ثروت عكاشة يصمم له اجمل متاحف مصر بعد ان كان متحفه في كراج بشارع قصر النيل!
كتاب تذكاري عن الراحل محمود مختار:ثروت عكاشة يصمم له اجمل متاحف مصر بعد ان كان متحفه في كراج بشارع قصر النيل!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: اصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة كتابا تذكاريا عن المثال الرائد محمود مختار، وجاء الكتاب متضمنا ملحقا لأهم اعمال الراحل الكبير، الذي يعد واحدا من اعمدة النحت المصري (1891 ـ 1934). حيث رحل مختار ولم يجاوز ـ بعد ـ الخامسة والاربعين من عمره، ومع ذلك ترك تراثا ضخما من التماثيل الميدانية المهمة مثل تمثال نهضة مصر وسعد زغلول ومن حياة القرية قصائد منحوتة منها احزانها وافراحها ومشاعرها ورفع احداث الحياة اليومية الي قيمة التعبير الفني.ومعجزة مختار في فنه تتمثل في قدرته علي التعبير في اعماله عن الشخصية الوطنية وفي الابداع بأسلوب فني خاص برغم تيارات العصر المتعارضة وبرغم انقطاع تجربة مصر في النحت لآلاف السنين وبرغم ضجة المذاهب الفنية في عصره استطاع ان يعصم نفسه من الانسياق وراء بريقها فعاد الي تقاليد بلاده الفنية في عصورها المختلفة ولم يغفل في نفس الوقت تجارب الفن الحديث ولكنه تأملها بإدراك ووعي ثم ربط بينهما وبين التراث وترك لحساسية حرية التعبير لغته الخاصة. أما بالنسبة لسنوات الفن الثابتة فتبدأ هذه السنوات من تمثال نهضة مصر وتنتهي باعداد تمثالي سعد زغلول. سنوات لا تتجاوز في مداها عشر سنوات يتمثل فيها انتاجه الفني. ويعتبر تمثال نهضة مصر تعبيرا عن اليقظة القومية، فقد عالجه مختار بأسلوب من البلاغة التشكيلية تعددت فيه عناصر التعبير عن المعني مع التركيز واللون مع الحركة والتنوع مع وحدة الايقاع والترديد. وهو بالنسبة لمختار بداية الصديق نحو اسلوبه الفني، فالفلاحة هي نموذجه الذي تطور به وأودعه إلهامات عصره. كانت الفلاحة هي الحاضر وابو الهول هو التراث مجردا من عقائده الداخلية والميثولوجية التي تعني بالتطلع الي الخارج والنظر الي الاعماق وهذا هو محور فن مختار، النظر الي الماضي لاستخلاص العناصر الثابتة من الفن المصري، والتطلع الي الخارج، الي مذاهب العصر ومثالياته والي انفعالاته وأحاسيسه.وتعبر الفلاحة في فن مختار عن مراحل التطور الفني وترتفع من رقة الاعمال الفرنسية وحركتها ومن التسجيل الواقعي العابر، الذي يبدو في فلاحات المرحلة الاولي لتحقق في نهاية المطاف بلاغة الصمت واحساس السكينة والشعور بالاستمرار، وفي اعمال هذه المرحلة يكشف عن الجمال الداخلي الذي اكتسبه مختار من تأمل من بلاده القديمة. ويبدو فيها الترديد المنغم للخطوط والمسطحات مع تعبير بنائي يضفي علي هذه المنحوتات الصغيرة سمات النحت الكبير.نلمح هذا التطور في موضوعه الاصلي الفلاحة و الجرة فنراها في اول صورها تنبض بالرشاقة والحركة والعناية بالدقائق الي الجانب الواقعي من حياة الفلاحة بأسلوب يجمع الحيوية والرشاقة، ولكن طول تأمله لفن بلاده ايقظ في نفسه الاحساس بالجمال ونسي عنده مقدرة التحليل والتركيز فتوالت تماثيل الفلاحة والجرة في خطوط منحنية تعبر عن الدلال والليونة في تمثال نحو ماء النيل وتردد ايقاعا موسيقيا رائعا كأنها نغم يوقعه النهر في لحن تشكيلي هامس ومرة في انحناء مستدير تتمثل فيه حاسة التكوين البنائي وتبسيط الكتلة مع انسياب الخطوط في تمثال الفلاحة.. ترفع المياه وتحدد النسب والابعاد ونقط التقابل علي نحو يحقق اقصي ممكنات الايقاع التشكيلي وتمثال علي شاطئ النيل فلاحة تصلح رمزا لشعب بأسره في خطوط وحدة متناسقة تحقق التوازن البنائي للتمثال، ففي يدها الجرة التي تضعها في شاعرية تشكيلية علي صدرها ليكون ايقاع يتردد مع باقي خطوط التمثال ومسطحاته وفي استعمال الخط المستقيم وما يدخله عليه من تكسير فيتحول الي براعة تدل علي نضج الفكر الفني. أما الخطوط الخلفية للتمثال وتقابلها وابتعادها واستخدام التجريد فهذا استيعاب لتجارب الفن الحديث دون اعتناق شعاراته ودون التقيد بأي اتجاه وهي ظاهرة واضحة في فن مختار فهو يستوعب تجارب الفن الحديث ويستخلص منها ما يتفق مع احساسه الفني، ثم يصوغ ذلك في حبكة بنائية محكمة، مرة اخري يبدو التكوين البنائي وموسيقية الخط في مجموعته العودة من النهر، وما اودعه داخل اطار وحدتها التشكيلية من تفاوت في الحركة والايقاع جعلها تبدو تقاطعا من النغم المنحوت.لقد كان مختار رمز القدرة المصري علي الاحتفاظ بأصالته مهما حلق بفكره وجاب الأفق ما دامت اقدامه ملتصقة بأرض بلاده.ولد الفنان محمود مختار في العاشر من ايار (مايو) عام 1891 ببلدة طنبارة من قري المحلة الكبري وكان والده الشيخ ابراهيم العيسوي عمدة هذه القرية، هاجر الي قرية نشا من قري محافظة المنصورة وهناك بدأت معالم مواهبه الفنية تتفتح، ثم قدم الي القاهرة عام 1902 وعاش في احيائها القديمة. التحق بمدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة وكانت آنئذ بحي درب الجماهير عام 1908 وكانت هي السنة الاولي لإنشائها، ثم سافر الي باريس عام 1911 وعرض نموذجا لتمثال نهضة مصر بمعرض الفنانين الفرنسيين عام 1920 ونال عنه شهادة شرف. وفي عام 1922 دعا بعض المفكرين الي اقامة التمثال في أحد ميادين القاهرة وتم تنظيم اكتتاب شعبي لاقامة التمثال وثم رفع الستار عنه عام 1928. وقد ساهم محمود مختار في تنظيم الحركة الفنية وانشاء مدرسة الفنون الجميلة العليا وايفاد البعثات الفنية الي الخارج فضلا عن اشتراكه في عدة معارض خارجية بأعمال لاقت نجاحا. ثم أقام معرضا خاصا في باريس عام 1930 وبفضل هذا المعرض عرفت المدرسة المصرية الحديثة في الفن وسجلت ميلادها امام النقد الفني في العالم، وقد أقام محمود مختار تمثال سعد زغلول في الفترة بين عامي 1930 و1932. وبوفاته عام 1934 تكونت جماعة اصدقاء مختار فن مختار لترعي فنه وتحيي ذكراه، وهي جماعة كانت تترأسها السيدة هدي شعراوي التي رعته وكانت لها اياد بيضاء علي الحركة الفنية في مصر. وفي عام 1938 رأت وزارة المعارف المصرية ان تنفذ وعدها بتكريم المثال الرائد بأن تقوم الادارة بانشاء متحف لأعماله ومقبرة لرفاته. ثم قامت الحرب العالمية الثانية وحال قيامها، واضطراب الظروف العالمية دون اعادة بقية تماثيل مختار الي مصر. وعندما استقرت الامور عاد التفكير في تجميع بقية الاعمال واقامة المتحف. وعندما تولي الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي وزارة المعارف خلال فترة حكم الوفد (1950 ـ 1952) عمل علي اعادة بقية آثار مختار من باريس لاعداد المتحف الذي تعهدت الدولة بإقامته. وكان متحف الفن الحديث مقاما في سراي الكونت زغيب في شارع قصر النيل بجوار قصر السيدة هدي شعراوي وكلاهما تم هدمه عام 1963. وقد كان في ركن حديقة المتحف بناء مستقل كان يستخدم في السابق ككراج واسطبل للخيول.في هذا الوقت كان الفنان راغب عياد زميل مختار يتولي منصب مدير متحف الفن الحديث فاتفق مع وزير المعارف الدكتور طه حسين علي تحويل هذا الملحق الي متحف مؤقت لأعمال محمود مختار بهدف المحافظة عليها ولاستخدام هذا المتحف كنقطة تجميع لبقية آثاره.وقد افتتح هذا المتحف تحت اسم متحف مختار يوم 27 اذار (مارس) 1952 وكان يضم 59 تمثالا من الحجر والبرونز والرخام الي جانب اعمال رودان ومايول.وعندما تولي الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة بين اعوام 1958 حتي 1962 حرص علي اقامة بناء خاص جديد، خاص بمتحف محمود مختار فكان اول متحف من نوعه شيدته مصر في بقعة جميلة بوسط العاصمة القاهرة وفي مواجهة دار الاوبرا وبالتحديد في حديقة الحرية بأرض الجزيرة تكريما للمثال الرائد وتنفيذا لما سبق وتعهدت به الدولة، وهو الموقع الحالي للمتحف، وكان الدكتور ثروت عكاشة قد افتتحه في تموز (يوليو) 1962 ضمن الاحتفال بمرور عشر سنوات علي ثورة 1952 وقد وضع التصميم المعماري للمتحف المهندس الفنان رمسيس ويصا (1911 ـ 1974) ثم تأسست جمعية اصدقاء متحف مختار في 16 نيسان (ابريل) عام 1985 وهي جمعية تهدف الي التعريف بفن محمود مختار.0