رحيل نبيل الهلالي: العنوان الذي لجأ له المظلومون
إكرام يوسفرحيل نبيل الهلالي: العنوان الذي لجأ له المظلومون يبدو أن حزيران/ يونيو ما زال مصرا علي أن يظل شهر الآلام بالنسبة لجيلنا .. ذلك الذي ذاق مرارة انكسار النفس للمرة الأولي مع هزيمة 1967 ـ والقلب بعد أخضر بكر ـ فها هو عظيم آخر يغادرنا في يوم أسود من أيام هذا الشهر.. الأستاذ أحمد نبيل الهلالي القديس طاهر القلب نبيل الروح صلب الإرادة قوي الأيمان بحق الشعوب في العدل والحرية وثائرا ضد ساسات التبعية والاستسلام للاستعمار والصهيونية.. ابن الطبقة الأرستقراطية المصرية الذي ولد وفي فمه ملعقة ذهب كما يقولون، الذي تولي والده نجيب باشا الهلالي رئاسة وزراء مصر مرتين في عهد الملكية. إلا أنه اختار بمحض إرادته وبوعيه الفكري وحسه الإنساني الراقي أن ينحاز إلي صفوف الفقراء، فكان مكتبه بوسط القاهرة ملجأ لكل مظلوم، وحصنا لكل صاحب رأي. حتي أولئك الذين اختلفوا معه فكريا ولم يتورعوا عن تكفيره، لم يجدوا عندما تعرضوا لمحنة الاعتقال محاميا بارعا صلبا يتطوع للدفاع عنهم دون مقابل أفضل من الأستاذ . فلا يوجد في مصر صاحب رأي أو صاحب قضية لا يعرف ذلك العنوان الشهير (5 شارع محمد صدقي بباب اللوق) الذي يلجأ إليه كل مظلوم دون أن يحمل هم الرسوم والأتعاب.. بل ان مكتبه كان أيضا مدرسة تربي فيها العديد من رجال القانون، فما يكاد شاب يتخرج من كلية الحقوق ويذهب إلي مكتبه طالبا التتلمذ علي يديه إلا ويلقاه الأستاذ مرحبا باذلا خبرته وعلمه لكل من يريد وبلا أي مقابل أيضا.. ورغم ما كان ذلك يكلفه من طاقة مادية أصبحت تفوق قدراته إلا أنه لم يتململ مرة ولم يشك حتي من تزيد البعض في استغلال كرمه وسماحته.. أذكر أنني فرحت جدا عندما سمعت من ابني المحامي المتخرج حديثا أنه وزملاء له كثيرين ينسخون مرافعات الأستاذ نبيل ويتبادلونها فيما بينهم ليستذكروها ويتعلموا منها، وكل من فاتته مرافعة لا يهدأ حتي يجدها ويضيفها إلي مكتبته. فاطمأن قلبي كثيرا ليس فقط لأنني عرفت أن ابني وضع قدميه علي بداية الطريق الصحيح كمحام ورجل أدرك أن للحياة معني آخر يتجاوز الطموحات الشخصية المزيفة والأطماع المتدنية الرخيصة، وإنما لأنني عرفت أيضا أن زملاءه الكثيرين يفعلون نفس الشيء. فازددت إيمانا بأن شبابنا الذي ظلمه البعض واتهمه ـ علي عمومه ـ بالسطحية والابتذال ما زال بين صفوفه من يحملون هم الوطن ويحلمون بتغييره إلي الأفضل. ذاق نبيل الهلالي مرارات الاعتقال والتعذيب، كما عرفته ساحات النضال من أجل العدل والحرية طوال ستة عقود منذ بدأ نضاله ضد الاحتلال والاستبداد إبان العصر الملكي وحتي قبل وفاته بأسبوعين عندما دخل المستشفي للمرة الأخيرة وسط هلع جميع محبيه وتلاميذه الذين كانوا جميعا يحاولون التهرب من شبح اليتم الذي بات يتهددهم. ولم تهدأ حركته دفاعا عما يعتقد وعن حرية الفكر والعقيدة (وهو عنوان أحد مؤلفاته الكثيرة) إلا عندما هدأت أنفاسه ثم توقفت ليرحل عنا يوم السبت الماضي تاركا في قلوب تلاميذه من رجال القانون ومن النشطاء السياسيين المدافعين عن العدل والحرية لوعة. ولم يكن جرح الحركة المصرية اندمل بعد علي فقد أحمد عبد الله رزة عالم الاجتماع السياسي وأحد رموز جيل الحركة الطلابية في السبعينيات من القرن الماضي في السادس من نفس الشهر وبعده بيوم رحيل يوسف درويش المحامي الوطني واليساري البارز وأحد رفاق نضال نبيل الهلالي خلال العهدين الملكي والجمهوري. فهل أصبح مكتوبا علينا أن نتجرع كأس أحزان هذا الشهر يوما بيوم.. نفس الشهر الذي يحمل ذكري عبد الحميد العليمي في الرابع منه وفي نفس اليوم وإن كان بعده بعشر سنوات صديقه وزميله شهاب سعد، وبعدهما بأيام تحل ذكري أروي صالح.. فهل تواعد جميع الأحبة علي أن يكثفوا أوجاعنا علي فقدهم في أيام متقاربة؟ حنانيك يا موت.. قلوبنا لم تعد تحتمل، فهي لم تقد من صخر.ہ كاتبة ومترجمة من مصر تقيم في الدوحة8