الباب الخاطئ
منصف الوهايبي La Puerta Falsa أو الباب الخاطئ ـ علي ما في هذه التّرجمة من قلق العبارة ـ حانٌ في مدينة مرســـــية بإسبانيا. صحبتني إليه أوّل مرّة مــــن ربيع 1996 في اليوم الأوّل من عيد الشّعــــر العالميّ، الشّاعــرة الإسبانـــيّة جـــانين ألكراز J. Alcaraz المتحدّرة من أصول عربيّة كما قالت لي، وهو ما يدلّ عليه اسمها المشتقّ من شجرة الكرز. كان الوقت قبل الغروب بقليل.. وكانت قد بدأت تمطر.. مطر الرّبيع الذي يذوب الصّحوُ منه وبعده صَحْوٌ يكاد من الغضارة يمطر… .كان الحانُ عامرًا بعشّاقه من شعـــراء وكتّــــاب ورسّامين وجمهـوره من الأسبــــان المتيّمــــــين بالشّعر. كان الاسم La Puerta Falsa – وقد ترجمته لي جانين إلي الفرنسيّةـ يرنّ في أذني.وعندما استفسرت صاحب الحان عنه ـ وهو شاعر ورسّام ـ قال لي إنّ هذا الحان يقع في حيّ أشبه بالأحياء في المدن العربيّة القديمة مثل فاس والقيروان ومرّاكش وتونس… حيث تَتَآخَي الأبواب بطلائها الأزرق أو الأخضر الدّاكن، وقد تقودك قدماك يوما إلي أحدها. تسأل عن صديقك. تطرق الباب وتنادي: يا محمّد ! فيطلّ صبيّ أو صبيّة أو سيّدة، لتقول لك في لطف: المعذرة يا سيّدي.لقد طرقت الباب الخاطئ. بيت محمّد هو البيت المقابل ! وأضاف ضاحكا : أنت هنا في بيت الشّعر،أعني في المكان الخطأ ! ولقد أحببت دائما أن أكون في مثل هذا المكان. فقد لا يكون الشّعر سوي هذا الخطأ اللّغويّ الذي نجترحه قاصدين متقصّدين.، وقد لا تكون الشّعريّة سوي شعريّة الخطأ ! ثلاثة لا يأتيهم الخطأ من بين أيديهم ولا من خلف:اللّه ذو الحكمة الأبديّةوالحيوانُ أخو الغريزةوالميّتُ لحظة نطبع علي جبهته قبلةَ الوداع الأخير!أمّا الشّعراء كتبةُ قرآن إبليس بعبارة شيخ المعرّة، فلا نملك إلاّ أن نقول لهم: طوبَي للخطّائينَ ! . حتّي وإن هان الشّعرُ علي النّاس، وسَهُلَ الهوانُ علي الشّعراء.أهلا وسهلا بطه حسينأتيحَ لي في مستهلّ الخريف الماضي،بعد زيارة خاطفة إلي بيروت والنّبطيّة وقلعة الشّقيف حيث لا تزال آثار اندحار الإسرائيليّين بادية للعيان، أن أزور الشّام، للمشاركة في مهرجان أبي العلاء المعرّي. حضر كتّاب وشعراء من سوريا ولبنان وفلسطين والعراق ومصر… أصدقاء قُدَامَي وجُدُدٌ، كانت لهم نوادرهم ولطائفهم؛ وقد بقي منها الكثير، ممّا لا يتّسع له هذا الباب. غير أنّي أقتصر علي إحداها، وهي من الزّجل اللّبناني، رواها لي -أو أنشدني إيّاها بعبارة أدقّ ـ شاعر من معرّة النّعمان.زار طه حسين مدينة زحلة في لبنان، خلال النّصف الأوّل من القرن الماضي، عندما كان وزيرا للمعارف، فاحتفي به أهلها أيّما احتفاء. وفي حفل استقباله، نهض أربعة زجّالين يرتجلون الشّعر ويشيدون بالضّيف الكبير. قال الأوّل:أهْلاَ وسَهْلاَ بطَهَ حْسَيْنْ