الإخوان المسلمون وثورة يوليو: ملف قديم جديد

حجم الخط
0

الإخوان المسلمون وثورة يوليو: ملف قديم جديد

د. بشير موسي نافعالإخوان المسلمون وثورة يوليو: ملف قديم جديدفي حلقة الخميس قبل الماضي، عالج الأستاذ محمد حسنين هيكل في مذكراته التي تبثها قناة الجزيرة ملف العلاقة بين الإخوان المسلمين وثورة (أو انقلاب) 23 يوليو 1952 في مصر. وهذا الملف هو واحد من أكثر الملفات الشائكة في تاريخ مصر الحديث، وتاريخ مصر الجمهورية علي وجه الخصوص؛ فمنذ قيام الثورة ومصر تشهد جدلاً متصلاً حول علاقة قادة الانقلاب بالإخوان المسلمين وعلاقة الإخوان بالثورة. هل كان عبد الناصر وعدد من صحبه أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وما هو الدور الذي لعبه الإخوان في الثورة، وهل كان الصراع الذي شهده عام 1954 بين الإخوان وقيادة الثورة صراعاً بين شريكين، أو صراع قادة الثورة ضد جهة حاولت إطاحة الضباط والاستيلاء علي مقدرات الأمور في البلاد دون وجه حق؟ هذه بعض من الأسئلة التي لا يزال عدد من شهود الحدث ومؤرخيه والمهتمين به يحاولون الإجابة عليها. ولم يكن غريباً بالتالي ان تثير الحلقة موجة جديدة من الجدل حول تاريخ الثورة وحول رواية الأستاذ هيكل له. وقد تزايد اهتمامي بهذه الفترة من تاريخ مصر مؤخراً لسببين رئيسيين: الأول، أن العلاقة بين الإخوان المسلمين وثورة يوليو (في جانبها الصراعي) أصبحت نموذجاً تأسيسياً للعلاقة بين تيارات الإسلام السياسي المختلفة وأنظمة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أغلب البلدان العربية؛ والثاني، ان التيار الإسلامي في مصر بات يعد منذ سنوات القوة السياسية الأهم في الساحة المصرية، بدون ان يتمتع بشرعية العمل السياسي. والمدهش ان الدولة المصرية (وريثة نظام يوليو) تعتبر ان الإخوان فقدوا الشرعية السياسية في لحظة الصدام التأسيسية تلك، أي في 1954، وأن لا مجال لمنحهم حق الوجود والعمل السياسي مرة أخري.محمد حسنين هيكل هو بالطبع واحد من أهم الشهود علي العقدين الأولين من العهد الجمهوري، ليس فقط باعتباره أبرز صحافيي مصر طوال نصف قرن علي الأقل، ولكن أيضاً لاقترابه اللصيق من مؤسسة الحكم آنذاك. وبالرغم من ان الأستاذ هيكل قد نهج في الكثير من كتاباته نهج الشاهد/ المؤرخ، وأن هذا النهج ازداد وضوحاً في كتاباته الأخيرة، فمن الصعب تجاهل علاقته بنظام يوليو، خاصة عندما يكون النظام هو موضوع التأريخ والجدل. وربما يمكن القول، وقد تابعت العديد من الحلقات التي بثتها الجزيرة، أن قراءة الاستاذ هيكل للحقبة السابقة علي وقوع الانقلاب العسكري قد استبطنت تسويغ حدث الانقلاب ذاته. فبالرغم من ان مؤرخي تلك الحقبة قد يختلفون مع قراءة الأستاذ هيكل لقوي السياسة المصرية آنذاك، ومع تقديره لوضع كل منها، فثمة قليل من الاختلاف حول ان أوضاع البلاد كانت تتجه نحو انفجار سياسي واجتماعي واسع، وان الانقلاب العسكري وقع لأن شيئاً ما كان لابد ان يقع.ما حاول الأستاذ هيكل إيصاله للمشاهد، علي مدي عدد كبير من الساعات، ان الانقلاب جاء نتيجة انهيار الشرعية والفعالية الذي أخذت تعاني منه مؤسسة القصر، وحزب الوفد، أكبر أحزاب البلاد وأكثرها شعبية، والأحزاب السياسية الأخري، وعجز الطبقة الصناعية والمالية عن تعزيز مواقعها، في الوقت الذي باتت فيه مصر ساحة تدافع بين نفوذ بريطاني آفل واندفاعة أمريكية للقبض علي مقدرات القرار الغربي. ولكن هيكل لم يؤكد وجود مشروع للثورة، وطرح الانقلاب باعتباره حركة إصلاح عسكري، تطورت تحت تأثير العناصر المدنية الملتفة حول الضباط إلي مشروع للحكم العسكري المباشر. بهذا، تبريء رواية الأستاذ هيكل الانقلابيين من مسؤولية الانقلاب (إن صح التعبير)، وتلقي بمسؤولية انتقال مصر إلي الحكم العسكري علي عاتق عدد صغير من المدنيين، مثل السنهوري باشا، سليمان حافظ، علي ماهر باشا، وفتحي رضوان. ثم جاء دور الإخوان المسلمين والشيوعيين، وكلاهما لم يكن يعتبر من قوي المؤسسة السياسية، لإخراجهم من دائرة الشرعية والقدرة علي المشاركة في صياغة مستقبل جديد لمصر. والمهم هنا هو الإخوان المسلمون، ليس فقط نظراً للجدل المستمر حول دورهم في الثورة، ولكن أيضاً للتباين الهائل بين وزن الإخوان الشعبي وتوجهاتهم ووزن الشيوعيين وتوجهاتهم.استندت قراءة الأستاذ هيكل للإخوان المسلمين إلي ثلاثة موضوعات رئيسة: الأولي، ان علاقة بعض قيادات ضباط الثورة السابقة بالإخوان كانت علاقة استكشافية، ولا تبرر اعتقاد الإخوان بأن الانقلاب كان انقلابهم أو أنهم شركاء في الحدث التحولي. والثانية، ان الصدام التالي بين الإخوان والثورة، بكل عواقبه الثقيلة علي الحياة السياسية المصرية (والمستمرة حتي الآن) لم يكن مستغرباً، ذلك ان الإزدواجية الإخوانية بين ما هو دعوي ـ إسلامي وسياسي وبين ما هو عسكري – سري كانت قد فجرت الصراع بين الإخوان والحكم المصري (الملكي) منذ نهاية الأربعينات. ولأن الإخوان المسلمين لم يستطيعوا التحرر من الإزدواجية تلك، فقد كان صدامهم مع النظام الجمهوري الانقلابي مسألة وقت لا أكثر. أما الموضوعة الثالثة في قراءة الأستاذ هيكل، فكانت موضوعة إجمالية، بمعني انها جاءت كاستنتاج عام جوهره أن الإخوان، كغيرهم من القوي السياسية الأخري آنذاك، لم يكونوا مؤهلين لصياغة مستقبل سياسي جديد لمصر. تطرح هذه القراءة عدداً من القضايا الهامة، التي لا يمكن قبول رواية الأستاذ هيكل بدون الإجابة عليها.القضية الأولي، أن علاقة الرئيس عبد الناصر بالإخوان المسلمين، بل وبالجهاز الخاص (السري) للإخوان، هي علاقة قديمة، بدأت منذ مطلع الأربعينات. وهي علاقة لم يعد من الممكن نفيها أو تجاهلها في ضوء العديد من الشهادات التي نشرت في هذا الصدد من كبار الضباط من زملاء عبد الناصر ومن القيادات الإخوانية لتلك الفترة. وليس عبد الناصر وحسب، بل ان عدداً كبيراً من قيادات حركة يوليو كان معروفاً بارتباطاته الإخوانية. والمهم هنا ان ليس ثمة من دليل علي ان عبد الناصر انتمي لأي حزب سياسي آخر طوال الفترة من مطلع الأربعينات وقيام الثورة في يوليو 1952. الوحيد من الضباط الذين شاركوا عبد الناصر الانتماء للإخوان، ثم انتهي به الأمر إلي الانتماء لقوة سياسية سرية أخري هو خالد محيي الدين، الذي أصبح شيوعياً. ولكن عبد الناصر فك ارتباطه بالإخوان، لأسباب يطول شرحها، في الفترة بين 1949 و1951، عندما قام النظام الملكي بهجمته الواسعة علي الإخوان، وتسارعت عجلة بناء تنظيم الضباط الأحرار في الجيش. ثم عاد عبد الناصر إلي توثيق علاقته بالإخوان منذ مطلع الخمسينات؛ وهذه المرة بقيادات الإخوان المدنية والسرية ـ الخاصة علي السواء. وبالرغم من ان من السهل انتقاد استمرار وجود التنظيم الإخواني الخاص والسري بعد حادثتي مقتل القاضي الخازندار ورئيس الوزراء النقراشي، فمن الصعب توجيه هذا الانتقاد فيما يتعلق بالعلاقة مع الثورة؛ إذ ان رابطة عبد الناصر المبكرة مع الإخوان تمت من خلال التنظيم الخاص، كما ان التنظيم (أو انشقاقاته) لعب دوراً مزدوجاً خلال الصدام مع الحكم الجديد في 1954، بعد ان نجح عبد الناصر في استمالة بعض قياداته. القضية الثانية، أن من الصعب الآن الجزم بما كانت علية نوايا عبد الناصر عشية قيام الانقلاب وخلال الأيام القليلة التالية علي نجاحه. وحتي الأستاذ هيكل، أحد شهود الحدث ومن أصبح بعد ذلك واحداً من أقرب المقربين من عبد الناصر، لم يستطع تقديم قراءة واضحة ومقنعة لما كان عليه تصور عبد الناصر آنذاك للأمور. وينسحب هذا الغموض علي تصور عبد الناصر لدور الأخوان وتصور الإخوان لدورهم. ولكن مهما كانت درجة ومستوي الغموض فلا يمكن التساهل في نفي الرواية المشتركة والمتشابهة لعدد ملموس من قيادات الإخوان الذين كانوا علي اتصال وصداقة مع عبد الناصر آنذاك، ووصف هذه الرواية بأنها مجرد وهم. عندما تتفق آراء كل من صلاح شادي، فريد عبد الخالق، حسن عشماوي، وصالح أبو رقيق، علي أن عبد الناصر تقدم إليهم عشية الانقلاب علي انه إخواني، وأن مشروع حركة الضباط هو مشروع إخواني، فعلي المؤرخ أن يحفر أعمق بكثير من مجرد استنتاج الوهم وسوء الفهم. ما يعزز وجهة النظر هذه ان عبد الناصر وصحبه قد استثنوا الإخوان المسلمين فعلاً من القرار الكبير والشامل لحل الأحزاب، وظل الإخوان المسلمون التنظيم السياسي الوحيد من تنظيمات ما قبل الانقلاب الذي ينشط بحرية، إلي ان بدأ مسلسل الصدام مع عبد الناصر وقيادة الحكم الجديد.القضية الثالثة، ان قراءة صدام الإخوان المسلمين بالنظام الملكي، ابتداء من 1948 علي الأقل، باعتباره مسوغاً للحملة الواسعة التي شنها نظام الثورة علي الجماعة منذ نهاية آذار (مارس) 1954، ومن ثم وقوع محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر في تشرين الأول (اكتوبر) وحل الجماعة، هي قراءة شائكة علي أقل تقدير. المشكلة في هذه القراءة أنها لا تأخذ في الاعتبار ان مشروعية الانقلاب ترتبط أصلاً بأنه انقلاب علي نظام فقد المشروعية، نظام كاد يدخل مصر في دوامة لا نهاية لها من عدم الاستقرار، نظام لم ينجح مطلقاً في قطع الحبل السري الذي ربطه بالاستعمار البريطاني. الإخوان كانوا هم القوة السياسية الشرعية الوحيدة ذات المصداقية في سنوات ما قبل يوليو 1952 التي اصطدمت بهذا النظام، والتي أصبح النظام ينظر إليها باعتبارها احد تحدياته الرئيسية. بهذا المعني، وسواء قبلنا الرواية الإخوانية للانقلاب أو قبلنا أن الضباط استعانوا بالإخوان مجرد استعانة جزئية، يصبح الإخوان المسلمون (بخلاف القوي السياسية الأخري) شركاء موضوعيين في قيام الجمهورية. كلا الطرفين، الإخوان الضباط الأحرار، اصطدم بالنظام الملكي، كلاهما أراد استعادة الاستقرار لمصر، كلاهما سعي إلي توكيد دور مصر العربي والإسلامي، كلاهما أراد تحرير البلاد من الخضوع للقوي الأجنبية، وكلاهما كان يحمل هماً تنموياً واجتماعياً. وهي مشتركات لا تنطبق علي علاقة الضباط بأي قوة سياسية أخري. أخيراً، إن من الصعب القبول بتوكيد الأستاذ هيكل علي ان حركة الضباط لم تكن تحمل مشروعاً متبلوراً للحكم، ثم الاستنتاج في الآن نفسه أن الإخوان لم يكونوا قد وصلوا بعد إلي مرحلة من النضج تجعلهم قادرين علي المشاركة في صناعة مستقبل جديد لمصر. أما إن كان المقصود بهذا المستقبل ما تطورت إليه الأوضاع موضوعياً بعد ذلك، فإن المقارنة بين حركة سياسية ـ إسلامية تجاوزت العقدين من عمرها آنذاك ومجموعة صغيرة من ضباط الجيش، الذين كان أغلبهم في مطلع الثلاثينات من العمر، ليست بالتأكيد في صالح الضباط.حركة يوليو في النهاية هي حركة تأسيسية، ليس لمصر الجمهورية وحسب، بل ولكل الوضع العربي في حقبة ما بعد كارثة فلسطين 1948. ودور عبد الناصر الرئيسي في حركة الضباط الأحرار، في تاريخ مصر الحديثة، وتاريخ العرب والعالم الثالث، لا يحتاج توكيده نفياً لأدوار الآخرين. كما ان الحلقات التحولية في تاريخ الأمم والشعوب لا ينبغي التعامل معها بسهولة وسرعة، أو الجزم بها قبل تحقيق كاف. ومسؤولية التاريخ التلفازي في هذا الشأن لا تقل أهمية عن مسؤولية التاريخ الأكاديمي، علي الأقل بالنظر إلي تأثير التلفاز البالغ علي ملايين عديدة مــــن المشاهدين. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية