رواية المكان انتهت إلا لدي الكتاب الذين يسعون الي الترجمة والمتغير الثقافي العالمي فرض وعيا جديدا في الكتابة الروائية

حجم الخط
0

رواية المكان انتهت إلا لدي الكتاب الذين يسعون الي الترجمة والمتغير الثقافي العالمي فرض وعيا جديدا في الكتابة الروائية

المشهد الروائي الجديد في مصر: غالاخيرةفرواية المكان انتهت إلا لدي الكتاب الذين يسعون الي الترجمة والمتغير الثقافي العالمي فرض وعيا جديدا في الكتابة الروائيةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني:أتمني رفع الوصايةعن الكتابةصفاء عبد المنعم في البداية كنت ابحث داخل الرواية عن مفاهيم جديدة للعدل والخير والحقيقة والهوية. كنت خارجة من قراءات لا نهائية لنصوص مستقرة وجيدة.نصوص كتبت في اطار الشمولية والتفسيرات الجاهزة، عن العالم والذات والموضوعية.. كانت تطمح للحرية والتقدم.ولكن (الآن) وبعد مرور ما لا يقل عن عشرين عاما من الكتابة وعدد من الروايات، اكتشفت اثناء كتاباتي انني ابحث عن شيء (آخر) ولا ينتمي للسابق. وانه لا يوجد ثبات دائم، وكل شيء متنوع وغير مستقر وغير حتمي. لا توجد طبقة ادافع عنها وعن مصالحها، ولا ثقافة واحدة وهي الأفضل! ولكنّ هناك ثقافات، هناك آخرين (مختلقين في الثقافة والبيئة والجغرافيا والتاريخ).هنا (أنا) باحثة وغير مستقرة، وهناك (آخرون) يبحثون وغير مستقرين، وأنا وهم في حراك دائم التغير والتجديد.فمن خلال هذه المفاهيم تفتحت رؤاي علي عالم واسع وعميق (الذاكرة، الماضي، التاريخ، اللغات، الشعوب) اصبحت المصادر متجددة ومختلفة ولا اهتم بالاجابات الجاهزة والتي صيغت من قبل اناس مستقرين.ولكن، هناك احساس ما هارب لا اعرفه، وكلما احاول القبض عليه، ازداد مراوغة، شيء ناقص وخفي، غامض، غموض النفس، شفاف شفافية الروح، شيء لا هو الحب، ولا الطعام، ولا الموت.شيء كلما فتحت بابا تجاهه، اغلقت ملايين الابواب! يشبه المتاهة والغربة. غريب في بلد لا يعرف لغة اهلها.يشبه احساس (غريغوري) و(العجوز والبحر شيء اقوي من طيران (رمديوس الجميلة) (، وألمع من اسماك (اورنيالو). شيء إلهي، يشبه العفو والسمو والتسامي. خليط من الادخنة والعذاب والضمير. يشبه صرخة طفل في الظلام يبحث عن امه، شيء ضائع ومفقود. (ليس الفردوس) ولكن يشبه فنجان الشاي صباحا في يد (هند) بنت جعفر النوبي وهي تتأمل النيل، والبنت والصياد والقارب.. وهي تجدف بيدين قويتين تصارع الموج. الكتابة عندي احساس يشبه وخز الابرة في ذراعي لحظة اخذ العينة للتحليل والدموع تنزل منهمرة من عيني والممرضة تسحب الدم في هدوء وبطء، ولا احد الي جواري يربت علي ظهري بيد طيبة.الكتابة هي التي نلقيها في الدرج لسنوات طويلة ثم نعود اليها، نكتشف انها لا تشبه شيئاً، لأن لا أحد يهتم بالمشاعر الانسانية.الرواية نص كبير لا ينتهي، وكلما انتهيت من عمل، فتح عمل آخر، وفي النهاية اكتشف ان جميعها نص كبيرفي فلك اكبر لحياة غير مكتملة.وبعد هذا المدخل الرومانسي لاحساسي بأهمية الكتابة (الباحثة) عن شكل مغاير لما هو مستقر وثابت، ظهرت بعض الكتابات التي نهجت هذا المنهج. وأنا لا استطيع رصد كل الظواهر المطروحة ولكن سأحاول من خلال تجربتي التعبير عن المماثلين لي.في بداية التسعينات ظهر ما يعرف بمسمي الحداثة، وما بعد الحداثة، وتجلت تلك الاوهام في كتابة ما سمي مجازا (كتابة الجسد). وهرول البعض المتسرع دون البحث والتدقيق وراء هذا المسمي وكانت نتيجة الثمار جاهزة، ولكن هناك من بحث داخل الجسد عن المعني الحقيقي والعميق لهذا المفهوم ومن خلال كتابات متوالية (تم طرح الجسد علي انه حامل لثقافة قهر طويلة) وهذا ما طرحته في رواية من حلاوة الروح ـ وريح السموم وقد طرحت ان الاستعمار بتاريخه الطويل لعب دورا في ترسيخ بعض المفاهيم الخاصة (نحن الأدني، العالم الثالث، ثقافة المقهور… الخ) وكانت طريقة الخطاب المتعالي الغربي الحامل (للمعرفة والسلطة) يمارس قوته بشدة علي المجتمع الفقير، ناسيا ان هذه المجتمعات حاملة لثقافة مختلفة ومغايرة لما يحمله، وربما يكون لها نفس القوة، ولكنها لا تملك ادوات القهر التي يملكها. ولقد طرح ادوارد سعيد هذا المفهوم بشكل جلي وواضح في كتابه الاستشراق وأنا لا انكر ان هناك بعض الكتابات النظرية ساهمت في تشكيل وجهة نظري، لأنها كتابات (باحثة) فنحن الاثنين نبحث.اذن الوعي بالعالم بالنسبة لي تغير من مركزية الغرب القوي الحامل للمعرفة، الي البحث عن مراكز متعددة، ربما تكون ذاتية، او شخصية.كما ساهمت بعض المفاهيم النسوية وخاصة نظرية النقد النسوي من ازاحة مركزية (الرجل) بما انه يمثل سلطة وقوة لأنه صاحب المعرفة، اذن (المتن) الثقافي وما يحمله من خطاب اصبح بالنسبة لي تحولا الي مادة مفككة قابلة للنقاش وليس التصديق.وهذا انعكس بشكل جديد علي الكتابات الآتية في رواية في الليل لما خلي و حكايات بجوار السلطان ، فازاحة بعض الاحجار الكريمة الراسخة والمتوارثة دون نقاش! كما في رواية السنة الطيبة ثم فتحها والتعليق عليها بمنطق اللامندهش، ولكن بمنطق (الوعي الضدي) او النقد الضدي.لقد اصبحت احمل وعيا مضادا لا يمتلك حقيقة كلية وجاهزة، لكنه وعي ينهض من ثبات المقهور (نفسيا وجسديا ومعرفيا وثقافيا)* الي وعي الناقد الذي يسأل لماذا أنت قوي؟ كما يسأل لماذا أنا ضعيف؟ما هي آليات قوتك التي تقهرني بها يا عارف يا عالم؟وما هي آليات ضعفي التي جعلتني استسلم واصدقك؟اذن الكتابة الحديثة، هي كتابة لا مركزية واحدة، ولكن هناك تعدد واسئلة وهامش ومتن.لا ثقافة مسيطرة (العولمة وخلافه) ولكن هناك ثقافات مختلفة وقوية وقابلة للنقاش والتعلم. لا توجد لغة افضل فهي التي تملك الحقيقة، ولكن ربما يكون هناك لغات كثيرة مندثرة او مهمشة لصالح ادعاء الأفضل بالمنطق الغربي الاستعماري، لذا عندما قررت كتابة رواية من حلاوة الروح كانت (العامية) هي اللغة المعبرة عن هذا العالم، لأنها هي وعاء فكر هذه الطبقة بشكل واع ومدرك.المستقبل.. ليس هناك اجابة جاهزة.. ولكن اطمح الي ان يصبح كل انسان كاتباً، له طريقته، له اسلوبه، اختلف معه، ولكن لا اقهره، اناقشه ويناقشني، له بصمته داخل الفوضي العارمة الآن. الرواية لن تقدم اجابة جاهزة لك وأنت مسترخ علي السرير تقرأ وتغمض عينيك ترسم صورة في الاحلام، لكنها سوف تحولك الي مستفز، تنهض، تبحث عن ورقة وقلم كي تكتب ما عندك.لن يكون هناك كتاب افضل من الناحية الاخلاقية، ولكن سوف يكون هناك ذوبان لجميع مثلثات التحريم، لأن الكتابة سوف تخلق اخلاقها الخاصة بها، سوف يصبح لكل كاتب ضميره (الشخصي) الذي يحركه ويدفعه.ومن بلا ضمير (سيسقط) ولن يلتفت اليه احد.أتمني رفع الوصاية من السادة المحنكين، الباحثين داخل الكلمات عن اخلاق الكاتب (الشخصية). الكتابة نص تذوب فيه (الثقافة والدين والعلم) والمجتمع الذي لا يملك ديناً، لا يصنع حضارة، ولكن الدين (الجوهر) الذائب داخل الموروث والثقافة المتعددة والتجارب الخطأ.تجربتي الشخصية، حينما اكتب اصبح انسانا جديدا مختلفا عني، أنا الانسان البيولوجي، ولكن هناك الانسان الثقافي بالمفهوم الجمعي لمعني الثقافة. وأتمني ان اكون عبرت عن وجهة نظري القابلة للتغير غدا.الكتابة لذة لكنها ليست بديل الحياةسيد الوكيل ولم يعد هناك ما يثير الدهشة فعلا، فنتيجة لهذا الافتضاح، اصبحت الحدود الفاصلة بين الثقافات المحلية مجرد وهم، وهي في منطقتنا اجراء شكلي في أحسن الاحوال، ولا سيما مع وجود كيان كبير وطاغ اسمه الثقافة العربية والاسلامية، بدليل ان كل الذين يكتبون رواية المكان، يتصورون انهم يقدمون خدمة للثقافة العربية ويقومون بعمل قومي جليل هو الحفاظ علي الهوية، ونتيجة لذلك فان اكثر كتّاب رواية المكان يدخلون دائرة ثقافية مغلقة، وتتحول رواياتهم الي روزنامات او سجلات يحفظون فيها معارف الأجداد عن المكان، هذه كتابة تدخل في نمط استهلاكي يتم تسويقها في الغرب مثلها مثل اغاني المعلم متقال في مسارح اوروبا، او رقصة بملابس فرعونية في افتتاح بطولة الأمم الافريقية لكرة القدم، هذه كتابة للتصدير ولا تختبر في محيط انتاجها، ولا تستطيع الاحتفاليات الاعلامية والجوائز مهما كانت قيمتها ان تعوض النص عن اختباره في واقعه الثقافي. كتّاب رواية المكان هم ورثة كتّاب القضايا القومية بطريقة ما، خذ مثلا، كتب ابراهيم فهمي عن النوبة قصصا منعمة بالشعرية، فهو لم ينشغل بالمكان بقدر ما استخلص روح المكان. لكن كاتبا مثل ادريس علي حول المكان الي قضية، وقد اغراه النجاح الذي حققه في رواية دنقلة الي ابتزاز المكان وابتزاز تعاطف النقاد.ان مفهومنا للمكان يتغير نتيجة لتغيير وعينا واحساسنا به. ذات مرة كنت اتابع انتخابات الرئاسة المصرية علي قناة الجزيرة ، فسألت نفسي ما معني ان اعرف تفاصيل الحياة المصرية من قطر؟ وفجأة شاهدت خبرا وصورة منقولة مباشرة من بني سويف، كان المسرح يحترق والنار تمسك بأجساد ناس اعرفهم، بعضهم اصدقائي، اعرفهم واعرف المكان جيدا، صرخت واصبت بهيستريا، لكن زوجتي نبهتني الي انه ليس بوسعي ان افعل شيئا وان لا أحد يسمع صراخي، احسست بالعجز والارتباك، ولم اعد علي يقين ان ما يحدث هو مجرد فيلم/صورة، أم حقيقة، موقف كهذا ان لم يغير وعيك بالواقع والمكان، فسنظل نكتب الروايات وكأننا نتبرز، أعني بميكانيكية مثيرة للقرف.كيف يظل للمكان نفس المعني في ذهن اطفال فلسطينيين يلعبون الكرة تحت اعين القناصة، او في ذهن رجل يضاجع زوجته واذناه منصتتان بخوف لهدير الدبابات والجرافات تحت شرفته؟ كيف يكون للمكان نفس المعني، عندما تكون في بيتك وعلي سريرك وبيدك كوب شاي وسيجارة وأنت تشاهد علي التلفزيون قصف بغداد لحظة بلحظة وكأنك تشاهد فيلما امريكيا؟هناك امران يجب ان نضعهما في الاعتبار عندما نتحدث عن الرواية الآن:اولا: ان الرواية افادت من الجدل الشكلاني الذي خاضته القصة القصيرة، طوال قرن مضي وعلي نحو خاص الجدل مع الانواع الأدبية، اذ قادت القصة القصيرة ثورة علي استقلالية النوع الأدبي، واثبتت امكانية التداخل مع مستويات مختلفة من الخطابات الأدبية والفنية، فالقصة القصيدة افادت من امكانات الشعر، وقصتا اللوحة والمشهد افادتا من امكانات التشكيل البصري والسينما، وغير ذلك كان هناك قصة الخاطرة والقصة المقالية و… الخ، ومن المهم ان ندرك ان هذه التأثيرات كانت متبادلة، بمعني ان القصة سربت ممكناتها الي انواع وفنون اخري، ونتيجة لهذا لدينا قصيدة النثر التي افادت من عنصري السرد والمفارقة وهما ملمحان قديمان واصيلان في القصة، والسينما التسجيلية الجديدة افادت من القصة القصيرة وكذلك المسرح الذي ادخل عنصر السرد ولم يعد عيبا الآن، بل ان المسرح الحركي يقوم عليه اساسا الي جانب التشكيل، لأن السرد في الحقيقة هو فن تشكيل الزمان، كما ان الحركة هي في تشكيل المكان وكلاهما مرتبط بالآخر. وبالطبع لا نستغرب ان القصة سربت ممكناتها الي الرواية، وهذا بديهي لأن الرواية فن سردي مثل القصة، ونتيجة لهذا، فان الرواية التي نكتبها الآن لا علاقة لها بالأصل النقدي الذي قامت عليه قديما، وما اختفاء مركزية الحدث، وتعدد الاصوات، وتحول السرد الي وحدات صغري، وكثافة حضور الذات الساردة في الرواية إلا من تسريبات وتأثيرات القصة علي الرواية، ومن ثم فان رواية مثل وردية ليل لابراهيم اصلان، او ضلع اعوج لنعمات البحيري او كلما رأيت بنتا لسعيد نوح او فوق الحياة قليلا لسيد الوكيل، وغيرهم كثير، هي تعبير وانعكاس لطاقة روائية جديدة جعلت الرواية ـ نفسها ـ فنا بينيا وليس خالصا لشكل الرواية المألوف، ومثل هذه الروايات اثارت جدلا حول نوعها ابان صدورها.ثانيا: الأمر الثاني، ان الرواية الجديدة عكست ذاكرة ثقافية جديدة فرضتها المتغيرات الثقافية العالمية، وما واكبها من روافد جديدة للمعرفة ابرزها الصورة، واذكر انني كتبت يوما شهادة تحت عنوان تجديد الذاكرة ونشرت في مجلة الكتابة الاخري ، لعلي تنبهت مبكرا الي ان ما كنا نسميه واقعا هو في الحقيقة صورة الواقع لأن الواقع لا ينتج عبر ذاكرة قرائية بقدر ما هو رهن بالخبرة والتجربة المعاشة، لهذا كان من الصعب ان نستمر في الكتابة عن نفس الواقع الذي كتبه محفوظ وادريس والطيب صالح وكل من سبقونا، فتجاربهم تحولت الي جزء من تراث ثقافتنا الأدبية، ونتيجة لتسارع عجلة الزمن، فان عمليات تحويل المنتج الثقافي الي تراث تتم بسرعة مذهلة، بحيث يتعين علي المثقف ان يبدأ في كل مرة من ذاكرة جديدة وإلا صار تراثيا ومتخلفا عن زمنه. وعندما تبدأ كل مرة من جديد فان مفهوم المشروع الأدبي يغيب عنك لأن فكرة المشروع تقوم علي التراكم والامتداد كما جسدتها اعمال محفوظ مثلا. ان تفتيت وتفكيك المشروعات والافكار الكبري جزء من ثقافتنا المعاصرة، بل هي أهم ملمح، وهو تعبير ظاهراتي لتفكك مركزية الذات، واصبح جزءا من مهمة الروائي الجديد حماية ذاته من البرد والاندياح، فالكتابة هكذا فعل مقاومة وتعزيز للوجود، ومن ثم فحضور معني الذات في الكتابة اصبح كثيفا مع مراعاة ان صورة الذات قد تغيرت، فلا يمكن ان تستمر تكتب عن الآخرين وكأنك معيارهم الوحيد وصاحب اليقين المعرفي، وفي المقابل عليك اختبار موضع ذاتك حتي لا تنتهي الي شيء من العزلة والبرد. لهذا اظن ان روايتي فوق الحياة قليلا كانت مراجعة لذاتي كمثقف، ومحاولة لفهمها وعكست مفهوما جديدا لمعني الذات في نفس الوقت الذي عبرت فيه عن ذاكرة جديدة.هناك أمر يتعلق باللغة، بعد ان فرضت الصورة سطوتها، وانتجت بلاغة تقوم علي المدركات الحسية، فحتي وقت قريب ـ قبل انتشار السينما ووسائط الاتصال الحديثة ـ كانت ثقافتنا شفهية لأن القراءة والكتابة تحيل العالم الي رموز ومعان أي مدركات ذهنية، وتراث الثقافة العربية استنفد كل طاقات البلاغة الذهنية، والغريب، اننا مع بداية الثمانينات، ظهرت اصوات تدعو الي توجيه هذه البلاغة الي السرد القصصي، بدعوي التكثيف، وتشعير القص، واذكر ان الروائي ادوار خراط جعل اللغة الشعرية معيارا لجودة القصة واخذت مسميات مثل القصة القصيرة والكتابة عبر النوعية والحساسية الجديدة، لكن المشكلة ان فهمنا لهذه المسميات انحصر في النشاط اللغوي، وحمل الي القصة ـ مع انها فن اوروبي حديث ـ كل تراث البلاغة العربية، مثل هذه الدعوات كانت كافية للقضاء علي القصة بتفريغها من طاقة السرد، والسرد في تصوري هو فن تشكيل الزمن كما ان المسرح فن تشكيل المكان (الفراغ المسرحي)، والتصوير فن تشكيل المساحة وهكذا فعنصر التشكيل اساس في الفن، والبلاغة الذهنية لا تنتج تشكيلا، لكن، اذا كانت اللغة هي وسيلتنا الوحيدة للتعبير في القص، فليس أقل من ان نسعي الي تفعيل الطاقة الحسية فيها، والوصف المشهدي ورصد التفاصيل الصغيرة، وهي تقنيات تساعدنا في تفعيل الطاقة الحسية للغة، وظني ان القصة في مصر وصلت الي طريق مغلق نتيجة لانشغال الكتّاب باللغة، والاعتماد علي البلاغة الذهنية التي انبهر بها بعض كتّاب جيلنا (الثمانينات) وهو انبهار ناتج عن النجاح الذي حققته قصيدة السبعينات، والطريف انه في الوقت الذي كان فيه قصاصو الثمانينات يدخلون الحلقة المغلقة، كان الشعراء يخرجون منها، وما حدث ان شعراء قصيدة النثر انتبهوا للطاقة الحسية للغة وافادوا من تقنيات الوصف المشهدي ورصد التفاصيل الحية، فاللغة عندهم وسيط شفاف، ما اعنيه ان المبالغة في دور اللغة داخل القصة ضيق الأفق القصصي، والنتيجة ان القصة لم تعد مشبعة لطموح السارد الجديد، فكانت الرواية هي الحل، بمثابة افق اكثر رحابة ولكن كما قلت بعد ان تغيرت كثيرا بافادات من القصة نفسها، واذا كنت قد فعلت شيئا لذاتي، فهو حمايتها من الانسياق وراء هذه الدعوي. لقد دفعت ثمنا فادحا لذلك، وتم عزلي لسنوات لأنني لم أركب الموجة، ولكني كنت ابحث لنفسي عن علاقة جديدة مع القصة تقوم علي احترام اكبر للسرد، لقد استغرق مني هذا وقتا وجهدا في دراسة السرد ونظرياته، وحققت مجموعاتي القصصية نجاحا كبيرا في هذا الصدد، واحتوت هذه المجموعة قصصا مشبعة بقوة رواية، نتيجة لتركيزي علي الوصف المشهدي، واتخاذ التكثيف الدلالي بدلا من التكثيف اللغوي، وهذه كلها افادات من فن السينما الذي عشقته ودرسته بجدية، وعندما كتبت روايتي فوق الحياة قليلا ، كنت واعيا بضرورة الافادة من تقنيات القص، وذلك بتحريك وحدات سردية صغري علي الزمن بطريقة اقرب الي المونتاج، كما تنبهت الي شعريات اخري من غير اللغة، مثل شعرية المشهد او الحدث او التشكيل.الكاتب الذي يحرم نفسه من الاشتباك مع الزخم المعرفي الذي يميز العالم المعاصر، سيظل يكتب نصا فقيرا وحيد الخلية، فهذا الاشتباك هو الذي يمنحنا فرصة لاكتشاف ذواتنا ومن ثم ترشيد وعينا بالعالم، سأضرب مثلا: هناك احتفال ومباركة لما يسمي برواية المكان، غير ان اكثرها ساذج بالفعل، لأن المكان يفهم علي انه حيز جغرافي يفرض انماطا من العادات والممارسات الدالة عليه، ومن ثم يصبح كد كتّاب رواية المكان هو اغراقنا في تفاصيل مملة عن العادات والتقاليد وهو يتصور انه يدهشنا لمجرد انه يعيش في الصعيد مثلا او الريف، وهو لا يدري ان العالم اصبح مفضوحا ومكشوفا بفضل الميديا الجديدة. ما اظنه ان المكان ليس وطنا للجسد، بل هو وطن للذات، والذات الحديثة في حالة اشتباك معقد مع العالم، والكتابة هي تفعيل لعلاقة الذات بالعالم، وبهذا المعني يمكن اعتبار النص صورة من صور المكان بالنسبة للذات الساردة. معني هذا ان الكتابة ليست نصا عن (المكان او الجسد او غيره) وليست نصا او رسالة لـ(الأمة والمجتمع او غيره)، فقط هي طريقة لاختبار علاقتك بالعالم، لتأكيد عضويتك وانتسابك له، هكذا تصبح الكتابة فعل حياة، ومقاومة للانسحاب والموت.في الكتابة لذة، واللذة هي الشعور المتولد عند اعادة شحن ذاتك بطاقة الحياة، لكن الكتابة لا تعوضني عن الحياة، ولا تعزلني عنها، بل تزيدني تورطا فيها، فالكتابة نتاج تأثيرات متبادلة وتفاعل، فمثلا، بعد ان قرأت ميلان كونديرا و باتريك زوسكند و سارماجو وغيرهم، واشتبكت خبراتهم بخبراتي الخاصة كتبت روايتي فوق الحياة قليلا ، وفيها تحررت من سطوة النوع تماما، فاحتوت الي جانب السرد خطابات اخري مثل التحليل النفسي والفلسفي، والنقدي الثقافي، وعندما اخترت حيوات المثقفين لتكون موضوعا للرواية، كنت ـ في الحقيقة ـ اعيد اكتشاف ذاتي كمثقف وامارس عليها نوعا من الفضح والسخرية بهدف تطهيرها واختبار علاقتها بالعالم. بعدما انتهيت من هذه الرواية احسست بأنني تحررت من كثير من اوهام المثقفين والثقافة، فالمثقفون في روايتي يتحركون في عالم ضيق جدا، فهو جغرافيا لا يتجاوز ميدان طلعت حرب، حيث مكتبة مدبولي وأتيليه القاهرة ومقهي ريش ومقهي زهرة البستان ، وعلي مستوي الذات وجدتهم كائنات مونولوجية، تعيش في اقفاص صنعوها لأنفسهم، من بين هذه الاقفاص توهم انهم كائنات تعيش فوق الحياة قليلا.ازعم ان روايتي لم تقرأ نقديا بقدر كاف، وهذا متوقع في ظل ممارسات نمطية للنقد، كما انها احدثت صدمة للبعض، فالأديب الكبير ابراهيم عبد المجيد الذي كان مدير تحرير سلسلة (كتابات جديدة) وقتها، رفض نشر الرواية في السلسلة، ونصحني ـ مشكورا ـ بأن الرواية اكبر من سني، ومع ذلك فقد احدثت الرواية تأثيرا جيدا في كثير من المبدعين، وظهر صداها في كتاباتهم فيما بعد، لكن القليلين هم الذين انتبهوا لذلك، لأن قراءتنا للمشهد الأدبي جزئية ومنقوصة وهذا موضوع آخر.جنرالات الثقافةوالتعويم المقصودعبد النبي فرج اذا كان الرعيل المؤسس للسرد الروائي والقصصي صاحب انجاز لافت، واستطاع زراعة هذا الفن واكسابه شرعية قوية بجوار الفنون الاخري من شعر ومسرح وسينما، فالجيل التالي استطاع ان يدفع بهذا الفن الي مناطق جديدة، وينجز روايات وقصصا قصيرة شديدة التميز وتمثل اضافة حقيقية للتراث الروائي سواء كان هذا الانجاز في الشكل او المضمون. وقد جمع هذه الكوكبة ما عرف بظاهرة جيل الستينات حيث لجأ البعض الي التراث العربي مثل سعد مكاوي وجمال الغيطاني او الاستفادة من المنجز العالمي في تشييد عالمه القصصي مثل صنع الله ابراهيم، ابراهيم اصلان، محمد البساطي، محمد ابراهيم مبروك، احمد الشيخ، خيري شلبي، علاء الديب، بهاء طاهر، ادوار الخراط، وبدر الديب. لكن بعد هذه البداية المبكرة المتميزة حدث نوع من الجمود لهذه التيارات ما عدا التيارات التي تم تهميشها في فترة الستينات والتي ازدهرت في الثمانينات، ويمكن تمثيلهم في اعمال الطيب صالح، يحيي الطاهر عبد الله، محمد مستجاب، محمد حافظ رجب، خيري شلبي. المهم ان هذا التيار الذي كان متنا اساسيا للسرد اصابه زهو النجاح حيث تم الاحتفاء به احتفاء عظيما. وبدا لهم ان هذا النموذج هو الوصفة المضمونة للنجاح (وهذا ما جري مع جيل التسعينيات) وخلق لديهم يقينا في ذلك النموذج، فتم انشاء النموذج المطروح علي الساحة وتحولت الكتابة ـ في مراحلها الوسطي والاخيرة ـ الي سمات يمكن اجمالها في البناء الكاتدرائي الزائف، الذي خلق حصونا وقلاعا يسعي الكاتب من خلالها الي الكمال الشكلي، وعندما يخضع هذا البناء للنظر النقدي يبدو اجوف وفارغا ومتهالكا، كذلك تبدو الشخصية هي المركز المهيمن لا سيما عندما يتحول السرد الي حدة هذه الشخصية مقابل تهميش كل الشخوص لصالحها وتحول السرد الي ركام لكي يقضي علي الفجوات والاعطاب التي تتخلل نسيجه، أما اللغة فهي احادية نقية لا تسمح بتعدد الاصوات بطبيعتها الانشائية والبلاغية ويبدو الزمن سكونيا متعاليا، لذلك كان جيل الستينيات احد عوامل انحراف القراء عن القراءة ويبدو ذلك في احصائية توزيع اعمالهم في الهيئة المصرية العامة للكتاب رغم تدني اسعار هذه المؤلفات . ثم زاد الطين بلة ظهور جيل السبعينيات احد ذيول جيل الستينيات ، ثم بدأ ينفرط هذا العقد غير المقدس مع صعود جيل الثمانينيات: أما الجيل الذي أنتمي اليه فلم اسمع او اقرأ شهادة لكاتب منه تجرأ فيها علي القول ان كتابته تمثل قطيعة جذرية وراديكالية إلا علي المستوي الكوني في مسرح العبث، وقد نجح مرحليا لأسباب اجتماعية وسياسية، وثقافية وجيهة، لكن اذا كانت هناك نماذج مختلفة عن الرواية الستينية فهذه قضية مفهومة ومقبولة ويمكن الكلام حول تلك الكتابة والاختلاف عليها وحواليها وهناك مقولة لفرجينيا وولف تؤكد علي ان الكاتب لا بد ان يتحلي بقدر من الشجاعة يمكنه من ان يقرر ان هذا الشيء لم يعد يهمـــه بقدر ما يهمه ذاك. وما دمــــت انا من هذا الجيل المشار اليه علي الاقل بحكم السن، فواجبي هو ان اعلن اختلافي المتمثل في ضرب المركز وتفتيت الشخـــــصية المركزية وتفكيك البناء الي بناءات قد تكـــــون مشتتة ولذلك استعدت تقنية الفيـديو كليب والمونتاج السينمائي، وهذا أدي الي تعدد الاصوات وخلق فجوات اتركها لأنني لا اسعي الي الكمال، وقد بدا لي النقصان في ضرب فكرة الراوي المهيمن، وخلق لغة هجين تمتح من العامية والفصحي واللغة الشفاهية، وادماج القصة القصيرة والشعر في السرد وغيرها.والسؤال الذي اتحدث عنه هو واحد من الاشكال الجديدة في الكتابة، وهل يقف علي هذه الارضية احد.. خاصة ان المشهد الابداعي غائم وضبابي وقد اقول شائكاً ويصعب علي أي كاتب او ناقد فرز المطروح علي الساحة، لذلك تُشار تلك القضية كل آن، والذي ساعد علي هذا الغموض قبضايات الثقافة وفاسدو الذمم وعديمو الشرف والضمير، مثقفون بالفعل ولكن تحت الطلب واستطاعوا بطرق مختلفة اما السيطرة علي المثقف وادراجه في الحظيرة او حصار المثقف المستقل وعزله ونفيه وكأنه غير موجود عن طريق وزارة الثقافة بهيئاتها، المجلس الاعلي للثقافة، التفرغ، القراءة للجميع، قصور الثقافة، السفر للخارج، الجوائز.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية