ابراهيم درويش
بيتر كيري، الكاتب الاسترالي كاتب مشغول بالهوية، وبتوسيع مدار السرد الروائي. في العام الماضي كانت روايته حياتي كمزيف، عن الزيف والتزييف، وروايته الجديدة سرقة: قصة حب هي عن الاصالة والزيف في عالم الفن وتجارته الدولية. وكيري الحاصل علي عدد من الجوائز الادبية ويعيش في نيويورك حيث يعمل مدرسا في جامعة نيويورك، ينجذب لفكرة الاصالة وتجريد المؤلف من حقوقه الادبية، من خلال التطرق او تقديم فكرة ان المالك الحقيقي للعمل الادبي او الفني، في النهاية هو القارئ او المشتري للعمل/ السوق وبناء عليه فهما المؤلفان الحقيقيان للعمل. وبناء عليه، فالعمل المسروق او اللوحة المزيفة طالما وجدت شاريا لها، فهل يؤثر هذا علي اصالتها المزيفة. هذه هي النقطة الاساسية التي تتمحور حولها رواية كيري، فالنية لا تعني شيئا ان كان المشترون او المشاهد العام لا يهتم كثيرا بما اذا كانت اللوحة او العمل الفني حقيقيا/ اصيلا ام مزيفا.
مايكل بوتشر بوني هو واحد من ابطال الرواية الرئيسيين، كان فنانا استراليا معروفا، مطلق حديثا ـ اعماله الفنية لم تعد مهمة، او مشهورة في حسابات السوق، يقرر الانعزال في بيت قديم في نيوساوث ويلز، يملكه استاذه وراعيه، في هذا البيت يعتني مايكل ايضا بشقيقه هيو، الشاب السمين والمتخلف في نفس الوقت والذي يتداول عملية السرد معه، حيث يتناوبان في عرض راوية تتناقض احيانا وتتفق في احيان اخري، عن النشوء والحياة في الريف والعيش في ظل والد قاس، جزار بالمعني الحقيقي والمجازي.
هنا في عزلته في هذا البيت الذي يقدم له صاحب البيت قائمة بالاشياء الواجب العناية بها قبل ان يدخله، يعمل مايكل علي رسم لوحة كبيرة. مايكل بوني يتخذ دور الممثل، والسارد والفنان المكرس لحرفته الفنية، والمزيف، ولغته درامية قاسية، منمقة وصادمة في بعض الاحيان.. خاصة عندما يتحدث عن دهان تنتجه شركة استرالية معروفة رفائيلصون والذي كان يستخدمه عندما كان مشهورا قبل خمسة اعوام لم اكن استخدم الا هذا اللون.. اما الان فلديهم لون اكليرك عظيم، لون اخضر دائم، اخضر ارضي… ، نعرف من سرد مايكل ان والده كان جزارا في منطقة اسمها باكتشوس مارش قرب ميلبورن. في هذه المنطقة يتلقي مايكل دروسه الاولي في الفن من مدرس الماني، الذي يعرفه علي ألغاز الفن وحيله، ونصحه بالخروج من محيط البيت ويبتعد عن والده الذي يلقبه ذو العظام الزرق. ويتحدث مايكل عن هروبه من البيت قائلا: هجرت امي واخي وتركتهما تحت رحمة ذي العظام الزرق ونزلت الي ميلبورن بالقطار، شابا متينا، غير متعلم، يلبس بنطالا ابيض الي كاحله، ولم يكن لديه الا ان يلعب كل الاوراق التي بيديه، حيث يدخل عالم طبقة جديدة ويداه ملوثتان بالدماء من مجزرة والده.. ويعترف الراوي هنا انه لم يقرأ كتبا في الفلسفة، ليبرينسون او نيتشة او كيركغارد، ولكنه كان مسلحا بالجدل. كما لم يسافر الي اي من مدن الفن في فلورنس وسيينا الايطاليتين او باريس، ولم يدرس تاريخ الفن ولم يقرأ كتبا لفنانين او عن حياتهم. الخنزير الثائر، كما يصف الراوي نفسه، يفاجأ يوما بزيارة جامعة لوحات امريكية عمرها 28 عاما اسمها مارلين لايبووفيتس، وهي زوجة اوليفر لايبووفيتس، الذي كان والده احد كبار الفنانين التكعيبيين جاك لايبووفيتس. مارلين، فتاة جميلة وساحرة ولكنها تحمل اخبارا غير طيبة، فهي تقول انها في المنطقة لان جاره دوزي بوليان والذي يقتني مجموعة كبيرة من لوحات لايبووفيتس الجد. وعندها يقول مايكل انه شاهد اللوحة لاول مرة في المدرسة العليا في باكتشوس مارش او علي الاقل اعادة انتاج بالاسود والابيض منها، ولكن مارلين تقول ان اللوحة اصبحت محطا للشك وانه هو الذي سيقرر فيما اذا كانت حقيقية ام مزيفة. قصة اللوحة والامريكية الجميلة ليست صحيحة كما يكشف لنا السرد، فمارلين بنت من الارياف او الاقاليم، من بلدة صغيرة اسمها بينالا، الواقعة شمال ـ شرق ميلبورن، وكما يظهر فقد قامت الفتاة نفسها بحرق مدرستها الثانوية. واللوحة التي بحوزة جاره دوزي بويلان ليست من الاعمال الكبيرة المنسوبة للفنان لايبووفيتس بل عملا علي القماش اتم في الاربعينات بعد وفاته، وقامت زوجته بتقديمه علي انه جزء من اعمال الفنان المشهورة. وقامت زوجة الفنان بالتأكيد علي اصالتها مع ان صاحبها السابق موما قرر انه مشكوك فيها. ومارلين جاءت ليس من اجل البحث عن اصالة اللوحة ولكن سرقتها، لكي تحافظ مارلين وزوجها اوليفر علي القيمة المالية للوحة، ولانها وزوجها لا يستطيعان شراء اللوحة من بويلان، والمشكلة انه في حالة بقاء اللوحة معه فان فحصا بالاشعة سيظهر العمل المزيف الذي اضيف او رسم فوق العمل الذي لم يتمه لايبووفيتس. مارلين تستخدم انوثتها حيث يقع ابن الجزار بشركها سريعا، خاصة انها ذات روح عالية وتعرف كيف تعتني بشقيقه الذي يقول انه عاش كل حياته علي الكرسي، كما ان اعترافها بالتعلق باعمال ولوحات مايكل كان عاملا في وقوع الرسام بسحر مارلين وبالتالي مجاراتها في طلباتها للتزييف والرسم. ولكن مايكل بوتشر سرعان ما يكتشف ان مارلين هي امرأة شريرة، ولكن اصولهما الريفية المشتركة تجعله يتجاوز هذا الوضع. كما ينجذب الي فكرة أن التزيف او الجريمة ما هما الا انتقام مناسب من جامعي اللوحات والنقاد والقيّمين علي المتاحف والمشترين. يصبح مايكل الذي تأخذه مارلين الي مانهاتن شريكها في التزييف والعشق حيث يعمل علي تزييف لوحة اخري للايبووفيتس. وبعد كل جريمة تزييف كان مايكل ينزع نفسه في الوقت المناسب من مارلين ويعود الي استراليا، ولكن مارلين التي اصبحت تتحكم بحياته تملك الكلمة الاخيرة، وبسبب علاقاتها مع المشهد الفني الدولي، يستطيع مايكل بون بيع لوحتين من اعماله الي متحف الماني. وعندما يدعي لزيارة المتحف لمشاهدة لوحتيه يشاهد ايضا لوحة جديدة زيفها لجاك لايبووفيتس اثناء اقامته في مانهاتن. الراوي في هذا العمل يقوم بـ تخصيص اللغة ويبدو هذا واضحا في السارد الثاني هيو بوني الذي يتبادل الادوار مع شقيقه، وهيو ينظر بعين الحسد لفن اخيه وهو كاره لعزلته، ولكن هيو الذي يشعر ان شقيقه لا يعترف به او بالمساعدة التي قدمها له في رسم اعمالها يساعدنا علي النظر ومن زاوية اخري الي شقيقه، ويقدم لنا تفاصيل عن حياة العائلة في الريف والتي تفسر جرائم او نوازع الجريمة عند مايكل. هيو يشير الي هوس والدهما بالرمل خاصة عندما يعثر علي شيء منه علي سجاد سيارة فوكسهول كريستا، ولان الوالد فمه قذر يأخذ بالسباب والتهديد بجلدهما. ويتساءل هيو قائلا: كنت اتساءل وانا صغير عن السبب الذي يجعل الغضب يتصاعد من عيني والدي مع ان الرمل نظيف ولا يسبب اشكالية… وهنا في سرد كيري يتحول الرمل الي رمز عن الابدية فعندما يقول هيو: لم اشاهد ساعة رملية ولم اعرف اني سأموت، لا احد سيفوته الموت وعندما تقترب ساعة والدي فان الريح الابدية المحملة بالرمال ستملأ احشاءه وتمزقها، سامحه الله علي آثامه، لم يعرف سلاما في الحياة ولن يعرفه حتي في الموت، لم يفهم ابدا فكرة ان تتحول الي حبة رمل، تسقط وتهمس بمجد المتعدد عبر اصابع الرب… الريح الرملية التي تهمس بشاعرية تقابلها شاعرية القسوة عن الريح الباردة التي تمر في حياة سكان الاهوار ففي مارش كانت الحياة بطيئة كما اتذكر انه لم يكن هناك صحن من الكرز، الريح القاسية من اعالي بيتلان ومن ثم البرد والمطر طوال الشتاء، البرد اصاب رقبتي اربع مرات، ولا انسي ذكر الجليد علي زجاج سيارتنا فوكسهول كريستا، التي تبدو مثل الماس المتكسر في الضوء المتجمد. سرقة، في شكلها ما بعد ـ الحداثي ومابعد ـ التركيبي وسخريتها او علي الاقل شكها بضرورة وجود الكاتب في العمل الادبي او الفني، تشير لقدرة كيري علي التعامل بسهولة مع الموضوع، وذلك لانه تعرض له في عمل اخر، حياتي كمزيف، الزيف في هذه الرواية والعمل الجديد يشير الي اشكالية الهوية الاسترالية وعلاقة استراليا الفظة مع العالم.. فحياتي كمزيف هي عن هربرت بادجري الذي يعترف بالكذب والخداع ويكتشف اثناء وجوده في السجن تاريخا لاستراليا كتبه ام في اندرسون ويكشف هذا التاريخ الزيف والكذب الذي قامت عليه استراليا الحديثة:
في ذلك التاريخ يقول اندرسون: ان اباءنا كانوا عظماء في الكذب، كذبوا عن الارض التي اختاروها والشياه التي ربوها، كذبوا عن اصولهم واصول زوجاتهم: ولكن كذبتهم الاولي التي تعتبر كبيرة جدا هي ان القارة / استراليا كانت محتلة. رواية حياتي كمزيف هي عن فكرة كراهية استراليا لنفسها او كراهية الابطال لانفسهم تجنبا للتعميم. في داخل الرواية، الكثير من التواريخ، الشخصية والعامة، عن خسارة الولد ابن الثامنة، وعلاقة هيو، الذي يبدو قدرا علي الكاتب مع الطفل، والزواج والطلاق، والتسجيل او التوثيق لرؤية السارد للفن. فهو عندما يتحدث عن بوار بضاعته الفنية، يعقد مقارنة بين فان غوخ وشقيقه ثيو، الذي كان يسوق اعمال الشقيق في باريس ويشير الي الرحلة الاخيرة لفان غوخ الي باريس وتلقيه خبر ان اعماله لم تعد تجذب جامعي اللوحات وان المشترين المحتملين لها ماتوا، عندها يعود فان غوخ الي الريف ويطلق الرصاص علي نفسه. وفي هذا مقابل لعملية الانتحار القسرية التي يعيشها الفنان وعلاقته المتجادلة بين الزيف الذي يعيشه باسم الفنان والجميلة مارلين.
رواية سرقة، مثل سابقتها حياتي كمزيف، توسع فكرة الهامش في الهوية الاسترالية، وقسوة ان تكون استراليا وتأخذ فكرة انتقاد الهوية، بل كراهية الذات الي مدي ابعد، فبوتشر، وأخوه العظام البطيئة يعودان دائما الي حياتهما الريفية، فهو يؤكد اكثر من مرة انه لم يزر طوكيو التي خططت مارلين لاقامة معرض دولي له فيها، ولم يزر مدن الفنان علي الرغم من موهبته الفنية التي اكتشفها اول ما اكتشفها المدرس الالماني الالماني الاعزب كما يشير اليه كيري، كما لم يشاهد مايكل بوتشر لوحات فنية في نسخها الاصلية انما نسخا معادة الانتاج او مصورة.. لو كنت امريكيا فستفهم فكرة ان تكون فنانا يعيش علي حافة العالم… ، التي هي استراليا التي تصحو عندما ينام الناس، وتغط في سباتها العميق عندما تشرق الشمس علي امريكا. هناك محاولة اذن لاستكشاف ما اسماه الناقد الاسترالي المعروف روبرت هيوز الشاطئ القاسي. فالمساحة التي يمنحها الكاتب/ السارد في هذا العمل هي بين الهوية المتجذرة في الجريمة والكذب وبين العبقرية. بوتشر، مثل ابطال اخرين في اعمال كيري هو البطل الذي يتراوح بين هويته كفنان مشهور، ومشهور مرة اخري حتي بعد جريمته وبين فكرة الجريمة ذاتها. وما يجعل الرواية بحثا في الذات، ذات الكاتب هذه المرة هي ان بطل العمل سرقة مولود في نفس المكان والزمان الذي ولد فيه الكاتب باكتشوس مارش، والمقاربة لا تنتهي بين المؤلف والفنان عند هذا الحد، فكيري اشتهر اولا في استراليا، قبل ان ينتقل الي مانهاتن وهي المركز الذي اتخذه بوتشر للقيام بعملية التزييف بالتعاون مع مارلين. ولكن ما يجمع بينهما هو ان بوتشر علي الرغم من تنازعه بين الابداع/ الرسم والجريمة/ التزييف يظل فنانا مكرسا للصورة واللون واللوحة، تماما كما هي حالة كيري المكرس للكتابة الابداعية في شكلها الروائي. ومثلما كان البطل، بوتشر، وأخوه ابنين لجزار، فقد كان كيري ابنا لبائع سيارات مستعملة، واعترف انه حتي سن الثامنة عشرة لم يقرأ كتابا. في الرواية التي تزاوج بين اللغة الشاعرية، وبين اللغة الواقعية القاسية، ليس غريبا ان تمتلئ عبارات بوتشر بكل ما هو صادم للواقع والسمع، وتكرار استخدام كلمتي براز و ابن حرام في حسها المخفف بالعربية.
الراوي، الذي يعترف او يخوض تجربة التزييف، يعترف في نهاية رحلته معنا انه يريد ان يتذكره الناس بحب، والغريب انه مع كل المجد الذي حققه واللوحات التي تبرع بها لمتاحف فنية في العالم لا يزال اسير ماضيه، وفنه الذي شاهده في المدرسة بالاسود والابيض. منقذته قاتلة.. ومع اني هجرتها.. فلا زلت بونز.. وكل الاسود والابيض، كانت واضحة في ذلك الصباح النيويوركي، وقدر لها ان تصبح مبتلة علي صبغة مبتلة غامضة. مد يتراوح بين الجمال والرعب.. تتضخم في داخل جلدي وتملأ فمي. ويقول الراوي، بوتشر في هذه الحالة ما زلت رغم كل هذا الموت والخداع سجينا لهذا الماضي المتشابك. وهو هنا لا يزال يحب عشيقته القاتلة، احببتها، اقولها هكذا بصراحة وما زلت احبها، ذهبت ولم تذهب ولا تزال ترسل لي رسائل من هناك عبر سوذبي، ومعهد الفن في شيكاغو. هل تقوم بتعذيبي ام تفتقدني؟ كيف لي ان اعرف؟ كيف تعرف الثمن الذي يجب ان تدفعه بدون ان تعرف قيمة الشيء الذي ستدفع ثمنه.. . ولد كيري عام 1943 في باكتشوس مارش في فيكتوريا الاسترالية، وتلقي تعليمه لاحقا في جامعة موناش حيث درس العلوم، بدأ اولا بكتابة الاعلانات، وعاش فترة في لندن التي جاء اليها من ميلبورن، ومن ثم ذهب الي سيدني قبل ان ينتقل الي نيويورك حيث يدرس مادة الكتابة الابداعية في جامعة نيويورك. لقيت اعماله الاولي الثلاثة حفاوة نقدية مفتش الضرائب، الي واكر، اوسكار ولوسينديا، كما كتب الحياة الغريبة لتريستان سميث، التاريخ الحقيقي لكيلي كانغ، و حياتي كمزيف، كما كتب عددا من القصص القصيرة وقصص الاطفال وحولت ناقد من اسرة “القدس العربي”