ادريس الخوري ذاكرة الماكينتوش

حجم الخط
0

ادريس الخوري ذاكرة الماكينتوش

عبد العزيز أزغايادريس الخوري ذاكرة الماكينتوشالحديث عن الكاتب الكبير ادريس الخوري مهمة شاقة، وتحتاج الي غير قليل من العين، كما تحتاج أيضا الي انصات سابق وعميق، لأن الأمر لا يتعلق بكاتب سهل أو مستنسخ، وانما بكاتب حقيقي خبر الحياة علي طبيعتها الخام، الحياة نفسها التي تُضحك وتبكي، تمنح وتأخذ، الحياة التي تأتي بالتقسيط لتذهب دفعة واحدة، دون أن تسرب ولو كلمة اشعار واحدة بموعد التسلم. ولأنه لا يلتفت الي ذلك كثيرا، يعبأ بهذا الأمر، فقد نأي بنفسه، منذ القرن الماضي، عن طباع أولئك الكتبنجية الذين يستثمرون عواطفهم في بورصة العلاقات العامة لترصيص ألقاب جديدة الي جانب أسمائهم الشخصية. وغالبا ما يسخر من أولئك الذين يعرقون وينشفون من أجل مهر جوازات سفرهم بأختام لفيزات اضافية، حتي لا تكاد تعثر عليهم الا في المطارات، يتعقبون الطائرات التي ستحط باتجاه أسابيع الصداقات الثقافية. ولأجل ذلك، يعتبر الخوري من الكتاب القلائل الذين بقوا أوفياء لصفاء معدنهم وأصولهم البروليتارية المعتزة بكرامتها. ربما لهذا السبب بالذات، ما زال يهزمنا بطول البال، كلما أمعنا في منافسته في صداقة الليل. متفرغ للخطر، مكتف بمحصول آخر اليوم.يحب القراءة والكتابة والملفات (أو الضواسة علي حد تعبيره)، ولا يتعب نفسه بتعقب اللغة الفرحة بأنوثتها. هو هكذا، يكتفي من الكثرة بالقليل الصادم العميق. ولا يركض خلف شبهة الشهرة بساقي تلك النعامة التي خلدها الشعر. من هواياته الكثيرة حراسة الليل من النوم، وتحريض الاصدقاء علي تبديد التماسك الضحل الذي يورثه كسل القناعات المزيفة. ولأنه كذلك، لا يكبر بسرعة فائقة. السنوات تغمز اليه كلما مرت بجانبه، ثم تنسي أن تضيفه الي عدادها الذي لا يفلت الأشباه.وبسبب هذا الحيف الذي لصالحه، يحرص علي توزيع صداقته علي كل الاعمار، وهو نفس السخاء ونفس الجهد الــــلذان يوظفهمـــا في القراءة، فلا إرباك لديه حين ينتقـــــل من قراءة المقالة السياسية أو الثقافية أو العلمية، الي القصة أو الرواية او القصيدة أو مشاهدة المسرحية أو الفيلم أو اللوحة التشكيلية وما الي ذلك سواه. وبنفس المتعة يستطيع أن يكتب عن كل ذلك دون ان تصاب حاسته اللغوية بالاتلاف أو الشقشقة. الأكيد أنه لا يظن نفسه سوبر مان الكتابة.. ولا هو هايلي جبريلا سيلاسي الابداع، ما دامت كتابته تبقي دائما وفية لذلك الحس النقدي البسيط، المباشر والواضح الذي يكتري غرفة فوق سطح عمارة الجرأة والصراحة.وهو الي ذلك، قنوع بارث أقدامه، يحن دائما الي السكن في الهواء الطلق، أي منه الي السماء مباشرة، حتي اذا ما راقت له المجازفة بمخاطبة الغيم، استطاع فعل ذلك وبصوت عال، دون أن يزعج الموتي. سكنه الفاره هو ذاكرته، ذلك الصندوق المخيف الذي يحلو له أن يتباهي به أمام الكوروندير الذي يخترق رؤوس الآخرين. وليس في الأمر، كما قد يبدو للبعض، أي نصيب من الخيال. ويحدث أن أخاف أحيانا حين يحدثني عند لقاء تم في بداية الستينيات من القرن الماضي مثلا، ثم يبدأ في ذكر أسماء كل الحاضرين ووصف المكان ونوع المأكولات والمشروبات، لينتقل بعد ذلك الي سرد بعض الحوارات التي دارت في ذلك القرن. نفس القوة في الاستحضار أيضا تكون دقيقة حينما يتعلق الأمر بعنوان مسرحية أو شريط سينمائي واسم مخرجه وبطله الرئيسي أو بطلته الحلوة، أو عنوان أغنية واسم مغنيها وملحنها وكاتب كلماتها، أو اسم رواية أو ديوان شعر أو مجموعة قصصية، وحسب ترتيب اصدارات المؤلف، مع ذكر سنوات اصدارها (من فضلك). وحتي لا يذهب مكر البعض الي أية نميمة جانبية، نلفت الانتباه الي أن ما تحفـــظه ذاكرة الرجل يخص الكـــبار والعميقين فقط وليس الأشباه الطارئين علي الكتابة وعلي الابــداع. ولأني أعرف أن كلامي هذا يخدش بعض خجله وحيائه، فسأكتفي بهذا القدر، مدعيا بأن الخوري لا تكفيه شهادة واحدة أو ندوة كهاته للاحاطة بشخصه وبكتابته. شاعر وكاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية