فيلم يكشف المستور في حياة المراهقين: أوقات فراغ وتراجيديا السقوط والفرار من الواقع
فيلم يكشف المستور في حياة المراهقين: أوقات فراغ وتراجيديا السقوط والفرار من الواقعالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: في تأكيد للرؤية الاستشرافية الخاصة بصعود أسهم السينما الإنسانية وتراجع أفلام الكوميديا بعد تأثر السينما الروائية الطويلة بتيار الوعي في الأفلام القصيرة، جاءت التجربة الجديدة للمخرج محمد مصطفي والسيناريست عمر جمال مبلورة في فيلم أوقات فراغ تنذر بتغير خارطة الواقع السينمائي في المرحلة المقبلة، فالفيلم يضعنا أمام نمط درامي مختلف تماما عما سبق طرحه من قبل، اذ ينقلنا عبر رؤية تراجيدية إلي عالم الشباب لنعايش واقعا منفصلا عن حياتنا الاجتماعية المألوفة قوامه الانحراف ـ الانحراف بكل دلائله الأخلاقية والجنائية والذي يتأرجح ما بين الإدمان والقتل والتورط في علاقات مشبوهة تسوق الأبطال الخمسة إلي الهاوية.نماذج يجسدها الفيلم بعفوية شديدة ويحصدها في مرحلة المراهقة للأبطال الجدد الذين تم اختيارهم من غير المحترفين كي يكون القياس بينهم وبين ما يمثلونه من شرائح اجتماعية وشخصيات قريب إلي حد كبير، وهو ما حدث بالفعل وألقي بظلاله علي الحالة الدرامية التي كانت أقرب إلي التسجيل منها إلي التجسيد، حيث لم يكن هناك فروق جوهرية بين الظواهر التي تناولتها الأحداث وبين ما نراه في الواقع، وهذا التداخل جعل كثيرا من المشاهدين والنقاد يتعاملون مع الفيلم بوصفه نقلا حرفيا لما يدور في الحياة اليومية لهذه النوعية الخاصة من الشباب دون محاولة لابراز الجانب الفني المتصل بروح الابداع السينمائي في عملية التناول والتعبير وخلق الصراع الدرامي، وأنه لا يمثل أكثر من مادة خام جيدة ينقصها التشكيل، وفي الحقيقة أن هذه الرؤية أغفلت جانباً مهماً أتصور أن الالتفات إليه كان ضروريا، حيث اعتمد المخرج علي صوت الايقاع الداخلي للأحداث غير مبال بتراتبية المشاهد أو منطقيتها كي يخلق حالة من الفوضي المقصودة ويشعر المشاهد بأن شيئا ما غير طبيعي يحدث، فلم يكن معنياً بالتسلسل الدرامي قدر ما كان مهموماً بتسليط الضوء علي مواطن الخلل في سلوك الشباب الذين يرون الحياة بعيون عمياء ويفرغون إحساسهم بالإحباط والفشل كلما سنحت لهم الفرصة بفعل شيء مغاير لثقافة المجتمع كنوع من التعبير عن تمردهم ورفضهم لما يتعارض مع حريتهم، فهم يلجأون الي المخدرات كوسيلة سهلة للهروب من المسؤولية أو المواجهة وينشدون لذتهم في اقامة علاقات جنسية خارج الاطار الشرعي لأنهم يرون في المؤسسة الزوجية سجنا وحجرا علي حريتهم، وهكذا يتخيرون لأنفسهم حياة خالية من الانضباط ومليئة بالعبث، الي ان يدخلوا في اختبارات حقيقية فتتكشف لهم الحياة ويدركون ان هناك مسؤوليات وواجبات، خاصة بعد أن يصدموا بموت أحد اصدقائهم فيلوذون بالدين كحماية ويبدأون في قراءة القرآن وأداء الصلوات، وهنا يقف المخرج محمد مصطفي قليلا عند هذا التحول ليضيء الإشارة الحمراء ويؤكد أن الغطاء الديني للأبطال المنحرفين ليس إلا رد فعل للتجربة القاسية التي مروا بها، وسرعان ما تحدث الردة ويعودون الي طبيعتهم الأولي كعناصر خارجة علي القانون رغم إرادتها، فهو يحمل المجتمع المسؤولية تجاه هؤلاء الشباب أو علي الأقل يري أن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع، وقد بدا ذلك واضحا في العلاقة المضطربة بين الشباب وأسرهم، خاصة الأب والأم اللذان أرادا لأبنائهما أن يكونوا صورة مكررة منهما، فضلا عن ضيق فرص العمل التي تبددت بتفشي المحسوبية والرشوة وعودة الطبقية مرة أخري وزيادة نفوذ الأغنياء وكلها عوامل أدت إلي شيوع حالات الإحباط وفقدان الثقة في القائمين علي تحقيق العدل وسوء الظن بالحكومة بعدما ثبت عدم جدوي الاجتهاد والكفاءة.كل هذه الصور والانتقادات الضمنية احتشد بها فيلم أوقات فراغ في نظم متفرق تعتمد قافيته علي وقع الصورة والإحساس بالمشهد، وهذا هو التميز الفارق بين هذا الفيلم والأفلام الأخري التي تصدر الحكم والمواعظ للمشاهدين أو تلك التي تضع في أولوياتها تغييب وعي المتلقي كي تظفر بما في جعبته من نقود، وأظن أن القصور الوحيد في رؤية محمد مصطفي وعمر جمال هو عدم التحذير للسلبيات وردها الي مسبباتها الحقيقية وهو غياب الأجهزة الحكومية عن دورها في التوعية والاحتواء والتركيز الإعلامي علي تنجيم النماذج الغربية واعتبارها قدوة للشباب، فكان واجبا عليها إعمال السخرية كأداة للمعالجة لوضع الظاهرة في حجمها الطبيعي وبالشكل الذي تستحقه، ولكن رغم هذا لا تعني هذه الهفوات أن الفيلم افتقد لكثير من مقوماته، وإنما ظل متماسكا وقويا حتي المشهد الأخير الذي لخص المعني الكلي للمضمون وهو تعلق الأبطال بين السماء والأرض داخل الأرجوحة بمدينة الملاهي بعد انقطاع التيار الكهربائي وعدم الالتفاف لصرخاتهم واستغاثاتهم، وربما يكون ذلك هو المشهد الرمزي الذي يضع الشباب في وادي والحكومة والمجتمع في واد آخر!ويأتي الأداء التمثيلي للأبطال الجدد أحمد حاتم وصفا وكريم قاسم وعمرو عابد وأحمد حداد ورانيا البحيري في مقدمة الامتيازات التي قدمها المنتج حسين القلا لهذه التجربة فقد أتاح لهم الانتاج السخي فرصة العمر في إثبات جدارتهم كممثلين يمتلكون إمكانيات فنية تؤهلهم للمنافسة في موسم سينمائي زاخر بالأعمال ولا سيما أن هناك فيلمين كبيرين علي وشك النزول إلي الحلبة هما حليم و عمارة يعقوبيان واللذان يمثلان رمانة الميزان التي ستحفظ توازن السينما وتنقذها من الانهيار.إن أهم ما يميز فيلم أوقات فراغ أنه عودة للدراما الانسانية التي افتقدت منذ فترة، فضلا عن انه خطوة علي الطريق الذي بدأ بفيلمي سهر الليالي و أحلي الأوقات ، مع الاحتفاظ بحق التميز والخصوصية لكل من الأفلام الثلاثة.2