عزت القمحاوي
بينما يستمتع العالم بمشاهدة الأداء القوي لفرق الكرة في ألمانيا، كانت مصر تختتم مباريات كأسها في لعبة تشبه كرة القدم بقدر ما تشبه الديمقراطية المصرية النظام الديمقراطي المتعارف عليه في العالم. ورغم أن جماهير الكرة في مصر قنوعة وترضي بالقليل، كما في كل شيء، فإن جماهير أكبر حزبين رياضيين لم تهنأ بمباراة ختام الموسم إثر خلع رئيس نادي الزمالك لحذائه في المقصورة الرئيسية وتهديد قيادات النادي الأهلي في حضور ممثل رئيس الجمهورية!
وهكذا يضاف حذاء رئيس نادي الزمالك إلي منظومة الحوار بالأحذية في مصر التي ترسخت حديثاُ. ولايمكن إغفال رمزية هذا الاعتداء في وجود ممثل رسمي، وقد أسفرت الواقعة عن قرار بتجميد عضوية المسؤول الرياضي، ولكنه تحدي القرار واقتحم النادي بالقوة في جمع من أتباعه. حذاء مرتضي منصور، وإن جاء متأخراً في منظومة الأحذية المرفوعة في الشهور القليلة الماضية، فهو في المقدمة ليس لأن كرة القدم تعود إلي أصلها العنيف، ولكن علي اعتبار أن مرتضي منصور صاحب سبق وعضو مؤسس في ظاهرة العنف، سواء في علاقاته داخل ناديه أو في علاقاته بجماهير وقيادات النادي المنافس. وهذه ليست المرة الأولي التي يصدر فيها بحقه قرار إيقاف، وليست المرة الأولي التي يتحدي فيها قرار السلطات ويقتحم النادي!
وقبل الحذاء فإن الأسلحة النارية والبيضاء والآلات الحادة والسباب كانت كلها حاضرة في مسيرة مرتضي، سواء كان هو مستخدمها أو استخدمها آخرون في مواجهته، فلست من المتابعين للرياضة أو لمسيرة الرجل الظافرة في هذا الباب، ولكن شخصه الكريم يهمني بوصفه أحد تجليات الحالة الثقافية والسياسية العنيفة السائدة في مصر الآن. وللأمانة فليست كل الأحذية معتدية، فإلي جانب حذاء البلطجة توجد أحذية اليأس والقصاص من الفاسدين بضرب الجزمة. لكن هناك ما يجمع بين كل المتحاورين بالأحذية والأسلحة، وهو أنهم جميعاً من دارسي القانون، وهذا شيء مدهش، بل مخيف!
نعمان جمعة رئيس حزب الوفد الذي اقتحم مقر حزبه بالأسلحة النارية أستاذ قانون وعميد سابق لكلية الحقوق، وطلعت السادات صاحب الحذاء البرلماني في مواجهة الشاب المعجزة أحمد عز محام معروف، ومرتضي صاحب الحذاء الرياضي قاض سابق ومحام حالياً، والضابط الذي استخدم الحذاء ضد القاضي دارس قانون، ومن المفترض أنه كرجل أمن يمثل ذراع العدالة، حتي المرشد العام للإخوان الذي توعد معارضيه بحذاء شرعي، دارس للقانون، رغم أن بعض شانئيه يحلو لهم أن يقولوا إنه مدرس ألعاب لأنه تخرج من كلية التربية الرياضية وعمل مدرساً للنشاط الرياضي قبل أن يقرر دراسة الحقوق.
فهل هي مصادفة أن يكون كل الجانحين إلي العنف من العارفين بالقانون والعاملين في محرابه بشكل أو بآخر؟! النظرة العجلي تقول إن هذا مخالف للمنطق السليم.
ولكن اي منطق، وأي مجتمع؟! المنطق السليم يعمل في مجتمع سليم تتمتع مؤسساته بالشرعية، حيث لايقدم علي العنف إلا الجهلة والسقاط، أما أن يلجأ العارفون بالقانون إلي العنف، فلا معني له سوي أنهم يعرفون أن هذا هو القانون المرعي الآن في البلاد!
عنف العارفين واع ومؤسس علي يقين عميق بتردي حالة العدالة، وترسخ حالة الشرعية، ولسان جزمة كل منهم يقول: ولمَ أنا بالذات ألتزم بالقانون المهان في كل مكان؟!
وقد تجاوزت مشكلة الخروج علي الشرعية حدود الخروج علي قرارات الإدارة (اقتحام الحزب أو النادي بالمخالفة لقرارات الإيقاف) ووصلت إلي حد عدم الاعتراف بنتائج الانتخاب، أو احترام إرادة الناخبين في كثير من النوادي والأحزاب!
لا أحد عاد يثق بأن السلطة طرف محايد للفصل بين المختلفين، يمكن الوثوق بقراراته أو احترامها؛ وانصرف عدم الثقة إلي إجراءات الانتخابات وترتيباتها مما فتح الباب لتحدي نتائجها.
باختصار، لاقوة للقانون، بل قانون القوة ما يسري، قوة البلطجة لدي المعتدين وقوة الغضب التي لاتجد سلاحاً أقرب من الحذاء لمواجهة سفالة الفساد. وفي الوقت الذي يتسلط فيه الحذاء الميري علي الشارع لمنع أية احتجاجات سلمية تسلط الحكومة حزبها علي المصريين لإنهاكهم في حوار لاينتهي حول الأساليب المثلي للإصلاح، بينما الوقائع علي الأرض أبسط وأكثر وضوحاً من الحاجة إلي الحوار؛ فليس المطلوب أكثر من إعادة مؤسسات الدولة المخطوفة، ووقف إهانة القانون في تفاصيل هينة أقل من فكرة تداول السلطة وما إليها من معضلات كبري! يكفي أن تقلع مؤسسات الدولة عن ظاهرة الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء التي تصدر ضدها في نزاع مع مواطن أعزل، أو الامتناع عن تنفيذ حكم بين متقاضيين أحدهما مسنود بجاهه أو ماله.
وللمصادفة السعيدة، فإن الصحف المصرية التي نشرت واقعة اعتداء مرتضي منصور بالغضب والاستنكار الواجب، حملت في الأعداد نفسها مناشدة إعلانية تستــــنجد فيها مواطنة بوزير الــــداخلية لتنفـــــيذ حكــــم قضائي ضد شخص استولي علي أموالها، علــــماً بأن هذا الإعلان الذي نشـــــر في الصفحات الأولي للصحف اليومــــية لأكثر من مــــرة فــــي كل منها تتكلف النشـــرة الواحــدة منــه عشرات الآلاف من الجنيهات.
وهذا النمط من الإعلانات صار مألوفاً في الصحافة المصرية، ويفضح حال العدالة وانعدام الهيبة التي ارتضـــاها النظام لنفسه. ولا يحتاج الإصلاح علي هــــــذا المستوي إلي مزيد من النقاش، ودونه لايمكن لمجنــــون أن يثـــــــق إلا في حديث الجزم!