قطاع العبور الي التغيير في سورية لا يمر بمحطة براميريتس
خالد حاج بكريقطاع العبور الي التغيير في سورية لا يمر بمحطة براميريتسالعديد من نشطاء المعارضة السورية، أصيبوا بخيبة أمل نتجت عن التقرير الهادئ الذي قدمه السيد براميريتس مؤخرا ، مثل هذه الخيبة، كانت تلوح في الأفق أساسا قبل تقديم التقرير إلي الأمم المتحدة، عندما تراوحت التوقعات، بين تقرير عادي يصف المجريات وينأي عن الاتهامات، وآخر يتهم ويفجر قنابل من العيار الثقيل.مع الأسف أن مثل هذه العقلية الخيبوية لا تستطيع أن تدفع الجهود السورية للتغيير قدما، بل إنها قد تقدم خدمة مجانية للاستبداد، الذي يتربص بأولئك المقاتلين منذ أمد مديد بفكرهم وقلمهم، لاستنهاض حالة شعبية تفهم التغيير، وتخلقه، كونه معبرا عن مصالحها في وطن ديمقراطي حر. بل إن حالة الانتظار، التي استحالت ترقبا كابوسيا لتقرير براميرتس، لم تنطو علي أداء سياسي محترف، بقدر ما انطوت علي عقلية ثأرية عتيقة يمكن أن تسمي بقايا أداء سياسي قبلي، فإن لم أستطع إحداث التغيير بيدي فما أسهل أن يتكفل الآخرون بذلك، وما أرخص الكلفة!لا يمكن البناء علي هذه العقلية؛ التي تفتقد الرؤية الصبورة الواعية الواسعة لسبب بسيط: أن فقه الانتظار يجمد حالة العمل الواثق الدؤوب، وأعود لأؤكد، أنه يخدم السائد المستبد، ولا يهدده بأي حال من الأحوال، بل إن مثل هذا الفقه الرخيص الكلفة، إنما يدفع إلي حالات حزن وانطواء، ما أسهل أن تنفجر غضبا يستطيع صاحبه أن يلتمس له مليون سبب! فلا يتجلي هذا الغضب، عندما يتجلي في حقيقته، فعلا سياسيا دؤوبا وحركة تنمو وتتوسع بل يتمظهر غضبا ممضا بائسا في وجه شعب يستيقظ في الصباح ليبحث عن قوت أو خيمة!لا يستحق الشعب السوري أن ننفجر في وجهه غضبا عندما لا تندفع أكثر، حركية سياسية عالمية لمساندة التغيير في وطنه، فكلنا يعرف حجم العوز والفاقة اللذين أوغلا إيلاما في الجسد السوري، وترافقا مع استئصال مبرمج لكل ما هو سياسي من أفق وعقل الفرد من أبناء سورية، ما حوله ببساطة إلي متعب تقوده قدماه عن حق، إلي المخابز بدلا من أن تهوي به إلي محاكم أمن الدولة المتربصة بأبسط تعبير واع عن اختلاف ومعارضة سياسية. لا يجب علي من يفترضون أنهم نخبة في الوعي والاعتراض السياسي، أن يشتركوا مع الاستبداد في حفل زار وحشي لجلد شعب بائس يحتاج إلي الخبز والحرية. فحالات الانفجار خيبة، فغضبا، من عدم مساندة السيد براميرتس لآمالهم بمعاقبة نظام، لا معني سياسيا لها عندما تندفع هائجة في وجه السوريين! إلا إذا افترضنا أن ارتطام عقلية الثأر بالحائط الفولاذي للواقعية، ستفضي إلي شرر يمكن أن يشعل نارا!!يحدث في العادة أن يصاب ذوو النيات الطيبة بالخيبة، ولكن تحولا دراماتيكيا في الخيبة بحيث تغدو غضبا، فانفجارا في وجوه من لا ذنب لهم شأن يميز سياسيينا العرب، الذين فقهوا أن أنظمة استندت إلي دعم خارجي لن يقوي علي إسقاطها إلا عامل خارجي فحسب، رأينا من هؤلاء الخائبين كثيرا من المنكفئين الحزاني، عندما هوي الاتحاد السوفياتي إلي انكسار فحطام، رأينا كيف أصيبوا بآلام مبرحة نظرا لتهشم مثالهم الثوري، وراحت أدراج الرياح أفكار العنف الثوري وأبدية التحولات الثورية، هذه الأفكار التي طالما حولوها إلي أغنيات حماسية وقصائد عصماء مدوية في صياغتها وتأثيرها، وكونوا من خلالها أفقا، يشتمل علي تحليل كامل مكتمل مقدس للماضي والحاضر والمستقبل، فنافسوا بيقينيتهم يقينيي الدين وتفوقوا عليهم أيضا، رأيناهم كيف فقدوا توازنهم، وصبوا جام غضبهم علي شعوب اتهموها بقصور الوعي وانعدام القابلية لحمل أفكارهم وصولا إلي تكوين عوالم مثالية صافية عدنية لم توجد ولن توجد إلا في أخيلتهم. في سورية، رأينا طليعة مثقفة غاضبة مزمجرة، تصرخ أن الشيوعية لم تسقط والماركسية اللينينية لم تفقد ألقها وقابليتها للتطبيق، سمعناهم ينظِّرون لسقوط الشعب في ميادين التحويل الثوري نحو الاشتراكية، وينفون سقوط الشيوعية بساحات الشعوب!انقسم هؤلاء الطليعيون بعد هدوء عواصف غضبهم، إلي ثلاث فرق تعكس تفاوت مستويات الوعي، ومدي التماسك النفسي لأنتلجنسيا أصيبت من قصورها ومحدودية فهم إمكانات مجتمعها بارتباك فجائعي وكوميدي! فريق استمر في غي عظمة النظرية وبلاهة الشعب، وآخر انكفأ إلي عتمات الماضي، وثالث وجد في الليبرالية إلها بديلا عن مثاله المهشم! مؤسف جدا أن تعامل النخبة السورية مع الفكر كان من الفظاظة أن حول هذا التعامل من ممارسة براغماتية إلي ممارسة عبودية، ومؤسف أيضا أن فقه الاستعباد استمر، حتي عندما تبني كثير من أفراد هذه النخبة أفكارا ليست إيديولوجيا بأي حال من الأحوال! فلم تبد الديموقراطية في أدبياتهم ـ إلا من رحم ربي ـ مجرد منهجية تضمن الحرية السياسية قي القول والاختيار، ولم يجسد الخيار الليبرالي في منطوقهم الإعلامي ممرا أساسيا إلي الفرد الحر العلماني الديمقراطي حتما، وإنما أخذوا يعاملون أفكارهم معاملة عابد مؤمن خاشع لإلهه الجديد!!هذا بالضبط ما يفسر مراوحتهم بين الحماسة المتوهجة الشعرية تارة، والانكفاء المصدوم البائس تارة أخري، أعني مراوحتهم قصيرة البصر والبصيرة بين إيمان متعصب عبودي لا يرحمون به أنفسهم ولا فكرتهم ولا شعبهم من جهة، وغضبة عارمة تستولي عليهم فيوجهونها إلي من يعدونه كل مرة بالسمن والعسل والحرية من جهة ثانية! تلوح لهم القدسية ببركتها العامرة وحنانها الجذاب فيتحمسون ويملأون الأزقة قصائد لاهبة ، فإذا ما تباطأ رهانهم، أو ظهرت مصاعب في المنعطفات، راحوا يكيلون السباب لشعبهم، محملين السوريين أسباب التأخر، وعلل الذل وبقاء الحال علي ما هو عليه!لا ننتج شيئا ولا نبدع فكرة ولا نلتحق بالعالم ، نقسو علي أنفسنا وأبنائنا وجيراننا وأعدائنا ، نرتبك في حضرة عصور متقدمة ونخسر رهاناتنا المتلاحقة فلا نقرأ ولا نفكر ولا نتأمل بل نمارس فعلين رجيمين: الانتظار التراجيكوميدي، ونوبات غضب متلاحقة نبدو في أثنائها علي استعداد للاستغناء عن كل ثوابت البشرية.أتحدث هنا عن معارضة لا تقرأ، فإن قرأت لا تفهم ، وإن هي فهمت لا تعمل! وأعرف أن التغيير آت لا محالة، وأنه سيحدث ـ بطبيعة الحال ـ من خلال تقاطع حقيقي بين عوامل خارجية وداخلية، وأن عصرنا لم يعد يحتمل أنظمة الثبات والديمومة والبقاء إلي الأبد، ما يجعل هذا التغيير، سورية أولا، وشعبيا أولا، وداخليا أولا وأولا وأولا!السوريون متعبون وليسوا جبناء، ومهمشون وليسوا أفاقين منافقين، ومظلومون وليسوا غافلين ، وهم بنو وطني وأبي وأمي، وبدونهم لا قيمة للدنيا بأسرها، لأنني بدونهم لا قيمة لي، وأنا أعرف نفسي ووزني وقيمتي!لا أربت علي كتف الشعب وأسامحه فلست أراه مخطئا، ولا أرشو أحدا، ولا أرفع شعارات، ولم يخطر في بالي مرة أن أزايد في الوطنية، ولكنني أري بكل بساطة أن العبور إلي التغيير قد لا يمر بالسيد براميريتس، لأن قطار التحاق سورية بالعالم سيسبقه!9