رمزية الأَعلام: إزدواج الولاء بروح رياضية

حجم الخط
0

رمزية الأَعلام: إزدواج الولاء بروح رياضية

د. الصادق الفقيهرمزية الأَعلام: إزدواج الولاء بروح رياضية توجد ما بين الرياضة والإختلاف أواصر قربي واشجة، ورمزية دلالية فاحصة للعلاقات، وفسحة فرجة متوترة، مشدودة الأوداج تستدعي التشجيع والتشنج والمشاجرة في آن معاً. إنها روح الرياضة التي تجوز الصراع بلوغاً لهدف الإنتصار، ولا تحيد عن الرضي لو راكمت النتيجة حقيقة الهزيمة. والروح الرياضية التي نتعلل باسترضاء القناعة فيها هي أس هذه المعادلة الرفيعة من تجاوزات الأخلاق النافية للإتفاق. وقد يكون الأمر هيناً لو رد معني المنافسة الي معني الإختلاف المشروع بشروط الإجتهاد في مآلاته، ولكنه يكون صعباً حين يرد معني الاختلاف المستقبح إلي فحوي الروح الرياضية المتسامي السمح. فلقد أعطي التداول الدلالي لكلمة رياضة بعداً أقل نفوراً مما أعطي لكلمة منافسة، التي خصصت لما هو أكثر عسراً، لأنها تؤشر بالضرورة علي حالة الصراع. ولكن جماليات المنافسات الرياضية، في مستوي مباريات كأس العالم خاصة، تولد شعوراً بهيجاً بالرضي لدي المشاهدين، رغم التحيزات الأصيلة والعارضة. وهذه هي طبيعة المشاهدة، التي لا تقبل من المشاهد، إن لم يكن مؤيداً أصيلاً لأحد الفريقين، أن يكون محايداً في تمتعه بتداعيات الحركة الفاعلة للمباراة، دون أن يقرر الإنتماء سريعاً لأحدهما. والإنتماء العارض يتعلق بمدخل الإعجاب اللحظي بمن تؤهلة البداية للسيطرة الميدانية، رغم أن فورة البداية تخذلها النتيجة أحياناً.ولمن يعرفون موقفي الشخصي، من متابعة مباريات كرة القدم، سيستبعدون مباشرة وجود مواقف تأييد أصيلة، أو حالة اقتحام عصبيات وتحيزات عارضة لأي من الفرق، التي يكتظ بها جدول المنافسات. إذ لا مجال للتعصب عندي لما ظل في عمق إعتقادي أن لا جدوي حقيقية منه، ولكن الذي لفت إنتباهي في إعدادات منافسات هذا العام، كثرة الأَعَلام في العاصمة البريطانية لندن، التي ازدانت بها المحال التجارية، وتوشحت بها المنازل، ورفرفت علي الصواري، وصارت مظهر تعريف للسيارات وتمييز لانتماءات سائقيها وتوزيعات ولائهم القطري والقومي. ولا بد أن في بريطانيا، المهمومة بقضايا اللجوء وفاعلية مناهج وخطوات الاندماج، من استدرك هذا الأمر الماثل في كثافة الأَعَلام، التي تزدحم بالألوان والدلالات الثقافية، والتحيزات القطرية، والعصبيات القومية، ولو تأدبت بالقسط، أحياناً، وأظهرت ازدواجية الولاء بين مسقط الرأس وبلد الإقامة. فكثيرون فعلوا ذلك بأن علقوا للعيان عَلَمين يرمزان لهذه الإزدواجية. ولكن الذي أثار انتباه كثيرين هو الإختفاء الكامل للعلم البريطاني بصلبانه المترادفة وحلول علم فريق انكلترا مكانه، وربما في هذا سانحة أولي لبعض الناس، الذين لم تتح لهم من قبل معلومة أنه كان لكل جزء من أجزاء المملكة المتحدة علم خاص به، يتوسطه صليب كبير في رقعة قماش بيضاء، وقد ركبت فوق بعضها، بعد جدل ومساومات، لتعطي صورة علم بريطانيا، الذي لم يدخل بتمام صلبانه منافسة كأس العالم الحاضرة. وقد يبرز جدل سياسي حول مزدوجي الجنسية، نتيجة لتبنيهم فرق بلدانهم الأصلية، أو الهتاف والتصفيق لصالحها حتي وهي تقف ضد انكلترا، كما حدث في حالة ترينيداد وتوباغو، وما يمكن أن يقع في مواجهات الفريق الانكليزي لفرق أخري ينعم مواطنوها بجنسية بريطانية، تخول لهم إزدواج الولاء أو الثبات علي أحد ركنيه. والولاء والانتماء مفاهيم سياسية تخضعها الأحداث لقولبات تحدد الموجب في تصنيفاتها والسالب في تصريفاتها، بقيم تضطرب فيها المعادلات، وبحيث لا يستطيع قاض أن يبني أحكامه علي وجه الحقيقة فيها، رغم افتراض أنه يلتزم بقواعد قانونية تجوز المعايرة السياسية. فالولاء رابطة بين الفرد والدولة يرتب لمن يفي بحقوقه صفة الإنتماء، وليس من المعقول اتهام شخص بانعدام الولاء أو ضعفه لمجرد أنه عبر عن عاطفة تشجيع فريق تجمعه به واسطة وجدانية أو رفع علم بلد يمثــــله الفـــريق، إذ الأصل في الإنتماء الحرية، وقياساً علي هذا الأصل يجـــوز التعبــــير عن التداعيات الوجدانية بما فيها رفع الأعلام، ولو تطرفت النزعات المبتهجة إلي حد رفع علم إسرائيل، من لاعب فريق غاني، في لحظة فوز غانا التي اصطف لتأييدها العرب والمسلمون وكل دول الجنوب، منازلة للشمال ممثلاً في دولة التشيك الأوروبية.وربما لا يتيسر لنا أن نعرف نظاماً لا يجري قياساً لمستوي الولاء بمقدار الإلتفاف حول العلم الوطني. فكل النظم تجري نوعاً من الفحص علي درجة الإنتماء تعطي به إثباتاً علي نجاح ولاء المنتسبين إليها. وإذا كانت الدولة أكثر المؤسسات جهراً في ما تقوم به من حشد طاقات الولاء لها، وترميز هذا الولاء بعلامات تعريفية يقف علي رأسها العَلَم، إلا ان المؤسسات السياسية والاجتماعية المدنية الأخري لا تقل عنها حماسة في ذلك، إذ تعمد كل منها، وعلي طريقتها الخاصة، إلي خلق رموز تعبئ الإنتماء لتبلغ به مرحلة الولاء. غير أن الدولة يقف معها الدستور والقانون وضرورات التوحيد فيما تفعل، لهذا، يعلو عَلَمها فوق كل الأَعلام، وتتقدم رمزيتها علي كل الرمزيات الفاعلة تحتها.وإذا كان هذا من أمر بريطانيا، في أيام فرحتها بانتصارات فريقها في منافسات كأس العالم، فما بال بلاد يتشتت فيها الولاء جهرة علي مدار الحقب، ويتبعثر الإنتماء عند كل سانحة، وتتكاثر الأَعلام بغير إجماع علي سيادة رمزية واحد منها، يمثل الدولة ويعلو علي غيره من أَعلام الأحزاب وشارات الحركات السياسية. إن لنا في السودان فوضي من الأعلام ليست موقوتة بمباريات كأس العالم، وإنما هي حالة تعبير دائم عن رفض الإجماع، لأن عَلَم كل فريق حزبي، وليس رياضي، هو عَلَم الدولة التي يريد ورمزية السيادة التي يبتغي. فالحزب، مثلاً، هو في حالة امتحان دائم لولاء أفراده بتجديد تعاقدهم مع رمز الحزب وليس الدولة، لأن الدولة هي الحكومة الهدف، التي لن تنال رضي الإلتزام إلا بعد النيل منها. فعَلَم الحزب هو مشروع عَلَم الدولة عندما يتم التمكن منها. وهذا بلا جدال خطأ في التقدير قاتل، يهزم هدف الوحدة، غير أن ما تقوم به الدولة من دواعي ضبط احترام رموزها لم يتحول بعد إلي شواهد جامعة لحقائق الإنتماء، لأن ما يجري الإلزام به فيها ليس دائماً من القرارات التي يمكن إلتماس الاجماع فيها. وفي حالة الأحزاب والحركات، فإن المجتمع نادراً ما يتدخل في طرائقها وأهدافها، وإن زحفت بعَلَمها علي مقادير الأمر فيها.بيد أن الدولة هي المؤسسة التي يقع عليها عبء تنظيم مشاركة المجتمع في التواضع علي اختيار رموزه، وعلي احترام هذه الرموز سيتوقف مصير ولاء الأفراد وحدود انتمائهم. لا بل ان ثمة ادعاءات متزايدة اليوم بأن الدولة هي المسؤولة عن تقرير واجبات الأفراد كما عن الوفاء بحقوقهم. وللعَلم مكانة لا يجب التقليل منــــها أو الاستهانة بها، لأن هذه المكانة ليست وليدة لعصر حكومة بعيـــنها، يرفرف العلم علي محافل السيادة فيها، بل هي كذلك عبر العصور، ويجب أن تكون كذلك عند من يتأهلون بالصبر للحكم تحت راية ذات العلم، فهو رمز لهوية الدولة يلتف حوله الشعب في أوقات المحن وحلكة الأزمات. ولهذا، نحتاج من عقلاء الوطن، أحزاباً وحركات وتنظيمات، إلي وقفة صادقة مع النفس تعلي العام علي الخاص، ومراجعة تقديراتهم من رمز يوحد وعلم يرمز للجميع ويصف الاجماع. وأن نرتفع إلي مستوي التحدي باقتحام جرئ لمرجعياتنا الخاصة لاستجلاء عناصر الوحدة فيها، والتخلي عن مماحكات السياسة، ومهاترات الخصومة، والوحل في قضايا جانبية، أو الغرق في قضايا خلافية، أو الإنشغال بتصفيات شخصية، علي حساب الوطن وهويته واستقراره. ولنتفق علي رمزية علم واحد يمثل السيادة المطلقة للدولة السودانية، ولنؤيد من بعد من نشاء من الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية صعوداً لتأكيد الإنتماء والولاء للوطن، وأن نشجع من الفرق الرياضية من نتحيز لحسن أدائه… من الهلال حتي المريخ، ومن غانا حتي البرازيل. فهوس التصفيق للعبة الحلوة ، في كأس العالم وغيره، لا يكلف غير عبء اللحظة الماتعة.ہ كاتب من السودان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية