محمد الحسناوي
من مساويء الهجمة الأمنية الأخيرة التي تشنها السلطة السورية أنها تغطي البلاء الأكبر ببلاء أصغر، نتيجة كثافة المعتقلين، واستمرار الحملة والإفراجات المحدودة التي تخفي الهجمة، وتطمس التعذيب، وتنـــــوع الشرائح المضطهدة: من ناشطين حقوقيين، إلي زعمـــاء سياسيين، إلي طلاب جامعات ومواطنين من الطائفة العلوية، إلي المواطنين العاديين المصادرة بيوتهم أو أراضيهم، وأخيراً معتقلو الفقاعات المشــــكوك بحقيـــقتها أو ما يسمي (جند الشام)، وهي أخطر السواتر في الحجب والتغطية والتعميم فالتضليل.
ومن أغراض هذا المقال إلقاء الضوء علي زاوية ميتة، يجري التعتيم عليها بشدة، ألا وهي اضطهاد الطائفة العلوية المحسوبة علي النظام، أو التي يتستر بها النظام، ويحملها مسؤولية ارتكاباته بأنواعها: من التمييز الطائفي إلي الفساد المالي إلي الاستبداد فالحكم القمعي، إلي التلويح بالفتنة الطائفية التي لا تبقي ولا تذر فيما لو تمّت تنحيته عن السلطة ولو بطرق سلمية ديموقراطية.
ولكي لا ندخل في تفصيليات هذه المسألة سوف نقتصر علي الجانب القمعي الذي يتعامل به النظام مع أحرار الطائفة وشرفائها ومفكريها المعارضين للنظام جملة وتفصيلاً وبصوت مرفوع، لكنه مقموع بقوة، ومغطي عليه بأردية كثيفة ومموهة أيضاً.
نبدأ بالإشارة إلي أن المضطهدين من أحرار الطائفة ليسوا معدودين علي الأصابع مثل الأكاديمي الدكتور عارف دليلة، المحكوم بالسجن في محكمة عسكرية بالحبس عشر سنوات، وهو من العشرة الناشطين في ربيع دمشق، بعقوبة مضاعفة بالنسبة إلي زملائه الآخرين، ومثل حبيب عيسي (الناطق السابق في منتدي الأتاسي الذي تم إغلاقه)، وقد عوقب علي الطريقة نفسها. وآخر السلسلة غير الذهبية محاكمة الدكتور الطبيب محمود حسين صارم، ثم فصل الطالب يامن حسن من جامعة البعث في اللاذقية بسبب نشره مقالاً في موقع الكتروني، وتم توزيعه في الجامعة (موقع إيلاف 15/6/2006م). وذلك فضلاً عن الدكتور إبراهيم ماخوس والدكتور سليم الخير ونزار نيوف وممدوح عدوان الذي غادرنا هذا العام وباسل ديوب.
ونكتفي بالإشارة إلي أسرة علوية مضطهدة بكاملها من قرية (حقفة) التابعة لمدينة حمص، روي مأساتها الكاتب غسان مفلح، اعتقل منها في الثمانينات خمسة إخوة شبان، وهم: منيف ملحم: ضابط مسرح، وياسر: مهندس زراعي، ومنذر: معهد متوسط فني، ونبيل: مهندس مدني، والخامس برتبة مقدم مهندس في الجيش السوري لما اعتقل، (ولما جاؤوا ليأخذوا السادس قال والدهم للمخابرات السورية، وهو يرمي بعكازه السبعيني: خذوا هذه أيضاً معكم إلي السجن. وبقي الخمسة في السجن حتي خرجوا بعد سنوات، الواحد تلو الآخر، وأقلهم من نام في السجن ست سنوات، ومنيف أكثر من سبعة عشر عاماً، وياسر أكثر من أربعة عشر عاماً، ومنذر ونبيل ثماني سنوات لكل منهم) (بعد كل هذا تأتي المخابرات السورية لتصادر سامر من ابنه وزوجته… ابنه الذي ولد بعد دخول والده السجن بأشهر 1978م علي ما أذكر أيضاً، ومنذ تلك الفترة، وهذه الزوجة، تأتي كل شهر لزيارة زوجها في السجن) (نكبة عائلة من نكبة وطن “القدس العربي” 6/6/2006م). ولخطورة وضع الأديب الشاعر محمود حسين صارم نفرده بالحديث، عسي أن يكون في ذلك إسهام في إشهار قضيته، وإنقاذه من مصير قاتل، أصاب أقاربه من قبله لمعارضتهم النظام الاستبدادي الاحتكاري لأسرة واحدة.
الطبيب الدكتور محمود حسين صارم أستاذ جامعي، وطبيب جراح في القلب، من مواليد 1935م أي عمره 71 سنة، وهو شاعر في الوقت نفسه، ومن أسرة شعراء، فهو من أحفاد الشاعر الكبير بدوي الجبل الذي ناهض الحكم الفرنسي وكان له الدور السياسي المتميز أيام الاحتلال وفي مطلع العهد الوطني من الاستقلال، ولا سيما في حماية الوحدة الوطنية السورية، وإحباط محاولات الاحتلال الفرنسي لتجزئة القطر، أو توريط الطائفة بما ترفضه وتأباه، وكان الاستقلال السوري العظيم الذي يتغني به الشاعر الدكتور محمود صارم:
بلِّغ السيد الرئيس سلاماًوحديثاً من قلبنا وكلاماًباسمنا واسم كل من يتعاطيحبّ نجد وجلّق وتهامالا تصالحْ صهيون أعداء دينيقم وصالح عراقنا والشآماإن سبب خوفنا علي حياة هذا المواطن الشريف الجريء، ليس كبر سنه وأمراضه التي يعاني منها، والسجن الظالم الذي يلقي به مرات، وإحالته بعد تسعة أشهر من اعتقاله 19/5/2005م إلي محكمة أمن الدولة العسكرية الاستثنائية، المشهورة بمخالفتها لشروط القضاء ومواصفاته، واستثنائية تشكيلها بأمر عرفي وأحكام الطواريء، وما جزرت من آلاف الشهداء بأحكامها التي لا تراجع ولا تستأنف.. إنما هو خوف راجع إلي استراتيجية النظام في اضطهاد معارضيه من أبناء الطائفة العلوية بالذات وممارساته الرهيبة ضد الدكتور صارم وأقاربه الأدنين. فالشاعر الدكتور أحمد سليمان الأحمد أخو الشاعر بدوي الجبل تمت تصفيته في مطار أوروبي (براغ) عام 1993م، حيث اعتدت عليه مجموعة من زبانية النظام بالضرب، وبحقنه بمواد فيها جرثومة قاتلة، توفي بعدها بشهور قليلة، لأنه شارك في (جبهة التحالف الوطني لإنقاذ سورية) المعارضة للنظام السوري باسم الحزب الذي شكله (الحزب العربي الديموقراطي). كذلك تعرض الأديب الشاعر منير الأحمد ابن الشاعر بدوي الجبل للتعذيب حتي الموت لانتقاده ذهاب النظام السوري إلي مؤتمر مدريد. المواطنون السوريون يعرفونه من خلال برنامجه الإذاعي الشهير (مرحباً يا صباح). يضاف إلي ذلك أن الهجمة الأمنية الجديدة لم تقف عند التوسع في اختطاف المعارضين واعتقالهم، بل عمدت إلي تعذيبهم جسدياً ونفسيا، فقد (كشفت مصادر حقوقية أن التعذيب الجسدي والنفسي ما زال الوسيلة الرئيسية المستخدمة، في فروع الأمن المختلفة لانتزاع المعلومات، ولمعاقبة المعتقلين والسجناء، وأشارت إلي أن عمليات التعذيب أدت إلي حوادث وفاة، مؤكدة علي استمرار التعذيب بالمياه، والحرق بالسجائر، والضرب بالكابلات المعدنية، وبساط الريح، والكرسي الألماني، والتعذيب بالكهرباء، والضرب والركل والصفع، والجلد علي أسفل القدمين، والإهانات بالشتم والتهديد بالتنكيل بالزوجة والابنة أو بالأقارب) (إيلاف 12/6/2006)، هذا بالنسبة إلي المواطنين غير العلويين، أما المواطنون العلويون ومنهم الدكتور صارم فالمعاملة أشد وأقسي لأسباب لا تخفي.
يقول الدكتور صارم قبل اعتقاله في رسالة لأحد أصدقائه: ( قبل نهاية العام الماضي 2004م قرر ولدي الأصغر محمد الذي يدرس الهندسة، سنة ثالثة في جامعة دمشق الالتحاق بأخويه معن ومهند اللذين تخرجا طبيبين منذ عامين تقريباً من كلية طب جامعة بارسلو ببوينس أيرس، وقررنا احتياطاً أن يكون في حوزة كل منا جواز سفر.. وعلمت أن جواز طلبي قد رفض، وأن هناك إشارة علي اسمي، ولا بد من أن أحضر بالذات إلي قسم الهجرة والجوازات في محافظة دمشق. وعندما حضرت، جاؤوا بقيد وقيدوني كما يقيد المجرمون، وطبعاً هاجمت هذا النظـــــام الفاسد، ولم أبقِ علي جلد بهجت سليمان ريشة ألا ونتفتها، بعدما علمت أن الأمر جاء منه….. العماد توفيق جلول هو الذي أرسل لي سيارة من الأركان يقودها مدير مكتبه ليخرجني من الفرع 235 بعد 21 يوماً صـــــائماً عن طعامهم إلي أن يقرروا محاكمـــتي فكان ذلك… وعندما جاءتني الدعوة لحضور مؤتمر لندن (المؤتمر الأول للحوار الوطني السوري المعارض)، قابـــلت العماد توفيق في مكتبه، وقدمت له رسالة الأستاذ البيانوني وقلت له: سوف أحضر بإذن الله مؤتمرهم، وسأظـــــل أعمـــل علي المصالحة الوطنية التي يجب علينا جميعاً العمل عليها، لكنه قاطعني مشـــيراً بسبابته صوبي قائلا: إذا طلــــعت خي أبو معن فلن تعود أبــداً.. فابتسمت ساخراً كالعادة). هذه لمحات معبرة عن مواقف الدكتور صارم ومواقف النظام منه قبل اعتقاله الأخير ونشاطه السلمي العلني في التعبير عن رأيه المعارض، والعقوبات التي ينالها جزاء ذلك، وهي كلها مرهصة بأن الرجل لن يتزحزح عن مواقفه، وأن السلطة سوف تتخلص منه، كما تخلصت من أقاربه الأدنين الشاعرين أحمد سليمان الأحمد ومنير الأحمد، في قمة انحصارها وعزلتها، وتجرؤ الشارع السوري عليها وأبناء الطائفة بالذات، والقادم أعظم.
مؤخراً وبتاريخ 9/6/2006م جلب الدكتور صارم من سجنه إلي محكمة أمن الدولة العسكرية الاستثنائية بتهمة توهين نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي والقيام بأفعال بقصد إثارة العصيان المسلح. وقد أكد صارم في بداية استجوابه أنه تلميذ فارس الخوري وهاشم الأتاسي وشكري القوتلي، وحفيد الشاعر السوري بدوي الجبل، ومؤمن بنظام الكتلة الوطنية حينما كان حق المشاركة مصوناً لجميع التيارات السياسية في سورية. هذا وأعلن الدكتور صارم إضراباً مفتوحاً عن الطعام، مع العلم أن صحته في تراجغ وقد تمّ تأجيل محاكمته ليوم 29/8/2006م (إيلاف 10/6/2006). وقال في محاكمة سابقة أيضاً: إنه يحاكم بسبب أنه اتهم النظام السوري بأنه محكوم من تيار فاشي مطالباً بتغيير الدستور قائلاً الدستور السوري هو دستور الكتلة الوطنية، وهو دستور الحرية والاستقلال، بينما دستور اليوم يسيطر عليه حزب البعث الحاكم مستشهداً بالمادة الثامنة من الدستور التي تنص علي أن حزب البعث قائد للدولة والمجتمع. وقال: يجب تغيير هذا الدستور، ويجب أن يكون الدستور دستور الوطن والاستقلال والعدالة الاجتماعية، ويجب محاسبة كل الفاسدين بدءا من…. وطلاس وميرو ومخلوف والشهابي، فمثلاً الشهابي عنده مشفي بقيمة ألف مليون دولار، وأطالب بأخذ نصف ما يملكونه لخزينة الدولة علي طريقة الفاروق عمر بن الخطاب. ولما حاول المحامي مهند الحسني أن يثني الدكتور صارم عن آرائه وأن يتراجع عن إفادته أمام النيابة، تمسك صارم بحقه في التعبير عن رأيه مشيراً للمعاملة السيئة التي يتلقاها (المنظمة الوطنية لحقوق لإنسان في سورية 5/5/2006 م). ولكي تكتمل الصورة لهذا الرجل الحر النبيل المعارض السلمي الديموقراطي، نضع بين يدي القراء والرأي العام عناوين الوثائق السياسية التي صدرت عنه وبعضاً من مضموناتها (من مذكرات ورسائل وبيانات وأشعار) وصل بعض منها إلي الطيف السوري المعارض، لأنه يصر علي المعارضة العلنية، مهما كلفه ذلك من تكاليف، وهي كلها تدل علي جرأته ووعيه وحرصه علي كشف ألاعيب النظام في مخادعة الطائفة، وتخويفها من بقية المواطنين، وحسه الوطني في ضرورة استعادة اللحمة الوطنية وتحرير الجولان، والإيمان بالوحدة العربية، وبالشريعة السمحاء، وتمجيد عظماء الأمة كالخليفة العادل عمر بن الخطاب، وزعماء سورية الذين حققوا الجلاء، وإدانة ما فعله الحزب الحاكم الفاشي: من تفرقة وسلب نهب منظمين، وإفساد للأجيال، وتخريب للشعب والوطن علي حد سواء، واستيلاء أسرة بعينها علي النظام والمغانم. وبالمناسبة يدرك القاريء أن معارضي النظام في الطائفة لا يقلون عن بقية المواطنين وعياً وعدداًً، لكـــــن لا يمكنهم جميعاً الكشف عن أسمائهم قبل الأوان، لما يتوقع من تعرضهم لاضطهاد مهــــــلك، كما أشار زعماء (جبهة الخلاص الوطـــــني السورية) لما سئلوا عن مشاركة المواطنين العلويين في الجبهة. فيما يلي مجمل الوثائق المتوفرة: 1 ـ أول رسالة أرسلتها للسيد الرئيس، مع وجهة نظر في أحداث النصف الثاني من القرن العشرين الرقة تشرين الأول (اكتوبر) 2001 م.2 ـ رسالة مفتوحة في قصيدة مفتوحة موجهة إلي الرئيس بشار تدعوه للمصالحة مع الإخوان المسلمين، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والمعارضة اللبنانية…. تشرين الأول (اكتوبر) 2001م.3 ـ رسالة إلي الرئيس بشار حول الفساد ومعالجته، وقد اقترحت سنة الفاروق عمر للمحاسبة. تشرين الأول 2001م.4 ـ نص الرسالة التي وجهتها للأستاذ علي صدر الدين البيانوني مراقب عام جماعة الإخوان المسلمين السورية، جواباً علي الدعوة التي وجهها فضيلته لي بمناسبة انعقاد (مؤتمر جبهة الميثاق الوطني) في لندن بتاريخ 24/8/ 2002م، مع تعليق (أخبار الشرق) علي رسالتي الرقة سورية 17/8/2002م.5 ـ ثلاثة بيانات، أصدرتها تباعاً باسم (الكتلة الوطنية) في مناسبات ذكري الاستقلال المجيد (عام 2002 17/4/2003م 17/4/2004م).6 ـ رسالة للرئيس بشار، في 27/6/2004م تتضمن: طالب رخصة بتشكيل (جبهة لأحزاب الكتلة الوطنية)، يتألف الطلب من:
أ ـ مقدمة تشخيصية لجذور الأزمة في الوطن والأمة.
ب ـ الحلول الاستراتيجية للخروج من الأزمة.
ج ـ برنامج أحزاب الكتلة الوطنية. 7 ـ رسالة إلي العميد حمد زيد رئيس فرع مخابرات اللاذقية بتاريخ 30/12/2004م وفيها تقويم إيجابي جداً (للمشروع السياسي لسورية المستقبل) الصادر عن جماعة الإخوان المسلمين، وتنديد بالحكم القائم.. (وسيصل الإخوان إلي الحكم قريباً وقريباً جداً وبالطرق السلمية وعبر صناديق الاقتراع….. وأن الحكم القائم هو بقية عملاء الفرنسيين… أما الذين جلبوا الاستقلال ورفضوا الدولة العلوية فهم: المجاهد الشيخ صالح العلي، وقاضي القضاة الشيخ سليمان الأحمد والشيخ علي كامل والشيخ عبد اللطيف سعود حلبكو والرافض الأكبر عزيز بك الهواش…) مع نسخة من المشروع السياسي الجديد لجماعة الإخوان المسلمين.8 ـ رسالة إلي قيــــادة البعث السوري حول تشكيل الكتلة الوطنية دمشق 1/3/2005.9 ـ بيان (الكتلة الوطنية) إلي شعبنا السوري حول الأوضاع السياسية الراهنة، يوم انتفاضة لبنان هو يوم استعادة الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان لكل الشعوب العربية والإسلامية عن الكتلة الوطنية دمشق 6/3/2005م. 10 ـ اتفاقية الكويز: وما هي نتائج الانقلابات العسكرية لعبد الناصر والبعثيين في مصر وسورية والعراق دمشق 13/3/2005م: لا يهين الشعوبَ إلا رضاها رضي الناسُ بالهوان فهانوا 11 ـ رسالة إلي محافظ الرقة (وائل إسماعيل) رافضاً التكريم الرقة 24/3/2005.12 ـ رسالة إلي قيادة البعث السوري 16/2/2005م.
ہ كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام8