أكاديمي مغربي: عزوف المغاربة عن السياسة يحمل علي القلق وتجارب الماضي هي السبب

حجم الخط
0

الرباط ـ “القدس العربي” من الطاهر الطويل:

يري أكاديمي مغربي أن ظاهرة العزوف عن السياسة بالمغرب تحمل علي القلق والانشغال علي المستقبل القريب، وتهدد المجتمع في اللحمة التي تشد مكوناته الي بعضها البعض.

ويؤكد الدكتور سعيد بنسعيد العلوي أن ظاهرة العزوف عن الشأن العام، أو قلة الاهتمام به عبر المؤسسات السياسية وأشكال العمل الجماعي التي تشرع لها القوانين السياسية والأعراف الاجتماعية، هذه الظاهرة تؤدي الي انعكاسات سلبية، تكاد تكون فورية، علي الفكر والوعي الاجتماعي، ومن ثمة علي العمل والسلوك الاجتماعيين. وهي انعكاسات تكون في أول الأمر أقل جلاء.

ففي كتابه شروط المصالحة مع السياسة في المغرب الصادر ضمن منشورات الزمن يبحث الدكتور بنسعيد العلوي في ظاهرة العزوف عن الاهتمام بالشأن العام والعمل السياسي خاصة، لدي العديد من المواطنين المغاربة ولا سيما فئة الشباب.

ثم يقف عند المؤشرات التي يراها دلالات تؤكد دعواه في الحكم علي المجتمع المغربي العزوف عن العمل السياسي وقلة الاهتمام بالشأن العام، محددا اياها في أربعة مؤشرات: النسب المئوية المتدنية للمشاركة في الانتخابات، النسب المئوية الهزيلة للمشاركة في الحياة الفعلية، الجرائد اليومية والأسبوعية ووسائل الاتصال السمعي البصري الوطنية، العزوف الشبابي الواضح.

أما عن أسباب هذه الخصومة، فيقول الكاتب: يعزو الكثيرون واقع العزوف عن السياسة بالمغرب الي السنوات العسيرة التي عاشها المغرب خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ويذهبون الي أن التضييق الشديد علي الحريات العامة الذي شهدته تلك الحقبة، والتنكيل الذي لحق بشباب اليسار عامة وببعض فصائله خاصة، كان من شأنه أن يثني العزائم عن العمل السياسي ويسلم الي اليأس، نتيجة القمع والتعذيب.

ويضيف الي ذلك عاملين كبيرين متصلين بالسياق الدولي، يتمثل أولهما في ظهور نظام القيم الجديدة المرتبطة بالسوق وانهيار المعسكر الشيوعي، مشيرا الي أن هذا العامل حاضر وفاعل في الحياة الاجتماعية المغربية، ولكنه حاضر بتناقضات لا يعرفها ذلك العامل في دول الغرب الأوروبي وفي دول أمريكا اللاتينية وفي دول جنوب شرق آسيا وفي مناطق أخري مختلفة من آسيا وافريقيا جنوب الصحراء الكبري، تناقضات ترتبط بأسباب أخري يذكر منها: الارتفاع الكبير في نسبة الأمية، وضعف الدخل القومي الخام، وسيادة روابط اجتماعية نوعية، والحضور القوي للدين في المجتمع وفي الثقافة معا.

ويحدد العامل الثاني في ظهور وانتشار الحركات الاسلامية في العالم العربي، ويلاحظ أن هذا العامل الذي يشبهه بالزلزال، يكتسح الوعي اكتساحا يجد جذوره في بنية الشخصية ذاتها، ويستمد قوته من المكونات الثقافية العميقة. والنتيجة الأولي، الطبيعية والمباشرة لذلك ـ حسب المؤلف ـ هي أن عدة أنماط من السلوك والتعبير والتموقف كالرفض الاجتماعي والاحتجاج السياسي والاعتراض الأخلاقي والبحث عن سلم جديد من القيم والمعايير الطامحة الي التغيير وقلب الأوضاع السائدة تجد في الخطاب الديني الاسلامي ما يحمل علي الاستهواء ويغري بالاتباع في مستوي الوهم والخيال علي الأقل.

ويذهب الي أن الهم السياسي قد أخذ يسلك دروبا جديدة لم تكن مألوفة من قبل، دروب تختلف وتتنوع بين الاغراق في الروحانية والتجارب الصوفية ومجالس الذكر والمجاهدة (الطرقية والحركات المسالمة) وبين التأهب البيداغوجي والاستعداد الروحي لعمل يكون مشروعا حين تكتمل عناصره وأسبابه، وبين التعاطف الوجداني المحض واعتناق نوع من الثورية الرومانسية الاسلامية، رومانسية تذكيها أخبار هجمات ارهابية ترفع شعار الاسلام هنا أو هناك وتغذيها صور وأشرطة تلفزية تتناقلها الفضائيات لأسباب تجارية واستهلاكية وايديولوجية.

ويستدرك بالقول انه مهما يكن من أثر العاملين سالفي الذكر (انهيار المعسكر الاشتراكي وظهور قيم استهلاكية جديدة، وكذا انتشار الحركات الاسلامية)، فان الخصومة بين المجتمع المغربي والاهتمام السياسي تجد تفسيراتها الطبيعية والمباشرة في البنية الاجتماعية المغربية وما اتصل منها بالسياسة من جانب وبالثقافة من جانب آخر. ويوضح أن الأسباب تكمن في الأحزاب المغربية وبنياتها، مثلما يكون التماس جذورها العميقة في طبيعة النظام التعليمي، المسؤول الأول عن اعداد المواطن، وفي البنيات الأخري التي تشكل مادة المجتمع وتنسج العلاقات التي تكون بين مكوناته.

بعد ذلك، ينتقل الكاتب الي الحديث عن المصالحة مع السياسة، مصالحة تشترط ـ برأيه ـ امتلاك زاد كبير من الأمل في المستقبل وقدرة علي استكناه مبررات الرجاء والتفاؤل في واقع لا يحمل علي ذلك. ويسوق ثلاث قرائن يعتبرها مؤشرات لتحقق تلك المصالحة، وذلك علي النحو التالي:

ـ حركية المجتمع المدني ونشاطه الحيوي في المغرب، ذلك أن المجتمع المدني، منذ الأعوام الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي يشهد ازدهارا وتطورا قابلين للملاحظة العلمية، فمن الناحية العددية، هناك تنام متصل في احداث الجمعيات من أصناف متعددة.

ـ القانون المتعلق بالأحزاب الذي يعبّر ـ باعتقاد المؤلف ـ عن ارادة سياسية فعلية وعن خطوة تشريعية تتوافر لها أسباب الشرعية كاملة، تسعي الي اكساب العمل الحزبي في المغرب ضمانات فعلية من الشفافية في التدبير وضمانات تتصل بتوفير شروط الديمقراطية في التنظيمات الهيكلية للأحزاب.

ـ الدرس الذي خرج به المغاربة من التفجيرات الارهابية التي شهدتها الدار البيضاء في 16 أيار/ مايو 2003، والمتمثل في كون الجسد المغربي قوي وسليم، وأن قدرته علي المقاومة مذهلة وثقته في مؤسساته جلية وقابليته لرد الفعل والالتحام مدهشة للملاحظ وهي عند المواطنين تلقائية، كما يقول المؤلف.

ان الوقوف عند القرائن الثلاث المشار اليها لا يعني ـ حسب الدكتور سعيد بنسعيد العلوي ـ انتفاء قرائن أخري غيرها، فقد يكفي أن نوجه الحديث وجهة ردود الفعل التي أحدثتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حتي نتبين أن القول بالمصالحة مع السياسة ليس، في مغرب اليوم، قولا يصدر عن التفاؤل الساذج ولا حكما مصدره الوقوع في الخلط بين عالم الرغبات والأحلام وحقيقة الواقع الحي المتحرك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية