خمس نسخ من روايتي تم اخلاؤها في سيارة اسعاف: عين الهر من شهداء المواجهة المفتوحة

حجم الخط
0

خمس نسخ من روايتي تم اخلاؤها في سيارة اسعاف: عين الهر من شهداء المواجهة المفتوحة

شهلا العجيليخمس نسخ من روايتي تم اخلاؤها في سيارة اسعاف: عين الهر من شهداء المواجهة المفتوحةعلي قلق، كأنّ الريح تحتي، انتظرت صدور روايتي عين الهرّ شهوراً طوالاً، وطول المدّة هذا سببه إصراري علي أن تصــــدر في بيروت، لأنّ العمل الذي لا يحمل اسم بيروت مكاناً للإصدار ينقصه جلال الحريّة.حينما هاتفني الأصدقاء هناك ليزفّوا إليّ بشري ولادة روايتي، التي التقوها في بيروت قبلي، وأحبوها نصاً مطبوعاً كاملاً قبلي، لم أكن أفكّر سوي بالومضات الأولي التي حدتني علي الكتابة، مستدعية ومضات جديدة تقدح زند نصّ جديد أبدأ الشغل عليه، ولم أكن أعلم لحظتها أنّ الومضات كانت حمماً وقذائف تجعل نصّي الأوّل شهيداً ليس أعزّ من الشهداء الآخرين في العدوان الإسرائيلي الوحشيّ علي لبنان.يوم 12 تموز (يوليو) 2006، كانت عين الهرّ تجثم تحت قصف الطائرات في بيروت، في مخزن في الأوزاعي، ونسخ قليلة منها في يد بعض الصحب قرب الدوحة علي طريق المطار، ومع زميل في مركز إحدي المنظّمات الإنسانيّة، وصديقة في صيدا. وحينما تبدّي الواقع عن أنّ الحالة حالة حرب مفتوحة، هاتفتُ صحبي لأطمئنّ عليهم، قالوا لي جميعاً، وكأنّهم اتفقوا علي الإجابة، عين الهرّ تواسينا عنك! خجلت من نفسي أكثر ممّا خجلتُ من ذاكرتي العربيّة، وغبطت شخوصاً خلقتها، لتأخذ دروي في العطاء، لتكون أكرم منّي، وأكثر قوميّة، وصموداً! لكنّ الغريب أنّ روايتي تنقل خبراً عن صفقة تبادل أسري بين حزب الله وإسرائيل، وتتحدّث عن أولئك الذين كلّما لمحتهم علي شاشات التلفزيون وجدتني مضطرة إلي تفسير العلاقة بين وجوههم وبين خوفي!زميلي مسؤول الإعلام في منظمة إنسانية، الذي أتصل به كلّ ساعة تقريباً بحكم عمــلي في المكتب الإقليمي لهذه المنظّمة، كان ينقل لي تقييم الحالة، وعدد الجرحي، والشهداء، ويعدّد لي الاحتياجات الغذائيّة والطبيّة، لنقوم بتأمينها، وفي نهاية كل تقرير يقول، أيّوبة (وهو اسم إحدي الراويتين في النصّ) بخير.ـ ليتني كنت أيّوبة ، ليتني كنت معكم!ـ إذا بقيت مكانك، تساعديننا أكثر، ثمّ إنّنا لا نستطيع تحمّل مسؤوليتك، هذا القصف لا يلتزم اتفاقيات جنيف، ولا يعرف قوانين حماية الشارة الإنسانيّة!حزّت في نفسي عبارة لا نستطيع تحمّل مسؤوليّتك ، شخوصي الورقيّة أرشد منّي، بقيت هناك لتواسي الأحبّة، أمّا أنا فأبعد نقطة أستطيع الوصول إليها هي نقطة الحدود السوريّة ـ اللبنانيّة حيث نسهم في نقل المعونات الإنسانيّة، ونيسّر أحوال النازحين.كنت أسترجع عبارة صديق آخر قال بأنّ لروايتي حــــظّاً سيئاً إذ صدرت وقت حرب، حين تلقــيت إشارة من ذلك الزميل في المنظّمة الإنسانيّة: في سيارة الإسعاف ذات الرقم… التي ستصل في حدود ساعة لك أمانة. كنت واقفة علي الحدود في عمليّة لمّ شمل للعائلات النازحة حينما وصلت سيّارة الإسعاف المقصودة، أطللت برأسي المزدحم بعشرات الأفكار، وإذ بجثّتين بموت طازج، لم تمهل الإصابات البليغة صاحبيهما أو صاحبتيهما للوصول إلي المستشفي، وريثما لملمتُ نفسي، وساعدت زملائي في الحمل والنقل، استطعت أن ألمح تحت المقعد الأمامي عين الهر كانت نسخاً خمس، تمّ إخلاؤها مع ما أُخلي من جثث، وأرسلها زميلي في سيّارة إسعاف.من قال إنّ حظّ روايتي سيء! لم أكن أحلم بهذه النهاية من أجلها، بل بهذه البداية: لقد كانوا شهداء ثلاثة مجلّلين بالحريّة، رجل وامرأة، ورواية، فلا تحسبنّهم موتي، إنّهم يضجّون بالحياة.كاتبة من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية