اندحر الاجتثاث وانتصرت المصالحة الوطنية العراقية!

حجم الخط
0

د. ايمن الهاشمي

وأخيرا اندحرت سياسة الاجتثاث بكل ما تحمله من شوفينية وإنتقام وتجاوزعلي الواقع العراقي الأليم، وتلوح في الأفق تباشير إنتصار المصالحة الوطنية الشاملة، وهي خطوات ضرورية لابد منها علي طريق بناء العراق الموحد الذي يسهم جميع أبنائه بفرص متساوية في معركة إعادة إعمار البيت العراقي، والتمهيد الصحيح لطريق إنتقال السيادة والسلطة بشكل حقيقي غير مزيف إلي أيدي أبناء العراق الحقيقيين. وخابت مساعي أصحاب النزعات الانتقامية الشوفينية المصلحية الذين كانوا يروّجون بقوة لمشروع (الإجتثاث) سيئ الذكر. ولا أظن أن قرار اللجوء إلي المصالحة (قرار حكومي عراقي بإرادة خالصة ومخلصةً!!) قدر ماهو (ضغط أمريكي!)، (ورد فعل طبيعي أزاء تنامي قدرات المقاومة العراقية وتوسعها) وما ألحقته وتلحقه بالقوات الغازية من خسائر بشرية ومادية يوميا، وبعد أن تكشف للادارة الأمريكية بشكل نهائي (خوارالأرضية الشعبية الحقيقية) لقوي ما كانت تسمي بالمعارضة العراقية، أو قوي مؤتمر لندن 2002، التي تسلقت لمواقع الحكم في المنطقة الخضراء ببغداد. إذ ألقي رئيس جمهورية المنطقة الخضراء جلال الطالباني، ورئيس وزرائه نوري المالكي، خطابا الأحد أمام البرلمان العراقي تحدثا عن مبادرة (مشروع المصالحة العراقية) وقد صرح الطالباني مؤخرا أنها ستشمل المسلحين (أي المقاومة العراقية)، وأعرب عن الأمل بأن تفاصيل الخطة ستحسن علي الفور الأجواء السياسية وتعطي الأمل للكثيرين بأن العراقيين في مستهل مصالحة وطنية حقيقية. وسبق للمالكــــي أن أعلن عن هذه الخطة في السادس من حزيران (يونيو)، موضحا أن الهدف منها هو دمج (عشرات الآلاف) من قدامي أعضاء حزب البعث الذين خسروا وظائفهم في إدارات الدولة وفي القوات المسلحة بعد الاجتياح الأمريكي في 2003 وعملية اجتثـــاث البعث.

وتضمنت خطة المصالحة الوطنية 28 بندا من بينها اعفاء جميع السجناء الذين لم يتورّطوا في عمليات قتل ووضع جدول زمني لانسحاب القوات المتعددة الجنسية ووقف العمليات الامريكية ضد مواقع الجماعات المسلحة ووقف انتهاكات حقوق الانسان من جميع الاطراف. ونقلت صحيفة (التايمز) الأسبوع الماضي ان الخطة تتضمن (تعويض ضحايا الاعتداءات التي ارتكبت من قبل القوات العراقية والقوات متعددة الجنسية واعادة النظر في قانون إجتثاث البعث وتعويض آلاف العسكريين والمدنيين الذين (أقيلوا) من مناصبهم بعد الغزو. وكان المالكي قد اضطر لتأجيل إعلان الخطة بسبب وجود معارضة لخطة المصالحة داخل الائتلاف الشيعي العراقي الذي يضم حزب الدعوة والذي يعتبر المالكي واحدا من قيادييه. وكان ابراهيم الجعفري رئيس حزب الدعوة قد اعلن ان خطة المصالحة تحتاج الي مراجعة لعدد من فقراتها!! ، لكنه دعا الي تأييد حكومة المالكي من دون ان يتطرق الي خلافات بينهما حول هذا الموضوع. وتقوم الخطة طبقا للمصادر التي نقلت عنها (التايمز) علي وقف اعمال المليشيات وفرق الموت، وإطلاق سراح المعتقلين. وحاولت قوي محسوبة علي تيارات الحكومة أن تضع العصي في طريق نجاح المبادرة، من ذلك، ماقاله صدر الدين القبانجي (من المجلس الأعلي) في خطبة الجمعة بجامع براثا (نحن غير راضين عن إطلاق سراح الارهابيين!!)، كما أن هناك أقلاما وسياسيين محسوبين علي المجلس الأعلي والدعوة يكررون بصراحة معارضتهم للمصالحة الوطنية!!!. وقد أقر الطالباني صراحة بالدور الأمريكي في الدفع نحو هذه الخطة، بالقول ان (هذه الخطة جاءت بعد شهور من المحادثات بيني والسفير الامريكي في العراق زلماي خليل زاد وسبع جماعات مسلحة)، ورغم أن العديد من قوي المقاومة نفت وجود مثل هذه المحادثات مع الطالباني، إلا أن الأمريكان إقتنعوا مؤخرا أن لا أمن للعراق ولا أمن لجنودهم من دون (الاستماع للمقاومة)، و(إلغاء قرار الإجتثاث سيئ الصيت) و(إعادة عناصر الجيش العراقي) السابق المسرحين وإعادة مئات الألوف من البعثيين الذين طالهم الأذي بسبب قرار الإجتثاث، وحل مؤسسات الجيش والأمن والإعلام والتصنيع العسكري وغيرها.

وفي إطار سياسة إثبات (حسن النوايا) من قبل القوات الامريكية ومن قبل الحكومة، فقد اطلقت القوات الأمريكية والسلطات العراقية سراح حوالي 2300 معتقـــل عراقــــي ـ علي دفعات ـ في ضوء مبادرة المصالحة الوطنية في البـــلاد. ويذكر هنا أن وزارة حقوق الانسان العراقية إعترفـــت بان عـــدد السجناء في العراق بلغ حتي 30 نيسان (ابريل) نحـــو 28 الفا و700 شخص، تعتقل القوا ت الأمريكية 15 الفا و387 منهم. المسكوت عنه في الاجتثاث هو المبرر الحقيقي لهذه السياسة، وهو ان الاحزاب المساندة للاجتثاث تعتقد بان ترك الحرية للبعثيين في العمل الحزبي لن يكون في صالح مستقبلها السياسي حيث سيبدو البعث حينذاك ندا قويا لهم بسبب خبرة البعثيين في العمل السياسي واتساع اعدادهم وتغلغلهم في بنية الدولة العراقية، والمساندة التي يحظون بها في الوسط الشعبي العربي، وامتداداتهم التنظيمية القومية، الخطاب السياسي الوطني للبعث، بخلاف الاحزاب الطائفية المنتشرة اليوم والتي تقصر نداءاتها وعضويتها علي طائفتها وحسب، وبالتالي فان ترك البعثيين بلا إجتثاث قد يحملهم سريعا الي السلطة ثانية، وهو ما تخشاه الأحزاب المستأثرة بالحكم اليوم، أكثر من أي شيء آخر. ويبدو للمطلع عن كثب بان سياسة الاجتثاث قد عملت من حيث لا تقصد إلي تقوية حزب البعـــث وتراص تنظيماته بدلا من اقتلاعه. ولو كان لدي البعثيين الجرأة علي انتقاد ممارساتهم السابقة وخلق قيادات جديدة تستطيع التكيف مع الظروف الراهنة، وان يعلنوا تمسكهم بالعمل السياسي إلي جانب الأحزاب الأخري فالأغلــــب أنهم قد يجعلون الآخرين يلقون خلف ظهورهم ـ مكرهين ـ سياسة الاجتثاث.

والجدير بالذكر أن بول بريمر الحاكم الأمريكي بعد الغزو، أصدر قانون (هيئة إجتثاث البعث) ونص علي اتخاذ اجراءات ادارية رادعة بحق البعثيين أو المنتمين للحزب ممن هم بدرجة (عضو فرقة) صعودا بفصلهم من عملهم الوظيفي وعدم منحهم التقاعد، بغض النظر عن سجلهم الشخصي او الجنائي وقد صدرت قوائم تتضمن فصل عشرات الالاف ممن تبوأوا هذه الدرجات الحزبية التي وصفت بانها قيادية الامر الذي ادي الي احداث الارباك في عمل الدولة العراقية ومؤسساتها اذ ان معظم هؤلاء كانوا يمثلون عصب الدولة العراقية خصوصا وان عددا كبيرا منهم كانوا من حملة الشهادات العليا والاختصاصات النادرة مما افرغ الجامعات العراقية من العديد من كوادرها، كما أصدر بريمر قراراته بحل الجيش العراقي، وقوي الأمن الداخلي، ووزارة الإعلام، والتصنيع العسكري، وبنتيجته تم تسريح مئات الألوف من العراقيين إلي ميدان البطالة، وبالتأكيد كان إتخاذ تلك القرارات سيئة الصيت قد تم بمشورة عدد من قادة الأحزاب العميلة، وبخاصة (مؤتمر الجلبي) والمجلس الأعلي، وغيرهم. ولكن الأيام أثبتت (خوار منطق الإجتثاث) وأن قرار حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وبعض الوزارات كانت قرارات خاطئة بل تصل حد (الجريمة)، وكان ومازال ينبغي علي أمريكا أن تحاسب من ورّطوها بالنصائح المضللة، وعمقوا من ورطتها وخسائرها وأدوا بالحال العراقي إلي هذا المستوي السيئ من إنعدام الأمن وشيوع الفوضي ونزف الدم الذي لايبدو له نهاية قريبة، وعسي أن تكون مساعي (المصالحة) صادقة، وحقيقية، وجادة، ولتندحر سياسات التهميش والإلغاء والإجتثاث الشوفينية السيئة، ولتنتصر إرادة العراقيين في المصارحة والمصالحة الحقيقية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية