صالح كامل اشتري الترام وهرب من الاتجاه المعاكس

حجم الخط
0

سليم عزوز

أتعامل مع برنامج الاتجاه المعاكس بمبدأ (لا تتمنوا لقاء العدو، وأسالوا الله العافية، وإذا لقيتموه فاصبروا)، ذلك لان هذا البرنامج يلقي بمسؤولية كبيرة علي من يسوقه حظه لان يكون من ضيوفه، فهو فضلا عن انه حلبة لمصارعة الأفكار والآراء، فانه اشهر برنامج تلفزيوني ناطق بلغة الضاد، وهو يحوز علي اهتمام المشاهد العربي، وقد تختلف مع طريقة مقدمه فيصل القاسم في إدارة دفة الحوار، لكنك ستسلم قطعا بأن هذه الطريقة هي التي اثارت اهتمام المواطن العربي البسيط، الذي لم تكن السياسة مطروحة علي جدول أعماله، وكنا نظن ان البرامج السياسية تصيب المشاهدين بالملل، فجاء الاتجاه المعاكس ليؤكد بأن الأمر مرتبط بمن يقدم هذه النوعية من البرامج.

منذ ست سنوات استضافني البرنامج سالف الذكر، فحاولت الاعتذار، وعندما شاركت فيه وقفت علي حجم مشاهديه، فقد كان مثيرا بالنسبة لي ان أتلقي عشرات الاتصالات الهاتفية من (بلدياتي) في الصعيد الاقصي، الذي لم أكن اعلم ان (الاريال) العادي لالتقاط إرسال التلفزيون الأرضي، قد انتشر عندهم، لاكتشف ان الأطباق اللاقطة أصبحت موجودة علي أسطح معظم البيوت، وأصبح فيصل القاسم اشهر عندهم من وزير الإعلام المصري الرائد خالد الذكر صفوت الشريف، الذي كان بحكم منصبه وطلاته التلفزيونية، ملء السمع والبصر في ذلك الوقت. وكان البرنامج السياسي الآخر الذي نجح في جذب اهتمام الناس، هو برنامج رئيس التحرير للإعلامي المرموق حمدي قنديل، الذي أفسح له القوم المجال ليؤكدوا أنهم قادرون علي المنافسة، وان (الدهن في العتاقي) وان الريادة الإعلامية من حظنا ونصيبنا، ثم ما لبثوا ان ضاقوا به ذرعا، والغوا برنامجه، وطاردوه في قناة (دريم) الخاصة، الي أن طفش ـ مكرها ـ الي قناة (دبي). فزع من الدعوةفي الأسبوع الماضي كنت ضيفا علي برنامج لمدة ساعة ونصف الساعة في قناة المستقلة، وبعدها كنت ضيفا علي قناة الحرة، وقبلهما شاركت في برنامج بقناة النيل الثقافية، ومع هذا شعرت بحالة من الرهبة عندما دعيت للمشاركة في برنامج فيصل القاسم حول تشفير مباريات كأس العالم، لدرجة انني نسيت ان أرحب بالداعي، وأبادله مزاحا بمزاح، فقد فوجئت بأنني أصبحت جادا نفس جدية كونداليزا رايس وهي تقول: ان الإدارة الأمريكية، والشعب الأمريكي، والكونغرس، يشعرون بالقلق بسبب اعتقال المعارض المصري ايمن نور، والذي باعوه بعد ذلك!

هناك سبب اخر يجعل المرء يشعر بعبء المسؤولية، وهو ان هذا البرنامج هو الوحيد الذي يؤاخذ الأشاوس العرب مقدمه بكلام ضيوفه، حتي وان كان لا يتفق معهم فيما قالوه، وقد هب الإخوة الشيعة في العراق ذات مرة ضده، لان احد الضيوف تطاول عليهم، مع انه لا تزر وازرة وزر أخري، وكل إنسان معلق من عرقوبه، وأنا (جهجهوني)، الذي قلبي علي لساني، ولست بمضمون الرضا، فكيف أكون مضمون الغضب الذي تبعث عليه طبيعة البرنامج!

وحالتي هذه يعلمها أصدقائي، فبعد ان عثر علي زملائي الصحافيون المصريون في قطر، بعد عملية بحث وتنقيب في الفنادق، وكانوا يتصورون انني (تهت) في الدوحة، كانت نصيحة الصحافي عبد الكريم حشيش التي كررها أكثر من مرة، ان أضع في حسباني انني راجع إلي مصر، فلا (أثقل العيار)، وقد أحطته علما بأنني لم انس ذلك، واعلم ان قطر لارتفاع حرارة الجو فيها لا تصلح للجوء السياسي، حتي ولو كانت الإقامة في الفندق الذي نزلت فيه، وهو خارج المدينة، والذي تصورت انه قريب من حلايب وشلاتين، وكدت أتعامل كما لو كنت الزعيم المصري الراحل سعد باشا زغلول عندما نفاه الاحتلال لجزيرة سيلان، وأوشكت ان أقول هذا للمضيف، لولا ان عمدة المصريين في الدوحة والخبير بالشؤون القطرية الصحافي المصري العزب الطيب اخبرني انه أفضل فندق هنا، وعيبه انه بعيد عن المدينة. وحضرتنا يحب ان يكون وسط الناس، ولا تستهويني المنتجعات السياحية، ولهذا فإنني اقدر حجم التضحيات التي يبذلها الرئيس مبارك من اجلنا، وهو يقيم العام إلا قليلا في شرم الشيخ، ورأيي ان حجم التضحيات هنا اكبر، من الحرمان من المحمر، والمشمر، والمحشي بأصنافه، والحرمان من ان يشم سيادته رائحة طشة الملوخية، علي النحو الذي اورده رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم المصرية، في مقاله الأشهر!

التنكيد علي الفقراءوددت ان يكون مناظري احد المسؤولين من طرف الشركة المحتكرة لبث مباريات كأس العالم علي مستوي العالم، ليس لان الحلقة كانت ستكون اسخن، واعنف، لاسيما وانا شعاري في الحياة الدنيا قول الشاعر مقصوف الرقبة: ألا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا، ولكن لان وجود مسؤول من الشركة (سيجعل من لم يشتر يتفرج) حسب المثل المصري الدارج، وقد علمت ان طاقم برنامج الاتجاه المعاكس قد بذل جهودا مضنية من اجل ان يكون المناظر هو واحد من قبل (راديو وتلفزيون العرب)، لكن لم يفلح في ذلك، ربما لان الهروب جاء بناء علي نصائح أمنية، لان طريقة القوم في التعالي علي الخلائق، اذا تم إعلانها في برنامج يشاهده الملايين في العالم سيزيد من حجم الغضب ضد الشركة وصاحبها، وواضح انه أصبحت لهم علاقات أمنية متينة، وان حسهم الأمني بات عاليا، بحكم الاحتكاك المباشر برجال الأمن مؤخرا، لدرجة ان شرطة المصنفات الفنية في مصر تتحرك بحماس لم نعهده فيها، من اجل المحاصرة والقضاء علي احتيال المصريين في فك الاحتكار، والحاجة كما يقولون ام الاختراع، ولا أظن أنهم كانوا بحاجة الي فتوي من قبل بعض علماء الأزهر تقول بجواز سرقة السارق، وكل لبيب بالإشارة يفهم!

وحماس شرطة المصنفات الفنية هو الخالق الناطق حماس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ردع المتقاعسين عن أداء الصلاة، واذا كان هؤلاء يحركهم ايمان عميق بأن ما يفعلونه يقربهم الي الله زلفي، فان سر حماس هذه الشرطة في التنكيد علي المصريين لصالح التاجر صالح كامل، يجعل المتابع للوهلة الاولي يظن انهم يعملون ضمن قطاعه الأمني.

يقال ان الإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت ان يطلع عليه الناس، والقوم ليس عندهم ما يمكن ان يقولوه، وليس في مصلحتهم ان يجهروا بما جهروا به من قبل، من استهانة بالفقراء. وكانوا في البداية قد تلاعبوا بالألفاظ بالحديث عن الفرق بين الجالب والمحتكر باعتبار ان (راديو وتلفزيون العرب) لم يحتكر الخدمة، وانه فقط جلبها، واستعانوا بالشيخ عمرو خالد ليفتي مطالبا جماهير الأمة الإسلامية بألا يكسروا الشيفرة، ويشاهدوا كأس العالم عبر التلفزيونات الغربية، وإنما عليهم ان يشاهدوه ـ طبعا ـ بالاشتراك المغالي فيه عبر (الايه. ار. تي). والشيخ فتواه مجروحة هنا لأنه متعامل مع احدي قنوات الشيخ المحتكر للبث، وكنا نربأ به ألا يقحم نفسه في الوقوف مع من ألب عليه الدنيا بتعسفه!

حجج صالح كاملكل ما ساقه رجال صالح كامل من حجج لم تقنع احدا، فهو محتكر، ومتعسف في شروطه، وهو حرم ملايين الفقراء في العالم العربي من مشاهدة لعبتهم المفضلة التي كانت قبل وجوده تمثل ارخص متعة، وكانت مشاهدة هذه المباريات قبل احتكاره، تمثل ارخص ليالي للمشاهد. وقد حاول أنصار صالح كامل وحوارييه ان يشيعوا في البرية ان عصر المشاهدة المجانية قد انتهي، وهم يتعاملون علي طريقة الثري المتعالي عندما يحيط به المتسولون!

فليس صحيحا ان عصر المشاهدة المجانية قد انتهي، والدليل ان صالح كامل وغيره يطلقون قنوات الخلاعة والمجون بدون تشفير. فضلا عن انه اذا كان قد نجح هذا العام ونتيجة انه اخذ الناس علي (مشمهم) وعلي حين غرة، فإن الأمر سيختلف في الدوري القادم الذي يقال انه اشتري حق بثه في السر من الفيفا، فسوف يكتشف انه اشتري الترام، والبداية هذه المرة تؤكد ذلك، فإذا كان زميلنا في هذه الزاوية الطاهر الطويل ذكر ان اهل المغرب نجحوا في فك شيفرة القنوات الأوروبية، فإننا نقول ان هذا ليس حاصلا في المغرب فقط، ولكنه في كثير من البلدان العربية، بل ان ما يعرف بالوصلة، والتي تقوم شرطة المصنفات في مصر بمداهمة البيوت من اجل قطعها، يعود أصحابها الي إعادتها من جديد بعد رحيل رجال الشرطة البواسل بدقائق.

لقد وصل الاستفزاز من أنصار الشيخ وحوارييه انهم لم يكتفوا بحرمانهم ملايين الناس من متعة مشاهدة مباريات كأس العالم، وانما ذهبوا يتعاملون بتعال مفزع، بعد ان نظروا الي المنددين باحتكارهم المتعسف كما لو كانوا يطلبون منهم الفضل والإحسان للفقراء، فسموه ليس مجنونا حتي يوزع أمواله علي الناس، وانبعث أشقاهم وهو مسؤول في (راديو وتلفزيون العرب) ليقول (علي الفقراء ان يأكلوا ويشربوا فقط.. كرة القدم رفاهية لا حاجة لهم بها.. لم ندفع ثمانين مليونا من الدولارات لنتحدث عن العواطف والمشاعر النبيلة). ثكلتك أمك، من قال لك يا فتي اننا نطلب من شيخك ان يتبرع للفقراء، او ان يمنحهم من زكاة أمواله؟!

ان هذا الكلام فضلا عن انه يمثل استفزازا فانه أيضا يمثل خلطا للأوراق، فكل ما طالبنا به ان نكافئ المحتكر علي نجاحه في إبرام صفقة مع منظمة الفيفا الغارقة لشوشتها في الفضائح، بأن يكون البث عن طريق السماح للتلفزيونات الأرضية العربية بالشراء، ومؤكد انه كان سيجمع ما دفعه وزيادة بالهناء والشفاء، وهو ما اجزم انه لم يتحقق في ظل احتكار البث عبر فضائيته، والمبالغة في رفع أسعار الاشتراك، اللهم الا إذا كان الهدف ان يكون مشهورا، وازعم انه حصل علي شهرة أوسع من شهرة نانسي عجرم. او انه يهوي التنكيد علي الخلائق، وكسر نفوسهم، وهذه طبيعة بعض الأثرياء العرب الذين يتصرفون تصرفات غير مفهومة او مهضومة، ولازلنا نذكر واقعة حدثت منذ اكثر من ربع قرن عندما قام احدهم بالسير في شوارع لندن، واخذ يلقي الجنيهات الاسترلينية علي الأرض والإنكليز ينحنون ويأخذونها، وعندما سئل في ذلك قال: انني احب ان اري الانكليز وهم يثنون ظهورهم علي الارض!

لقد كان طبيعيا ان لا يستثمر الشيخ صالح كامل دعوة الاتجاه المعاكس، ويرسل احد رجاله ليشرح وجهة نظره، ان كانت لهم وجهة نظر. فأحيانا يكون الهروب شجاعة، والتولي يوم الزحف، تصرفا عاقلا رشيد!

اكاتب وصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية