أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (9)

حجم الخط
0

لا توجد أعمال ثقافية في ديارنا العربية تقبلت النقد بمثل ما فعلت الموسوعة الفلسطينية في قسميهالم أبق في الحزب. لكن بعض الحزب بقي فيّ.. و الحزب في مصطلحات العائلة هو القومي السوري الاجتماعي

أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية… وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي، و نصف قرن من الاوهام، و بلدانية فلسطين المحتلة، و الهاشميون والثورة العربية، و الهاشميون وقضية فلسطين، واخيرا مذكراته التي تنشر “القدس العربي” مقتطفات منها. “القدس العربي” الموسوعة الفلسطينيةبين النصف الأول من عقد الستينيات من القرن الماضي حينما بدأت أحلم بأن أصدر موسوعة فلسطينية ومنتصف الثمانينيات حينما صدر القسم الأول من الموسوعة الفلسطينية بمجلداته الأربعة، مسافة طويلة من الزمن، لكنها لم تذهب عبثاً. واضطر تحقيق الحلم إلي الكثير من الاتصالات والمساعي والجهود.

ذكرت سابقاً أني ذهبت في آب (أغسطس) 1966 للقاء رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري في بلدة كيفون قرب سوق الغرب ليستمع إلي اقتراحي بإصدار موسوعة فلسطينية. وبعد وقت قصير حوّل الشقيري الموضوع وعرض عليّ أن أتولي رئاسة مركز الأبحاث التابع للمنظمة (أنشئ في شباط ـ فبراير 1965)، وهناك أستطيع أن أعمل علي إعداد الموسوعة ونشرها.

كانت ميزانية المركز محدودة للغاية. صحيح أنها غطت نفقات السنة ونصف السنة الأولي، لكن تطوير المركز وتصعيد نشاطه تطلّب المزيد من المخصصات. وهو أمر صعب لا يترك مجالاً لتغطية نفقات مشروع جديد، مكلف، مثل مشروع الموسوعة مهما كان متواضعاً. فلجأت إلي جامعة الدول العربية في القاهرة. بعثت مذكرة إلي أمينها العام عبد الخالق حسونة أعرض عليه الفكرة وأطلب تمويلاً. فردّ عليّ بأن أوفد الأمين العام المساعد سيد نوفل إلي بيروت لبحث المسألة معي. وكان نوفل يعتبر آنذاك الوجه العلمي الرصين للأمانة العامة وجهازها البشري بفضل المؤلفات القانونية في الشؤون العربية التي قام بتأليفها.

نزل نوفل في فندق فاندوم الفخم. وذهبت إليه. وكنت أول مرة أجلس علي شرفة الفندق المطل علي البحر والتي يمكنك من هناك أن تري الجبال والبحر معاً. وكنت كلما بدأت أتحدث عن مشروعي نقل الكلام إلي لبنان وجماله حتي شعرت أنه يتهرب. وأقحمت موضوعي بالقوة. وطلب أن يطلع من جديد علي المذكرة. وكنت لحسن الحظ أحمل نسخة عنها. وكان نوفل ضعيف البصر يلبس نظارات سميكة. قرب كشف التكاليف في الصفحة الأخيرة من المذكرة إلي عينيه وتساءل باستغراب: إيه دي؟ وأشار بيده إلي الرقم الإجمالي المقترح سبعون ألفاً؟ ما هذا؟ وتراءي لي أنه وجد المبلغ ضخماً. فأخذت أبرّر الجدول وأشرحه بنداً بنداً. وقلت لولا أن الموسوعة ستعد ضمن إطار مركز الأبحاث بباحثيه ومكتبته ومصححيه لتضاعف المبلغ عدة مرات. لم أنتبه أنه كان يستغرب ضآلة المبلغ إلا عندما قال: أحضرتني من القاهرة لأتحدث في مبلغ زهيد مثل هذا؟ وأمسك بقلمه وأضاف صفراً إلي المبلغ الإجمالي التقديري فأصبح سبعمائة الف دولار!. هكذا كانت الأمور تجري بين الجامعة العربية وأصحاب المشاريع. كنت لا أزال مثالياً أفتقر إلي الثقافة العملية في التعامل مع المؤسسات الرسمية.

المهم أني لم أتابع الموضوع جدياً فيما بعد. ولم أتصل بالأمين العام ولا بمساعده لأستفسر عن قرار الجامعة. أنستني مشاريع المركز وتطويره الموضوع بأكمله، بالرغم من زياراتي المتكررة للجامعة، ومن تعاون الجامعة وتعاطيها الإيجابي مع طلباتي واقتراحاتي الأخري. أذكر، مثلاً، أني كنت أسمع عن نشاط إحدي باحثات الجامعة القديرات، نجوي الشقيري. وعرضت عليها أن تنتقل إلي المركز للعمل فيه فرحبت شرط ألا تخسر حقوقها في الجامعة. فأبرقت إلي الأمين العام أطلب موعداً. وحدد الموعد لي بسرعة لفتت نظري. وتوجهت إلي مبني الجامعة في ميدان التحرير قبل الوقت المحدد كعادتي دائماً ورحت أزور معارفي من العاملين في الجامعة. وإذا الكل بانتظاري بشغف ليعرفوا لماذا طلبت الموعد وما هو الموضوع وهل لديّ شكوي علي أحدهم… كانوا يعرفون أن لي معزّة خاصة عند الأمين العام. حتي أنه هو نفسه تنفس الصعداء حينما فاتحته بطلبي. ورحب ووعد بتسهيل الإجراءات. لكن عودة أحمد الشقيري إلي مصر من لبنان للإقامة الدائمة صعّبت مجيء ابنته إلي بيروت للسكن وحدها.

بعد شهر من استقالتي من مركز الأبحاث تلقيت برقية من رئيس دائرة التربية والتعليم في منظمة التحرير الفلسطينية في دمشق أحمد المرعشلي يعرض عليّ أن نعمل معاً في إصدار موسوعة فلسطينية. كان الرجل يعلم عن مشروعي السابق الذي مضي عليه أكثر من عشر سنوات ولم أتابعه. ففكر أن يتبناه ويعرضه علي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو. واتصل بمديرها العام محيي الدين صابر ووجد تجاوباً. وأنشأ هيئة مستقلة باسم هيئة الموسوعة الفلسطينية وشكل مجلس إدارة برئاسة المرعشلي وعضوية أحد مديري المنظمة المذكورة وعالمين عربيين آخرين، وطرح أن أكون عضواً في المجلس ومقرراً.

اعتذرت في بادئ الأمر. إذ كانت تجربتي مع منظمة التحرير لا تشجعني علي المشاركة في مشروع خشيت أن يكون للمنظمة علاقة به أو أن تتسلل إليه من باب خلفي. فأكد لي صابر والمرعشلي استقلال الهيئة في ظل أنظمة الألكسو وأن لا وصاية رسمية من أحد. وقبلت وحضرت أول اجتماع لمجلس الإدارة عقد في فندق فلسطين في الإسكندرية في تموز (يوليو) 1978. وأضيف إلي مهامي، منذ البدء، وظيفة مستشار للموسوعة. واختير لها رئيس تحرير وجهاز تحرير من بعض الشخصيات العلمية في دمشق. وتوطد ارتباطي الرسمي بالمشروع سنة بعد أخري. أشرفت علي طباعة القسم الأول، وتوليت رئاسة تحرير القسم الثاني، إلي أن استلمت رئاسة مجلس الإدارة في أعقاب وفاة المرعشلي في الشهر الأول من 1988، إلي جانب مشاركتي منذ اليوم الأول بعضوية المجلس الاستشاري، وتكليفي بالإشراف علي مكتب الموسوعة في بيروت منذ ربيع 1983. اعتزاز وفخرإني أعتز كثيراً بتجربتي الطويلة والمتطورة في الموسوعة الفلسطينية، بشكل خاص، وفي العمل الموسوعي بشكل عام. لم آت إلي هذا المجال من فراغ كامل. فقد سبق أن حررت مواد وأبواباً في فهرس الكتاب المقدس والموسوعة العربية الميسرة وكذلك في مشروع القاموس الإنجليزي ـ العربي. إلا أني أعترف أنه لم تكن لي تجربة موسوعية كافية بالمعني الدقيق. والواقع أنه لم يكن في الوطن العربي كله رجل واحد تخصص بالعمل الموسوعي وله التجارب الكافية. إن جميع الموسوعات التي صدرت باللغة العربية من قبل، باستثناء المشروعين الآنفي الذكر، كانت أعمالاً وجهوداً فردية. صحيح أنها خدمت الثقافة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر غير أنها كانت أشبه بكتب حافلة بالمعلومات يجمعها ويقدمها رجل واحد متعدد المواهب وواسع المعرفة. وحسب علمي فإن موسوعتنا هي الأولي بالعربية من حيث امتلاك الصفات والقواعد والأنظمة والأساليب التي يشارك عشرات الاختصاصيين في إعدادها حسب تعليمات هيئة تحرير ولجان خبراء ومستشارين.

أعترف مجدداً أني تهيبت كثيراً حينما وجدت نفسي علي رأس مشروع طالما دعوت إلي تحقيقه دون أن أتوقف عند المسؤوليات الجسام التي ستلقي علي كاهلي عند بدء الخطوات العملية. كانت تجربتي محدودة. ولم يكن معي من له تجربة. بل كان الوطن العربي كله خالياً من أي خبير بالموضوع. لكن إيماني بالمشروع، وإصراري علي أن لا مستحيل في قاموسي الثقافي، وثقتي بأن أحصل علي مساعدة باحثين وأساتذة يمكن أن نشكّل معاً لجاناً للتخطيط لكل مجالات العمل، ذلك كله دفعني إلي اقتحام هذا الميدان البكر بثقة وعزيمة.

كان تأليف اللجان المختصة هو حجر الأساس الذي قام العمل عليه. في السنوات العشر التي تلت أنشأنا لجاناً لتحضير مداخل الموسوعة واختيار كتّابها، ولجاناً لوضع صيغ الكتابة وأساليبها وتسلسلها، ولجاناً للتوثيق والإسناد وللصور والخرائط، ولجاناً لدراسة المواضيع الثقافية غير المتفق عليها مسبقاً. وأخيراً لجاناً للمراجعة والتصحيح والتدقيق. ولتبيان أهمية هذه اللجان وسعة مهامها نذكر أن كتّاب الموسوعة تجاوزوا المئتين وأربعين في القسم الأول والثمانين في القسم الثاني.

كانت السنوات الثلاث الأولي من عمر الموسوعة تأسيسية. واستغرقت مهام اختيار الموضوعات والباحثين والمدققين للقسم الأول العام مدة طويلة. ولم يبدأ العمل الفعلي إلا حوالي 1980 بعد أن تأمن الغطاء المالي للمشروع. ذلك أن مصادر هيئة الموسوعة حتي ذلك التاريخ كانت قليلة ومتباطئة. وتكونت من تبرعات، كل منها بعشرات الآلاف من الدولارات، من عدد قليل من الأقطار العربية أبرزها العراق وقطر وليبيا. فقط حينما أعلن الأمير فهد بن عبد العزيز، الملك فهد فيما بعد، استعداده لتغطية نفقات مشاريع الموسوعة بحدود خمسة ملايين دولار، أصبح بإمكان مجلس الإدارة وهيئة التحرير تكليف الباحثين بالشروع بالعمل. ويعود الفضل في لفت نظر العاهل السعودي إلي أحد أعضاء المجلس الاستشاري، أحمد بهاء الدين، الذي كتب مقالاً قصيراً في الأخبار المصرية يتحدث عن أهمية الموسوعة وضرورة إنجازها وكان بهاء الدين مؤمناً برسالة الموسوعة وعمل كثيراً من أجل نجاحها وكنت ألجأ لاستشارته. وبلغ مجموع ما استلمته الموسوعة من هذا التبرع الملكي ثلاثة ملايين دولار، علي أربعة أقساط. ثم وئدت الموسوعة وتوقف المشروع قبل الأوان، فلم تحصل علي المبالغ الباقية.

أخطاء وهجماتوقعت هيئة الموسوعة في خطأ نتحمل جميعنا، وأنا منهم، مسؤوليته. كان رأينا أن نباشر طباعة القسم الأول في طبعة أولي، تجريبية، في عشرة آلاف نسخة ونوزعها، ثم نعيد طباعتها في طبعة ثانية، مزيدة ومنقحة، في مدي خمس سنوات، بعد أن نكون قد تلقينا التصحيحات والتصويبات والتعليقات لنستنير بها في إعداد الطبعة الجديدة. كان الرأي صحيحاً من الناحية النظرية. لكنه فشل عملياً. إذ انتقد الكثيرون الأخطاء والتقصيرات التي عاني منها القسم الأول في طبعته الأولي، دون أن يأخذوا الصفة التجريبية لتلك الطبعة في الاعتبار.

أجّج نار النقد القاسي للموسوعة مقالات شن فيها أحد العلماء الشيخ زهير الشاويش حملة قاسية جداً ضد الموسوعة. كان الشيخ علي حق في الكثير من ملاحظاته، مكتشفاً أخطاء لم نلحظها. لكن الصواب لم يحالفه حينما قيّم الموسوعة بمقاييس تتناقض مع القواعد التي وضعتها هي لنفسها وأعلنتها بوضوح في المقدمة. فمثلاً لا يجوز أن تحاسب علي تجاهل علم حي أو غير فلسطيني في حين أن الموسوعة حصرت مداخلها بالأعلام الفلسطينيين المتوفين. ثم إن الشيخ الناقد نسب بعض المداخل إلي كتّاب غير الذين كتبوها بالفعل، وربط بين ما كُتب وهؤلاء الذين لا علاقة لهم بالموضوع.

والحقيقة أني أخذت ملاحظات الشيخ الشاويش علي محمل الجد، بالرغم من قسوة كلامه وعنف تعابيره وبالرغم من كثافة حملته التي شاركه بها العشرات من الذين تأثروا بكلامه مع أن بعضهم اعترف أنه لم يطلع علي الموسوعة. فأحلتها إلي لجنة للتحقيق فيها للإفادة منها في الطبعة الثانية. كذلك كلفنا أربعة من العلماء وأهل الاختصاص بدراسة مواد الموسوعة دراسة دقيقة وتزويدنا بملاحظاتهم هم أيضاً. وقد قام هؤلاء بالمهمة خير قيام. وأعدت الموسوعة بشكل جديد، مصحح، ومستفيد من كل الملاحظات. لكننا لم ندفع بالمواد الجديدة إلي المطبعة بل فضلنا أن ننجز القسم الثاني قبل أن نتفرغ لإعادة طباعة القسم الأول. وأغلقت الموسوعة قبل أن يحصل ذلك.

لم أردّ في حينه علي مقالات الشيخ الشاويش وعلي كتابه الذي نشره في عدة طبعات وفي عشرات الآلاف من النسخ، وفضّلت أن أفيد الموسوعة منها بدل أن أدخل في جدل خشيت أن يكون عقيماً. وحينما جمع صديق الطرفين أكرم زعيتر بيننا في عمان، حيث كان الشاويش لاجئاً سياسياً من سورية، تبين لكلينا أن المصلحة العامة هي التي تتحكم في موقف الواحد من الآخر. وقام بيننا تفاهم وتعاون وصداقة ما زلت أعتز بها. وعندما صدر القسم الثاني أوائل التسعينيات كان لملاحظات الشيخ صدي جيد. وأعتبر زياراتي لمنزله حيث يقيم حالياً في ضاحية الحازمية قرب بيروت من الساعات الممتعة والمفيدة لي كثيراً، وليس أجمل من الجلوس في حضرة عالم موسوعي كالشيخ زهير.

لا أظن أن أعمالاً ثقافية كثيرة في ديارنا العربية تتقبل النقد بمثل ما فعلت الموسوعة الفلسطينية في قسميها. ولا أظن أن مشروعاً كلّف الخبراء بنقده ذاتياً مثلما فعلنا مراراً. ولولا ذلك لما جاء القسم الثاني متفوقاً علي الأول تفوقاً لا يوصف، باعتراف غالبية الذين كان لهم رأي سلبي في القسم الأول.

في ختام هذا الفصل الطويل من ذكرياتي عن مشروعيْ مركز الأبحاث والموسوعة الفلسطينية، بالرغم من استقلال كل منهما استقلالاً ذاتياً وموضوعياً وزمانياً عن الآخر، لا بد لي أن أطرح مطالعة تبرر الجمع بينهما في فصل واحد كما فعلت في مقدمة الفصل.

إني أزعم، بالقليل من التواضع، ما يوافقني عليه الكثيرون من العليمين بتاريخ مشروعي المركز والموسوعة ونتاجهما الغزير والطويل علي مدي ربع قرن، أني تركت فيهما بصمات يلمسها المرء في كل منشور أو بحث ظهر بين كتب المركز ومقالات مجلته وكذلك بين مواد مجلدات الموسوعة العشرة.

لن أتحدث طويلاً عن الموضوعية والالتزام والابتكار والجدية والدقة والأمانة في آلاف البحوث والدراسات والمقالات والتقارير التي احتواها كل من المشروعين. فلو لم تكن هذه الصفات والمعالم غالبة عليهما لما وضعهما الآلاف من المثقفين والدارسين العرب في قمة النتاج العربي في هذه الفترة الطويلة.

تجلّت البصمات في المركز والموسوعة، وكذلك في المجلات التي كان لي شرف إصدارها في الفترة ذاتها، في مظهر آخر أننا نتعامل مع الحقائق ونرفض الأقاويل والاقتباسات ما لم تكن مثبتة علمياً ومنقولة حرفياً وتعتمد علي أصول ومصادر موثوقة. إنه كلام سهل لكن تطبيقه صعب. إنك تشكك بحقنا في فلسطين إذا شككت بقول غير مسؤول. إنك تحيد عن طريق النضال إذا رفضت تحليلاً سقيماً وتفسيراً عليلاً. بل أنت تمارس الخيانة عينها إذا لم تزايد مع المزايدين في شتم العدو ورميه بأية تهمة تخطر علي بال وتكون من بنات الخيال. أما نحن فكنا في المركز والموسوعة نؤمن أن المادة التي تصلح للاستعمال في حربنا الإعلامية هي فقط المادة الصحيحة والدقيقة والتي هي فوق الشكوك. الإعلام الصحيح هو الإعلام الصادق. ونترك للعدو أن يستعمل إعلامه الكاذب وما علينا إلا أن نتولي فضحه وكشف مغالطاته.

بلغ حرصي طوال الخمسة والعشرين عاماً وهو يمتد حتي اليوم ويبقي ما حييت علي التقيّد بهذه القاعدة الذهبية أن جسدتها في عدد من الأمثولات التي يحفظها عني كل من تعامل معي في حقل الإنتاج الوطني والقومي والثقافي.

في الحزبلم أبق في الحزب. لكن بعض الحزب بقي فيّ. الحزب في مصطلحات العائلة هو الحزب السوري القومي (الذي أضيفت إلي اسمه في عام 1947 كلمة الاجتماعي). وقد انفرد الحزب المذكور بهذا الاستئثار منذ أواسط الثلاثينيات حتي اليوم. فمن الجهة الأولي انضم أكثر من نصف أفراد العائلة إلي الحزب واستلموا فيه مراكز قيادية متفاوتة، وترك معظمهم بصمات في تاريخ الحزب ومسيرته الطويلة. ولم يكن الأفراد الآخرون بعيدين أو مناوئين للحزب بل يمكن أن نصفهم بالمؤيدين. ومن الجهة الأخري لم ينخرط أي من أفراد الأسرة في يوم من الأيام في أي حزب سياسي آخر.

التحق يوسف وفؤاد وفايز بالجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1934 و1938 تباعاً، كل بعد تخرجه في المدرسة الثانوية الأول في صيدا والآخران في صفد. وكانت الجامعة الأميركية آنذاك مسرحاً للنشاط المبكر للحزب الذي أسسه زعيمه أنطون سعادة في خريف عام 1932. وقد ظلت الجامعة، حتي إعدام سعادة بعد إنشاء الحزب بسبع عشرة سنة، مركزاً قوياً لنشر أفكار الحزب والدعوة له.

لم يكن غريباً أن يتأثر الأشقاء الثلاثة وأنا من بعدهم بالعقيدة السورية القومية، وخاصة من حيث تشديدها علي الواجب القومي والعلمانية ومناوأة الطائفية، ومن حيث مقاومتها للمخططات الصهيونية لغزو فلسطين وابتلاعها. فقد انطلق الجميع من قاعدة تتميز بالوطنية وبالعلمانية والعداء للصهيونية وهي جو البيت في طبريا ومعتقدات الوالدين. لقد تشربنا، مع باقي الأشقاء، الوعي الوطني والاجتماعي طيلة سني الطفولة والمراهقة بشكل طبيعي ومتواصل.

إضافة إلي ذلك فإن إقبال عناصر من النخبة الثقافية في لبنان علي الحزب وهو بعد في سنواته الأولي أغري شباباً مثل الصياغ الثلاثة علي الانضمام إلي الحزب وهم إنما جاؤوا من أسرة ومحيط نخبوي ثقافياً بكل معني الكلمة. لا ننسي أن الحزب في النصف الثاني من الثلاثينيات كان يزخر ويزهو بنجوم لامعة في دنيا الفكر والأدب والعلم والفن أمثال توفيق الباشا وجورج حكيم وحافظ المنذر ورشدي المعلوف وزكي النقاش وسعيد عقل وصلاح لبكي وصليبا الدويهي وصلاح الأسير وعمر الأنسي وغبريال الجميل وفخري المعلوف وفؤاد سليمان ومعروف سعد ومعروف صعب ومصطفي فروخ ووليم صعب ويوسف الخال. هؤلاء، والعشرات من أمثالهم، كانوا نقطة جذب لتلامذة في الجامعة الأميركية أمثال يوسف وفؤاد وفايز صايغ.

نستطيع أن نقول إن أركان دعوة الحزب الأربعة حرية، واجب، نظام، قوة، قد وجدت أساساً لها في التربية البيتية كممهد ومنطلق. وقد قامت هذه التربية علي احترام عضو الأسرة لحريات الآخرين مع تقيده بواجباته. ومارست الأسرة نظاماً شديداً وانضباطاً رائعاً في تعاملاتها وعلاقاتها مع بعضها بعضاً ومع الآخرين. وهكذا فإن مناخ البيت في طبريا لم يختلف عن المناخ الحزبي الذي اكتشفه الأشقاء في بيروت عند تعرفهم علي الحزب ثم انتسابهم إليه.

انضم يوسف إلي الحزب في عام 1936 وكان في العشرين من عمره. وسريعاً ما أصبح قريباً من سعادة، يلتقيه باستمرار ويجالسه ويحاوره ويرافقه في رياضاته في المشي وتسلق الجبال والسباحة ولعب التنس. وكثيراً ما اشتركا في الإقامة في منزل واحد في شارع جان دارك في بيروت، في منزل آل المعلوف في الطبقة الثالثة من بناية طقوش. حتي إن سعادة حينما رغب في أن يحافظ علي سرية مراسلاته مع الفتاة التي أحبّ آنذاك في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، والتي انتقلت من لبنان إلي العراق، طلب منها أن توجه رسائلها إلي صندوق بريد يوسف في الجامعة وهو يوصلها إليه كما تقول الأديبة أدفيك جريديني شيبوب في مذكراتها.

في أربعينيات القرن الماضي، وفي غياب سعادة في ديار المهجر في أميركا اللاتينية، ترقي يوسف في المراتب الحزبية حتي عُين مفوضاً عاماً للحزب في سورية الجنوبية، أي في فلسطين. وأصبح المسؤول الأول للحزب في كل الأراضي الفلسطينية مشرفاً علي منفذيات الحزب ومديرياته لعدة سنوات، إلي أن وقع في أسر القوات الصهيونية في أيار (مايو) 1948. ولكن يوسف انقطع عن تحمل أية مسؤولية حزبية بعد أن أطلق سراحه ربيع 1949 وأقام في لبنان وألغي كل ارتباطاته، وإن احتفظ بعلاقات صداقة مع معظم معارفه من أعضاء الحزب ومسؤوليه ولعل ذلك الوضع كان حلاًّ وسطاً لموقف يوسف من سعادة بعد الحملة التي شنّها مسؤولون في الحزب ضد فايز إثر خلافه مع سعادة وانسحابه من الحزب وإعلان سعادة طرده، في خريف 1947. أما الشقيق الثاني، فؤاد، فقد انضم إلي الحزب 1937، وكان طالباً في كلية الهندسة في الجامعة الأميركية. وظل عضواً في الحزب حتي مطلع الخمسينيات، حينما جمّد عضويته بحكم التحاقه بالخدمة العسكرية في الجيش السوري ضابطاً في سلاح الهندسة. ولا أعلم بالضبط المسؤوليات الحزبية التي عهد بها إلي فؤاد في تلك الأعوام الخمسة عشر. لكني أذكر أنه كان في وقت من الأوقات منفذاً عاماً في إحدي المنفذيات.

فايز الصايغفايز هو الصايغ الذي ترك البصمات الأقوي في تاريخ الحزب. ومع أن سنوات عضويته لم تبلغ العشر (1938 ـ1947) إلا أنها كانت حافلة بالنشاط في مجالات الثقافة والفكر والدعاوة والسياسة. وسرعان ما تبوأ فايز بعض أرفع المراكز في الحزب عميداً للإذاعة وللثقافة، ورئيساً لتحرير جريدة الحزب اليومية ومجلته الثقافية الشهرية، و ناموساً لمجلس العمد أي أميناً لمجلس الوزراء الحزبي. كما كان، عملياً، ناطقاً باسم الحزب وموفد القيادة إلي معظم المؤتمرات والاجتماعات واللجان السياسية المحلية والدولية في ما بين 1942 و 1947. وكان خطيب الحزب بلا منازع، يتجول بين المنتديات في كل من لبنان وسورية وفلسطين وكان لكل حزب عقائدي في لبنان الأربعينيات خطيبه الرسمي والشعبي، نصري المعلوف في النداء القومي والياس ربابي في الكتائب اللبنانية ورمضان لاوند في النجادة ورئيف خوري في الحزب الشيوعي وفايز صايغ في الحزب القومي. وقد عرّضه نشاطه الحزبي إلي ملاحقة السلطات الفرنسية ثم اللبنانية عدة مرات، وإلي صدور قرارات بالطرد من لبنان، وإلي اعتداءات قام بها بعض أعداء الحزب ترك أحدها ندوباً وآثاراً بقيت علي جبينه إلي حين وفاته 1980. حينما عاد سعادة إلي الوطن من مغتربه القسري كما يدعو القوميون إقامة سعادة في المهجر في السنوات السبع الأولي من أربعينيات القرن الماضي، فوجئ بلا شك حين نزوله من الطائرة في مطار بئر حسن في بيروت بأكثر من أربعين ألف رجل وامرأة يخرجون في صفوف منظمة لاستقباله والترحيب به. فقد غادر لبنان 1939 وأعضاء الحزب لا يتجاوزون الآلاف القليلة. ولا شك أن سعادة أدرك وإن لم يعترف بذلك أن قيادة الحزب لم تكن كسولة ولا متقاعسة في غيابه. ولكن مفاجأته لم تكن أكثر من مفاجأة فايز، الذي انتدبه الحزب للترحيب بسعادة في خطاب جماهيري يبدو أنه حذف (؟!) من الفيلم الرسمي الذي سجّل عودة سعادة ويعرض أحياناً في بعض المناسبات. الذي فاجأ فايز هو بعض المواقف والتعديلات في المبادئ التي أعلنها سعادة في خطابه الطويل والتاريخي التي وجد فايز فيها خروجاً علي مبادئ الحــــزب المعلنة والمتفق عليها، مثل تعديل حدود الوطن الســــوري لتشمل العراق وقبرص إلي جانب الديار السورية الأربع الشام ولبنان والأردن وفلسطين، ومثل تبديل اسم الحزب إلي الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومثل وضع فلسفة اجتماعية للحزب كجزء من عقيدته، وهي الفلسفة التي أطلق سعادة عليها اسم المدرحية المشتقة من كلمتي المادة والروح. حفلت الأشهر الستة التي تلت عودة سعادة بنقاشات حادة بين سعادة وفايز حول هذه الأمور، وحول حق زعيم الحزب بأن يفرض علي الأعضاء آراءه الفلســـفية الصرف وخاصة من حيث علاقة الفرد بالمجتمع، وكذلك حول عمل القيادة وسياساتها خلال غياب سعادة الطويل، وخاصة من حيث التركيز علي مبادئ الحزب الإصلاحية أكثر من التركيز علي سوريّة الأمة في الدعاوة الحزبية والعمل السياسي في لبنان عموماً.

لا شك أن عوامل نفسية وانفعالات متسرعة وخيبات أمل متبادلة أسهمت في تأجيج نار الخلاف بين زعيم الحزب العائد وبين أكثر دعاة الحزب نشاطاً. وقد أضاف إلي ذلك التأجيج تشبث نفر قليل من القيادة السابقة بلبنانية الحزب في مواجهة سوريته وإن لم يكن فايز يشاطرها الرأي أبداً، من جهة، وعثور بعض المسؤولين التقليديين علي فرصة للنيل من الشاب (لم يكن فايز قد بلغ الخامسة والعشرين) الذي استولي علي رضي الجماهير وإعجابها وكذلك علي عقل عدد كبير من مثقفي الحزب ومن المثقفين اللبنانيين من خارج الحزب. وجدير بالذكر أن عدداً كبيراً جداً من أهل الثقافة والفن والعلم في لبنان اقتربوا كثيراً من الحزب في الأربعينيات وساهم بعضهم في نشاطات الحزب الفكرية، بعد أن تخلي عن الحزب أواخر الثلاثينيات بعض كبار الشعراء والأدباء والفنانين والمفكرين اللبنانيين الذين استمالهم سعادة في بادئ عمله الحزبي. وجدير بالذكر أيضاً أن انسحاب فايز رافقه انسحاب عدد من أفراد النخبة الثقافية في الحزب كغسان تويني ويوسف الخال ويوسف نويهض وحلمي المعلوف وكريم عزقول وسهيل فريجي وفؤاد بدر وسعيد أبو علوان وغيرهم. كما رافق ترك فايز الحزب ابتعاد عدد من أهل الفكر والقلم في لبنان عن الحزب وكانوا قد اقتربوا منه كثيراً، فكرياً، وإن لم ينضموا إليه رسمياً، عبر نشاطات مشتركة مع فايز. ومن هؤلاء إدوار حنين وألبرت بدر وأحمد مكي وجان مرهج وحبيب كوراني ورياض طه وعلي شلق وفريد مدور.

ليس هنا مجال التوسع في الموضوع. ولست أؤرخ للحزب ولا لقضية فايز صايغ في الحزب. لكني مضطر إلي ذكر هذه الوقائع لأنها تشكل الخلفية التي انطلقت منها علاقتي بالحزب منذ أواخر الأربعينيات.

ففي أواخر 1947، وإثر انسحاب فايز ونشر كتابه إلي أين؟ الذي دافع فيه عن موقفه بلغة قانونية وأسلوب رصين، ومغادرته لبنان إلي فلسطين ثم إلي الولايات المتحدة لمتابعة دراسته لنيل شهادة الدكتوراه، حفلت منشورات الحزب ونشراته وأدبياته بكم هائل من التهجم والتشويه والتشويش والاتهامات وهو أسلوب اعتادت عليه الأحزاب العربية في مناسبات مثل هذه للطعن بالشخص المغضوب عليه ولتملّق الزعامة والتقرب منها. ولا أزال أذكر أن مراهقين وشباباً صغاراً وتلاميذ ثانويين شاركوا في تلك الحملات ضد فايز، وخاضوا في مواضيع فلسفية وقضايا فكرية لم يكونوا يفهمون معناها أو يستوعبون مدلولاتها. وأذكر بشكل خاص طالباً في مدرسة ثانوية أصبح فيما بعد سياسياً لبنانياً بارزاً كتب عبارات اتضح لي بعد عدة سنوات وخلال مناقشات معه وقد أصبحنا صديقين، ولا نزال، أنه لم يكن يفهم معني العبارات التي كتبها أو استشهد بها ولم يكن قد اطلع، وربما ما زال حتي اليوم، علي أي من كتابات الفيلسوفين الأوروبيين بردياييف وكركيغارد اللذين اتُهم فايز بأنه كان يسرق أفكارهما ويروجها في الفكر السوري.

أشير هنا إلي أن شقيقي توفيق روي لي كيف كاد يدخل هو الآخر في الحزب 1947 إذ أقنعه بذلك صديقان انتميا إلي الحزب، هشام شرابي وفؤاد نجار. وأخذاه إلي مكتب للحزب لأداء القسم. إلا أنه غيّر رأيه وهو علي مدخل الغرفة. شعر أنه بانتسابه إلي الحزب العقائدي سيتخلي عن حريته وسيفقد قدرته علي الإبداع.

كنت، عند نشوب مشكلة فايز في الحزب، في السادسة عشرة من العمر. وكنت حتي ذلك التاريخ متحمساً للحزب حماسة عاطفية دون تعمق في دراسة مبادئه. ولم يكن حديث الأشقاء الثلاثة عن الحزب، وما يحملون معهم عند مجيئهم إلي طبريا من مطبوعات حزبية، هو وحده الذي يجعل موضوع الحزب مادة رئيسية في تفكيري الناشئ. فقد أضيف إلي ذلك تدفق العشرات من أعضاء الحزب، وجلهم من النخبة المثقفة، علي المنزل في طبريا أو البصة كزوار أو ضيوف. وكان بعضهم يقيم في البيت أياماً. ولا حديث بينهم وبين هذا الشقيق أو ذاك إلا الحزب وشؤونه وشجونه. أذكر من الضيوف من لبنان غسان تويني وهشام شرابي وفؤاد نجار وجوزف سلامة. ومن فلسطين الياس وعزيز سروجي وكميل جدع وجبران جبران وأنطوان أبو نصار وجورج جورج وبطرس صلاح ونايف شبلاق ومعين بشناق وموسي بشوتي. ومن الأردن الضابطان إميل جميعان وكريم أوهان. وأذكر أن اثنين من الذين كانوا يترددون علينا حكم عليهما بالإعدام إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها سعادة في صيف 1949 وهما أديب جدع ومحمد شلبي. وأذكر من زوار البيت بشكل خاص شاباً من عكا اسمه يوسف ملكي. وفجأة لم يعد يظهر وانقطعت أخباره ليتضح بعد أشهر أن أسرته باعت ممتلكاتها في شمال فلسطين لليهود وهربت إلي أميركا اللاتينية. وكان غضب القوميين ومنهم أشقائي علي رفيقهم السابق شديداً.

لكن الأمر الذي لا أتذكره أبداً بالرغم من أهمية الضيف هو أن سعادة زارنا في طبريا في العام 1939 أثناء جولة سريعة قام بها في بعض المدن الفلسطينية قبيل سفره إلي أوروبا ثم أمريكا بعد نشوب الحرب العالمية الثانية. وما أزال أستغرب لماذا لا تحمل ذاكرتي أي انطباعات عن تلك الزيارة التي يؤكد شقيقي يوسف حصولها مثلما يؤكد أن سعادة نزل ضيفاً عندنا في البيت ليومين أو ثلاثة. وكان سعادة قد تردد علينا عدة مرات في مصيفنا في عين القبو في جبل لبنان وكان ينام في منزلنا أو في منزل آل المعلوف القريب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية