في 21/11/2005 نفذ حزب الله هجوما محكما علي موقع للجيش الاسرائيلي في الغجر علي نهر الحاصباني، وكان يهدف الي اختطاف جندي. شلت نار القذائف والصواريخ قوات الجيش الاسرائيلي في المنطقة. اخترقت جماعة من المخربين طريقها نحو الموقع المفصول، وأعدت جماعة من راكبي الجرارات الصغيرة نفسها لابعاد الجندي المختطف في أوج غبار المعركة. استعداد الجيش الاسرائيلي والتنبه أفشلا هذه العملية، لكنهما لم يُفشلا عملية سابقة، عندما اختطف حزب الله بطرق مُحكمة اخري ثلاثة جنود في مزارع شبعا في تاريخ 7/10/2000. يوجد تشابه بين الغجر والحادثة الأخيرة في كيرم شالوم. في الحالتين هوجمت اسرائيل في ارضها، بحسب جميع الاتفاقات الدولية. وفي الحالتين انسحبت اسرائيل انسحابا أحاديا الي حدود دولية، وفي أعقاب ذلك قلل الجيش الاسرائيلي قواته في المنطقة كثيرا. وفي الحالتين تقوم علي الحدود قوي تطمح الي ابادة اسرائيل، وهي جزء من السلطة وتُدير سياسة مستقلة تقاوم اسرائيل ايضا. وفي الحالتين تصارع هذه القوي علي مكانتها في مجتمعها وتبادر لاعتباراتها، الي سياسة العمليات. وفي الحالتين، برغم الأحداث الصعبة، انخفض عدد المصابين من جانبنا. وفي الحالتين نشأ عند جيراننا، نتاج خروج اسرائيل، معضلات شديدة تتصل بالمسؤولية، وبادارة المجتمع والهوية الوطنية. قادت المسيرة في لبنان آخر الأمر الجيش السوري الي الخارج، أما في السلطة الفلسطينية فما يزال المستقبل في طور المجهول.
الفرق الكبير هو أن العملية في كيرم شالوم نجحت بالنسبة للعدو، وفشلت في الغجر. كما أن الغجر، أو اختطاف جنود الجيش الاسرائيلي في مزارع شبعا، قبل ذلك بخمس سنين، لا يرمزان الي إفلاس سياستنا علي الحدود الشمالية، لا داعي الي أن يرمز فشل الجيش الاسرائيلي في كيرم شالوم الي إفلاس الانفصال، لأنه قد كانت عمليات محكمة، نجح فيها المخربون في مفاجأتنا وضربنا ـ في كل قطاع عسكري وفي كل مسيرة سياسية في العقود الأخيرة.
في 12/12/2004، في نفس المكان تقريبا، في حي الشبورة في رفح، وعلي نفس البُعد تقريبا، علي بُعد نحو من 750 مترا، حفر المخربون نفقا طويلا الي موقع ممر رفح، وفجروه بالمواد المتفجرة. تحت غطاء النار انقض المخربون علي الموقع. لم ينجحوا في الاختطاف، لكنهم قتلوا خمسة جنود وأخذوا رشاشا. وهي عملية مُحكمة لا تقل جرأة، حدثت قبل الانفصال بوقت طويل. منذ اختطاف ناحشون فاكسمان، في أوج مسيرة اوسلو، مرورا بكارثة الوحدة البحرية في لبنان، حتي القناص من وادي الحرمية، طويلة هي قائمة نجاحات العدو.
قفزوا في اليمين قائلين: قُلنا لكم. فشل التصور، وكان الانفصال فشلا، وتجب العودة الي غزة علي الفور. وسارعوا في اليسار الي الاعلان: أترون! ، لا أمن في الانفصال، لقد أفلس وتجب العودة الي ايام اوسلو والمسيرة السياسية. يبدو عليهم أنهم قد استعملوا الحادثة كفأس يحفرون بها أكثر من استعمالها لبلورة آرائهم.
إن ما فشل في الحادثة الأخيرة، عدا الجيش، هو ذاكرتنا لما كان حقا قبل وقت قصير فقط. كم من الأحداث، وكم من المصابين، وكم من الاخفاقات وبأي ثمن. إن ما يُحتاج اليه في المستقبل تصور راسخ في الواقع. لا توجد لدينا اجابات كاملة، بل جزئية فقط. لسنا كاملين وسنقوم بأخطاء كجميع البشر. ستكون بعدُ اخفاقات وسينجح الطرف الثاني من آن لآخر. وفي الأساس، لا يوجد أي امكان لصياغة سياسة فحواها أن ننتصر دائما وأن يخسر الفلسطينيون دائما، أو أن يوجد لأحد ما حقا تخطيط للقضاء علي العمليات، والمصابين والاخفاقات. إن من يزعم أنه يملك صيغة كهذه، يبدو أنه مُصادق لله.
داني ريشفضابط استخبارات سابق(معاريف) 28/6/2006