حول معرض مصطفي أمناين الجديد: الأبعاد النورانية للحرف العربي..
ابراهيم الحيـسنحول معرض مصطفي أمناين الجديد: الأبعاد النورانية للحرف العربي..اقام الفنان وأستاذ الفنون التشكيلية مصطفي أمناين ـ المولود بمراكش عام 1957 ـ معرضا فنيا يضم جديد إبداعاته الصباغية.. وذلك ابتداء من 11 أيار (مايو) الجاري برواق 104 بمدينة الجديدة (منطقة دكالة)..وبالنظر إلي اللوحات المقترحة لهذا المعرض، يتضح نزوح الفنان أمناين نحو الحروفية العربية التي لعبت دورا كبيرا في تأصيل الخطاب الجمالي العربي رغم تأثيرات الفن الغربي وادعاءاته الكثيرة..ولا أدل علي ذلك من الاندهاش الذي عبر عنه الناقد الألماني المعاصر سيجريد كالا بالقول، وهو يشاهد اللوحات التي جاد بها بيينالي بغداد ـ 1974 لعلني لا أغالي كثيرا، فمن جميع ما شاهدته في البينالي العربي لم أجد نتاجا يفصح عن مصدره العربي وينطق به، إلا ذلك الانتاج الذي يتصل باللغة، أي الذي يتخذ من الخط العربي والحروف مادة له ، فالأكيد أن اللوحة الحروفية بقدر ما خدمت الفنان التشكيلي العربي ودافعت عن شخصيته، أو بالأحري دافع هو عن شخصيته بواسطتها، فهي ساهمت كذلك في تعبيد الطريق لظهور تجريدية جديدة ـ Nouvelle abstraction وجدت تربتها الخصبة لدي الكثير من الفنانين العالميين الذين أمسوا اليوم يشكلون رواد الحركات الطلائعية في الفن التشكيلي الأوروبي وغيره..علي هذه الخلفية، وضمن هذا الاختيار الجمالي، يبدع الفنان أمناين في إعطاء الحرف العربي والكتابة العربية معناهما التشكيلي، بحيث يجردهما من دلالاتهما اللغوية ليصيرا مفردات بصرية غارقة في التجريد..الحرف العربي والكتابة العربية اللذان شكلا امتدادا لسؤال الهوية الذي أثارته جماعة البعد الواحد بالعراق، يتم اعتمادهما في هذه التجربة داخل تقسيمات هندسية وتراكيب تشكيلية ملونة كخلفية صباغية تتفاعل داخلها أشكال الحروف بأهم بنياتها وإيقاعاتها البصرية، وذلك وفق ما يميزها من قوائم وبسائط وانحناءات وتنوع في السمك والغلاظة..هذا الانتباه المبكر إلي سؤال الهوية البصرية، هو بالضبط ما يبرر انكباب الفنان أمناين علي محاورة الحرف العربي وإدماجه في تشكيل اللوحة إدماجا جماليا لا ينفصل عن عناصر ومكونات النتاج الفني الأخري، وذلك بشكل يأخذ بعين الاعتبار كون الحرف بشكله الفني مسارا نحو لحظة مفقودة يترك خلال ذلك وجوده المكاني، بينما يظل يمارس علاقته بالزمن الذي يوجد فيه، كما يقول الفنان العراقي ضياء العزاوي..فبمدركاته الفنية والأساليب التلوينية المتنوعة التي ينهجها بواسطة صباغة الأكريليك، ينجح الفنان مصطفي أمناين في إعطاء اللوحة الحروفية أوجها متعددة من القراءات البصرية.. ومن ثم تظل التشكيلات الغرافيكية التي يوظفها تعطي لقارئها انطباعا بأنها تتناغم داخل تشبيك حروفي ونسيج نوراني من الأشكال الحرفية ـ بفتح الحاء ـ المتجانسة علي إيقاع مقطعات مساحية..ومساحات مقطعة تعكس دربة الفنان وقدرته المتقدمة في الصباغة والتلوين.. أما علي مستوي الألوان والمعالجات اللونية، فيصح القول بأن القماشات المقترحة للمعرض تقوم علي اختيارات طيفية وقزحية متناغمة تكثر فيها الشفوف والغوامق ومختلف الألوان الاشراقية النابعة من ميولات تعبيرية واصطلاحية وليس تزيينية، فالفنان أمناين يصبغ ويضع اللون فوق اللون ويتحكم بأسلوب احترافي في مختلف تحولاته المرئية فوق السند، لا ليمحو الأول الثاني وإنما استجابة لرغبة داخلية وطاقة مستترة ترسم حسه الفني وتفكيره الجمالي الراقي، الأمر الذي يجعل من هذا المعرض فرصة سانحة للاطلاع علي ما ظل يختزنه الفنان من فن وإبداع طيلة ثلاثين سنة .. ناقد تشكيلي من المغرب0