باريس ـ اف ب: يدشن الرئيس الفرنسي جاك شيراك الاحد نصبا تذكاريا للمقاتلين المسلمين في الحرب العالمية الاولي، في وسط ساحة معركة فردان (شرق)، تكريما للآف الجنود الذين اتوا من المغرب العربي وافريقيا السوداء ومدغشقر وقتلوا خلال تلك الحرب، دفاعا عن فرنسا.
وقد رغب المجلس الفرنسي الاعلي للذاكرة الاسلامية، في اقامة النصب الذي يبلغ ارتفاعه 25 مترا وعرضه 19 مترا، بعد 90 عاما علي معركة فردان (شباط/فبراير ـ كانون الاول/ديسمبر 1916) التي قتل فيها 300 الي 500 الف من الطرفين.
ومولت الحكومة الفرنسية تكاليف النصب التي بلغت 500 الف يورو. وتضم فردان ايضا نصبين مسيحي ويهودي.
وناهز اجمالي عدد الجنود المسلمين الـ600 الف من القناصة والخيالة والفرسان الذين توافدوا الي فرنسا للدفاع عن الوطن الام.
ولم يتوجهوا جميعا الي جبهات شامبانه والمارن والسوم، لكن وجودهم مع ثمانية ملايين ونصف مليون جندي قاتلوا تحت راية العلم الفرنسي، كان مثالا للدعم الحاسم الذي قدمته المستعمارات الفرنسية (12 مليون كلم مربع و60 مليون نسمة) في المجهود الحربي. كذلك توافد ما يقارب 120 الف رجل من المغرب العربي للعمل علي الطرق وفي مصانع الاسلحة، فشكلوا الموجة الاولي من الهجرة من بلدان المغرب العربي الي فرنسا.
وقال رئيس المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية وعميد مسجد باريس دليل ابو بكر ان الاسلام في فرنسا ولد في فردان.
واضاف لقد تجذر في سهول فردان ودومون وفلوري حيث دافع القناصة الجزائريون والتونسيون والسنغاليون والمغربيون عن فرنسا.
واضاف اليوم، وفيما الشبان الفرنسيون يتساءلون حول هويتهم، من المهم القول ان ذويهم شاركوا في الدفاع عن البلاد.
ويذكر المؤرخ والاستاذ الجامعي مارك ميشال الباحث في مركز دراسات العالم الافريقي في جامعة بروفانس (جنوب)، ان 293 الف جندي من اصول مغاربية (الجزائر والمغرب وتونس) قد جندوا خلال الحرب العالمية الاولي (1914 ـ 1918)، وان حوالي 50 الفا لم يرسلوا الي الجبهات.
وخلافا للاتهامات التي توجهها منذ الخمسينات الاوساط المناهضة للاستعمار وجبهة التحرير الوطني (الجزائر) ومفادها ان مقاتلي بلدان المغرب العربي استخدموا في الصفوف الامامية لعدم تعريض الفرنسيين للخطر، فان الخسائر (38 الف جندي من المغرب العربي قتلوا او فقدوا، ومنهم 23 الف جزائري) كانت ادني بكثير في النسب المئوية للخسائر في صفوف الفرنسيين، كما تفيد دراسات عدة استعان بها هذا المؤرخ المتخصص في الحرب العالمية الاولي وافريقيا. فعلي امتداد سنوات الحرب، بلغت النسب المئوية للخسائر في صفوف المشاة 21.5% في الوحدات الفرنسية الصرفة و18.5% لدي القناصة السنغاليين و14.1% في الوحدات المغربية.
ويبرر المؤرخ مارك ميشال هذه الارقام بان القوات الوافدة من بلدان المغرب العربي لم ترسل جميعا الي جبهات القتال، وعندما كانت ترسل، غالبا ما كانت تستبدل بافواج فرنسية.
وقال سيرج بارسلليني الاستاذ في معهد الدراسات السياسية في نانسي (شرق)، ان هذا التدشين يشهد علي التطور الراهن للمجتمع الفرنسي الذي يميل الي منح الجاليات مزيدا من المكانة والاهمية للدور الذي اضطلعت به في تاريخ فرنسا.
وكانت افواج القناصة المؤلفة من الجزائريين والسنغاليين تعاني في الواقع كثيرا من البرد والامراض كالسل والجناب والحمي الصفراء.
وبعد فترة تأقلم ورغم بعض الحالات الفردية برفض المشاركة في القتال، اثبتت هذه القوات شجاعتها.
ويعود الفضل الاكبر في استعادة قلعة دومون في تشرين الاول/اكتوبر 1916 لفوج المشاة الخامس (القناصة المغربيون)، وخلال الحرب العالمية الاولي، خسر هذا الفوج 10 الاف و952 عنصرا.
ولم يشارك الجنود الوافدون في اي حركات تمرد في 1917 بل طلب منهم ان يراقبوا بعض الافواج من الفرنسيين التي كانت القيادة الفرنسية العليا تعتبرها مشبوهة.
حتي ان القناصة الجزائريين الذين شاركوا في معركة الدردنيل، ابان الامبراطورية العثمانية، لم يلبوا الدعوات الي الفرار أو الي الجهاد ضد المسيحيين الذي شنته السلطات العثمانية.
لكن الجمهورية الفرنسية لم تف بالوعود التي قطعتها لهؤلاء المقاتلين الوافدين (منحهم الجنسية، ونفقات تبين انها ادني بكثير من تلك التي حصل عليها اخوة السلاح من الفرنسيين والتنمية الاقتصادية). واعاد النواب في 1920 العمل بقانون ادارة المستعمرين الذي كان علق في 1914 .