل ليس أبو مصعب الزرقاوي فعلا، فأطلق سراحه بعد أن أعطي أجرة السيارة حتي يصـــل الي أهله. وقد يبدو غريبا أن الأمريكيين كانوا قريبين من أبي مصعب الزرقاوي أكثر من مرة، ولكنهم في معظمها كانوا غير مدركين لذلك. ففي احدي المرات وقبل معركة الفلوجة الأولي داهم الأمريكيون منزل مرافق الزرقاوي لكنهم لم يجدوا أحدا في المنزل، وقد روي هذا الرجل الحادثة فقال: كنت علي موعد مع أبي مصعب الزرقاوي وأبي انس الشامي بعد صلاة الفجر وهو موعد يومي تقريبا، وقررت ذلك اليوم أن أبعد الزوجة الي بيت أهلها فذهبت مسرعا حتي لا يفوتني الموعد لكن الحديث مع أهل الزوجة أخرني رغما عني، وما ان عدت الي البيت وقبل أن أصل اليه، اكتشفت أن القوات الأمريكية موجودة في الحي الذي اسكنه ثم اتضح لي انها كانت تقتحم منزلي، فاتصلت بالزرقاوي فاخبرني انه مر علي هو وأبو انس لكنهما لم يجداني في المنزل فأخبرته أن القوات الأمريكية دهمت منزلي في هذا الوقت تبحث عني. وقبل عدة أشهر كادت القوات الأمريكية أن تلقي القبض علي الزرقاوي في حادثين منفصلين متشابهين تقريبا، بحسب مصادر مقربة جدا من الزرقاوي. الأول في الموصل والثاني في حديثة، وفي كلتا المرتين تدخل القوات الأمريكية المنزل الذي كان يوجد فيه الزرقاوي (دون علم بحسب المصادر) ويخرج هو من الخلف أثناء عمليات التفتيش المفاجئة. أما في احدي المرات التي يعدها محبو الزرقاوي من كراماته، في العام الماضي وعندما كان الزرقاوي في سيارة داخل مدينة الرمادي وفي شارع عشرين بالتحديد نصبت القوات الأمريكية بشكل مفاجئ نقطة تفتيش، ولم يتفطن سائق سيارة الزرقاوي للأمر حتي أصبح بين دبابتين أمريكيتين وكان لا مفر، ووقتها كانت صور الزرقاوي معروفة بعد أن نشرت القوات الأمريكية الصور التي عثرت عليها، في تلك اللحظات فكر الزرقاوي بمهاجمة الجنود الأمريكيين بالرشاش الذي كان معه، الا أن الرأي استقر مع من كان معه علي المرور بنقطة التفتيش بشكل طبيعي، غير أن نقطة التفتيش وقبل أن يصل اليها الزرقاوي فتحت الطريق وغادرت المكان.

وتماشيا مع شدة الطلب عليه اتبع الزرقاوي تكتيكا في الحركة يجعله غير مستقر في مكان واحد لفترة طويلة، وهو ما يتيح له أيضا التواصل مع قادة مناطق العراق المختلفة ممن يدينون بالولاء لتنظيم القاعدة.

ونتيجة لتحركه المستمر وأخذا بالحيطة والحذر كان الزرقاوي يتحرك دون أن يطلع أحدا علي تحركاته، حتي أقرب المقربين باستثناء مفتي التنظيم (سعودي الجنسية) ونائبه العراقي. وكان يحظي بنظام خاص من الحماية. حيث يتكون فريق حمايته من ثمانية أشخاص، واحد فقط يجالسه في تحركه ـ وربما يكون واحد ممن قتلوا معه ـ والسبعة الآخرون يؤمنون المكان الذي يتواجد فيه (قالت القاعدة في بيانها بعد مقتل الزرقاوي ان أحد حراسه قد هرع الي المنزل بعد الغارة الأمريكية وحاول مساعدة الزرقاوي الذي كان وقتها علي قيد الحياة وحركه مسافة عشرة أمتار خارج المنزل المدمر لكنه غادر المكان ربما مع وصول الأهالي ويأسا من محاولة انقاذه). فريق الحماية هذا مهمته تبدأ وتنتهي في فترة لا تتجاوز الشهر كأقصي حد، ثم يتولي فريق آخر مهمة الحماية بعد تدربه لمدة شهر كامل لهذه المهمة.

أما قصة مقتل الزرقاوي فهي علي الأرجح كانت واحدة من الحوادث التي كانت يمر بها الزرقاوي في أماكن مختلفة، لكنها هذه المرة لم تتجاوزه مثل كل مرة، وهو الأمر الذي رجحه تنظيم القاعدة نفسه، وحتي الأمريكيون أنفسهم قالوا انهم كانوا يلاحقون نائب الزرقاوي عبدالرحمن العراقي ـ الذي قتل معه ـ لا الزرقاوي، اضافة الي أن الجيش الأمريكي استهدف في تلك الليلة أكثر من عشرين هدفا في بعقوبة ومحيطها. لكن المؤكد أن الزرقاوي وصل الي هبهب قبل عدة أيام فقط، فبحسب سكان تلك المنطقة ان صاحب ذلك البستان الذي قتل فيه الزرقاوي كان قد باعه قبل أسبوعين فقط من يوم مقتل الزرقاوي الي شخص من أهل بغداد يدعي أبو عمر. وهنا نقف أمام التهويل الكبير الذي قدمه الأمريكيون عن المعلومات والمتابعات التي قادتهم الي استهداف الزرقاوي ليبقي السؤال مطروحا وبقوة هل كان فعلا لدي الأمريكيين معلومات استخباراتية قادتهم الي مكان الزرقاوي أم أن القصف كان محض صدفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية