الأردن وسورية: تحريك الحدود.. مجاملات عبر الإعلام.. عقدة في المجال الإستراتيجي .. إرادة مشتركة لتجميد الخلافات وقلق من تحالف طهران ودمشق

حجم الخط
0

عمان ـ “القدس العربي” ـ من بسام البدارين: ترفض حتي الان قواعد وشروط اللعبة بين عمان ودمشق مغادرة المساحة الفنية باتجاه الدائرة السياسية، فالعلاقة السياسية علي المستوي الاستراتيجي مازالت مغلقة علي الاتصال والتنسيق وكذلك التفاهم، والخلافات في المواقف السياسية المفصلية مازالت قائمة، لكن في المستوي الحكومي المتعلق بكل ما له علاقة بين بلدين تربطهما حدود عريضة يمكن القول بان العلاقات متقدمة نسبيا.

بهذا المضمون يتوجه موكب رئيس الوزراء الاردني معروف البخيت برا الي دمشق اليوم الأربعاء في محاولة لتحريك الجمود بعد ان وافقت سورية علي عقد اجتماع اللجنة الوزارية العليا للبلدين وهي لجنة يفترض ان تناقش كالعادة قضايا واجراءات الحدود والنقل البري والتجارة وبروتوكولات الجمارك والزراعة والمياه. والتمكن من عقد هذا الاجتماع يشكل في الواقع السياسي خطوة للامام لكنها خطوة ليست متقدمة في البعد الاستراتيجي وان كانت تنطوي علي (تحريك متبادل) بارادة سياسية مسبقة للمياه الراكدة منذ اكثر من عام بين البلدين. ومن الواضح ان دمشق تشجعت لعقد الاجتماع الوزاري الذي سبقه توقيع بروتوكولات فنية واجرائية من اللجان التحضيرية بعد ان قدرت خطوة عمان بابعاد معارض سوري بارز كان قد خطط للدخول الي الاردن حيث رفضت السلطات السماح له بالاقامة وطلبت منه المغادرة. والخطوة الوزارية في الواقع محصلة ايضا لتقاربات صغيرة ومحسوبة حصلت تباعا في الاونة الاخيرة فخلال عيد الاستقلال الاردني الشهر الماضي تحدثت صحف دمشق الرسمية عن دلالات عيد الاستقلال وعن منجزات القيادة الاردنية كما رصدت مجاملات لها معانيها للاردنيين من قبل الاعلام السوري. وبعد ذلك ترددت انباء عن معلومات امنية قدمتها عمان لدمشق ولها علاقة بنشاطات كانت ستنفذ لاحدي خلايا تنظيم القاعدة وطوال ستة اسابيع ماضية كانت جبهة الاعلام الاردني باردة جدا باتجاه السوريين حيث اختفت بتعليمات وقرارات مقالات متشنجة كانت تتهم سورية، حيث حصل احتواء لاساءات مقصودة كانت قد برزت علي لسان مسؤولين سوريين بحضور قادة واقطاب في جماعة الاخوان المسلمين الاردنية. وهذه الاجواء عموما مكنت الطرفين في الواقع من التمهيد جيدا لعقد اجتماع اللجنة الوزارية العليا الذي تأخر عقده اصلا بسبب معارك شد وجذب علي مستوي الصحافة بين العاصمتين وهو اجتماع سبقته زيارة خاصة لوزير التعليم العالي السوري للاردن بحثت افاق التعاون المشترك. لكن هذه التقاربات في المستويات الحكومية الادني قد تؤسس مستقبلا لحالة عودة للتفاهم السياسي، الا انها الان لا تعكس انطباعات ايجابية في هذا الاتجاه حيث ان حجم الخلافات السياسية بين البلدين كبير جدا، ولا يقف عند حدود الخلافات حول ما يجري في العراق وفلسطين، بل يتعداه حول ما يجري في لبنان وفي سورية نفسها والخلافات تصل الي مستويات اكثر عمقا والخلافات تصل عندما يتعلق الامر بسياسات امريكية في المنطقة ومن هنا فاطلاق مستويات متقدمة جدا في البعد السياسي او الاستراتيجي مسألة ليست سهلة مرحليا بل قد تكون صعبة في الواقع الا ان عدم وجود خصام او تبادل للاتهامات مؤشر يساعد في البحث علي مستوي القيادة والسياسة عن مناطق مشتركة قدر الامكان في ما يتفق الطرفان في الواقع علي ان الحدود النشطة بينهما ينبغي ان لا تتأثر باجواء البرودة السياسية واجواء الجمود. وفي الاردن وعلي مستوي مؤسسات صناعة القرار هناك قناعة مطلقة بان سورية مخطئة في الاجتهاد لانها تضع كل بيضاتها في السلة الايرانية علي حساب العلاقات مع الاردن والسعودية والعراق الجديد ولبنان في نسخته الحالية. ومقابل هذه القناعة تبرز بين الحين والآخر في اجتماعات الحوار النخبوية قناعة موازية بان التكتيك الافضل في التعامل مع الملف السوري هو اظهار الحرص علي اخراج سورية من الحضن الايراني عبر اجتناب عزلها والابتعاد عنها وعبر التقارب منها قدر الامكان، ولذلك عمل الاردنيون بنشاط في الاونة الاخيرة علي احياء بؤر التفاهم بين سورية والسعودية ويعملون الان وفقا لمعادلة تقول بان سورية ينبغي ان تعود الي الحضن السعودي وتترك الحضن الايراني. والمسألة الاخيرة اهتمت بها عمان جيدا مؤخرا علي هامش مباحثاتها مع الامريكيين حيث تؤشر الحركة الدبلوماسية الاردنية الي ان سورية يتوجب اعادة تصنيفها واعادة انتاج دورها الاساسي في المنطقة والتكامل مع الملف السعودي الا ان نجاح ذلك في الواقع مرهون الان باهتمام السعوديين بالامر واقناعهم فعلا بان النظام السعودي هو حاجز الخطر الاول اذا ما تفوقت ايران. ويعتقد علي مستوي مصادر المعلومات بان كلاما استراتيجيا بهذا المعني قيل بحضور السعوديين او عبر التلاقي معهم، وبالمقابل لا تظهر دمشق الاهتمام الكافي بترك الحضن الايراني الذي يشكل لها مرحليا درب النجاه الوحيد المتاح في ظل الاستهداف الامريكي وفي ظل حركة معارضتها الاخوانية وقطبها المنشق عبد الحليم خدام. ولذلك لم تترافــــق الليونة والنعومة والمجاملة السورية في اتجاه الاردن مع تغيير جذري في الخطاب السوري في حيثياته الايرانية حصريا، فالرئيس بشار الاسد وقبل يومين من استقبال رئيس الوزراء الاردني في دمشق ادلي بحديث اعتبر فيه ايران من عوامل الاساس في معادلة الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط.

وعمان بالمقابل تعرف ان الخلاف مع دمشق حول طموحات النفوذ الايراني مسألة لا يمكن تجاهلها ولا تجاوزها عبر لقاءات وزارية لكن يمكن اسقاطها مؤقتا وتكتيكيا لتعزيز نظرية التقارب اكثر مع سورية ورد تحيتها ومجاملتها بأفضل منها علي أمل ان تتغير لسبب او لآخر خارطة التحالفات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية