في الطريق الي السويس: خمسون عاما علي العدوان (الاخيرة)

حجم الخط
0

أعطي عبد الناصر صوتا للغضب التاريخي العربي وملأ فراغا تاريخيا كان العرب ينتظرونه منذ عام 1914عندما عنف عبدالحكيم عامر قائلا: لا أحد سيذهب الي الاستسلام أو الهرب.. لمّ نفسك يا حكيم

سعيد ابو الريشتنشر “القدس العربي” بمناسبة مرور خمسين عاما علي ازمة السويس مقتطفات من كتاب الباحث الفلسطيني سعيد ابو الريش ناصر: آخر العرب الذي صدر بالانكليزية (2004) وترجم للعربية، خاصة الفصول المتعلقة بجذور ازمة السويس واندلاعها لعدوان ثلاثي، وتداعياتها. أكثر من الكلماتلقد اعتبر عبد الناصر البريطانيين مستغلين وبالتأكيد مغرورين، وفوق ذلك فهم استعماريون عاشوا علي الدماء والضحايا من الشعوب الاخري: لقد مات الاستعمار وانتهي، ان عدد العمال المصريين الذين قضوا وهم يبنون القناة قد اعيد ذكره مرارا وبولغ فيه: ان القناة مصرية وسوف تبقي مصرية، لقد اعلن ذلك في خطاب في شريط مسجل. وقد تعامل بالمثل مع فرنسا، ولكن ليس بالمستوي الزمني نفسه، فقد كان الوقت المستغرق في ذلك اقل بكثير من الهجوم علي البريطانيين. واسرائيل لم تكن شيئا اكثر من خنجر مسموم وضع في القلب من الامة العربية. لقد مارس السخرية من امريكا، وتحدث عن محاولات امريكية لليّ ذراعه، وذكر بشكل محدد اسماء دبلوماسيين، ولكنه لم يتهم امريكا ابدا بالجريمة. فقط احتج علي طرقها الساذجة. ووفقا لاطروحة غير منشورة حول خطبه، تأليف مي عويضة، قدمت الي الجامعة الامريكية في بيروت، فان الشرف والمجد والكرامة والاباء كانت كلماته المدللة. وطبيعي ان تكون هناك اشارات متواصلة الي الله. وما هو مأخوذ بشكل مؤكد عنه هو أنه كان الي جانب المؤمنين.

ولكن عبد الناصر اكتشف اخيرا انه في حاجة الي ما هو اكثر من كلماته. ان مرور الوقت الذي دلل علي صحة موقفه في ما يتعلق بقدرة مصر علي تسيير القناة كشف ايضا عن الهوة غير القابلة للتجسير بينه وبين ايدن. فقد اصبح مقتنعا في سريرته ان الحرب محتمة، وادرك انه من غير المستطاع ايقاف الغزو. وذلك هو سبب تأسيسه الميليشيات الشعبية المسلحة. وقد ذهب الي حد خلق خطط للمقاومة الشعبية لمواجهة الجيش الغازي في العمق. ولكن بالنسبة اليه، فان الحالة اليائسة التي وصلت الاوضاع اليها لم تكن مهمة، بل كانت صراعا بين حق وباطل، وكانت مصر علي حق. وقد عبر عن ايمانه بشعوب العالم، وقبل بهم كقضاة. كما ان المصريين والعرب قد وضعوا اعتمادهم عليه، ولا يريدون منه ان يتراجع.

ان الدعم الذي حصل عليه من انحاء العالم لم يكن عسكريا او اقتصاديا، ولكنه كان مهما في تطور احساسه بصحة موقفه. لقد تحدث عن اهمية الرأي العام العالمي، وسجل اهميته قبل ان يفعل الآخرون. ووفقا لجميع رفاقه الذين لا يزالون علي قيد الحياة، فانه اعتقد حقيقة ان ثمة شيئا جديدا في طريقه الي الانبثاق في هذا العالم. ومهما يكن، فان عبد الناصر كان يسير نحو معركة كان يعلم انه سوف يخسرها. وقد حاول بتصميم ان يحتل المثل الاعلي الاخلاقي، وآمن بأن هزيمته ستقود الي حرب معادية للاستعمار في مختلف انحاء الشرق الاوسط. وباستقراره علي هذا النهج، فانه كان يهدد بهدم المعبد علي من فيه، مثل شمشون.

بل ان عبد الناصر كان هو الرابح فيها وبفارق كبير. لقد اعطي عبد الناصر صوتا للغضب التاريخي العربي. فقد انتظر العرب العاديون خطابات عبد الناصر عبر الاذاعة. لقد اصبح معبودا وخطيبا مفوها لا يضاهي، كما كان رائعا في الاذاعة الي جانب كونه نجما وسيما. ولقد توقفت مكاتب الصحافة المصرية التي كانت تقوم بتوزيع صوره عن ذلك، بعد ان اصبحت صوره متوفرة في المطابع المحلية في ارجاء العالم العربي. ولم تكن هناك طريقة لبريطانيا وفرنسا واسرائيل، وحتي الامريكيين، للتباري مع الاغاني الحماسية المحرضة التي كتبت خلال ازمة السويس. فقد جاءت اولا اغنية: الله اكبر، ثم جاءت حنحارب، واخيرا جاءت الدعوة الي حمل السلاح: والله زمان يا سلاحي. وعندما قصف البريطانيون اذاعة صوت العرب بالطائرات، فان الاردن وسورية عوضا عن ذلك صاروا يبثون اذاعيا نيابة عن مصر. وعمليا، فان مجمل الاعلام الرسمي للحكومات العربية اصطف مع مصر. لقد طالبت شعوبهم بذلك.

وفي وقت ما، خلال تلك الفترة، تم تشخيص مرض عبد الناصر بالسكري، هو الذي لم يكن قد تجاوز من العمر الثامنة والثلاثين. واذا كان لذلك من تأثير، فمن المؤكد انه لم يظهر علي صوره السينمائية الكبيرة في ذلك الوقت، ولم يلاحظ ذلك أي من رفاقه القدامي الذين اجريت معهم مقابلات.

ملأ فراغا تاريخياما الذي استندت اليه دعوات عبد الناصر للمصريين والعرب؟ هذا ما لم يكن مفهوما في الغرب. ففي عام 1956 ملأ عبد الناصر فراغا تاريخيا في حياة كل العرب الذين كانوا ينتظرون تغير الاشياء منذ الحرب العالمية الاولي. وبالفعل والكلمة، فان عبد الناصر استأثر بعقولهم وقلوبهم، وهو القائد العربي الوحيد الذي تمكن من ذلك. انه الرجل الذي جاء من اللامكان ومثل الامل، واصبح الامل بشري للذين ما زالوا مستغرقين في احلام يقظتهم. فلأول مرة في القرن العشرين يصبح الشعب العربي في حالة هياج تعبيرا عن حب لواحد من قادته. لقد كان ذلك هو الاكثر تميزا، لان عبد الناصر كان واقعيا في ما وعد به العرب. لم يكن لديه شيء مادي لكي يقدمه لهم، وعلي الدوام تحدث عن النضال والطريق الصعب للسير الي الامام. وفي الحقيقة، فان ما قدمه لم يكن اكثر من وعد غامض باستعادة الشرف العربي. ان الرباط بين عبد الناصر والشعب العربي الذي تجسد عام 1956 لم يكن من النوع الملموس، بل انه كان مرتبطا باستعادة الكرامة والشرف العربيين بعدم الانصياع للغرب. وهذا هو بالذات ما جعل من المستحيل علي الغرب ان يفهم او يقبل ما كان يمثله عبد الناصر.

وخلال ازمة السويس، كان لدي العربي العادي الكثير ليتفكر فيه. هل ان الغرب سيقضي في عمل مشترك او غيره علي عبد الناصر ويعيد الساعة الي الوراء؟ وهل ان الخلافات السياسية الجلية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حقيقية، ام هي حاجز من دخان؟ وهل ان بريطانيا وفرنسا تفكران في معاودة احتلال الشرق الاوسط، وتدعمان الاخوان المسلمين لاستلام السلطة، او الاثنان معا؟ وأين هو مكان اسرائيل في هذه الصورة؟

لقد كان ايدن القائد الغربي المعادي لعبد الناصر الذي حشد اولا لعملية الفارس وهو الاسم السري لغزو مصر، والذي وضعه بيد الجنرال السير هيو ستوكويل. وقد اعيقت خطة الجنرال بسبب غياب الهدف المحدد للعملية. ودبلوماسيا، وفي داخل بريطانيا، كان مستحيلا علي ايدن ان يعترف انه اراد اقصاء عبد الناصر. وحتي دون هذا الاعتراف، فان السفير البريطاني في مصر السير همفري تريفيليان وايزنهاور اعتقدا ان موقف ايدن القاسي قد ادي الي ازدياد سمعة عبد الناصر وشعبيته. وعلاوة علي ذلك، فان ايدن اكد بوضوح ان القوة سوف يجري استخدامها اذا فشلت المفاوضات دون ان يكون واضحا في تحديد اهداف المفاوضات بشكل مقنع. وقد قبل عبد الناصر بامكانية هجوم اسرائيلي، او اسرائيلي ـ فرنسي، او هجوم بريطاني، ولكنه لم يعتقد ابدا ان بريطانيا ستنضم الي اسرائيل في مؤامرة ضد العرب. لم يعتقد فقط بان بريطانيا هي فوق ذلك، ولكنه حاول ايضا ان يربح وقتا، وان لا يدع حجة للبدء بالحرب. وعندما اصرت بريطانيا وفرنسا في دفع رسوم المرور للشركة القديمة، فان عبد الناصر اعطي توجيهاته لأناسه بأن يدعوا السفن تعبر دون اعتراض.

لمدة ثلاثة اشهر بعد التأميم، اي حتي تاريخ الغزو في 31 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1956، راقب العالم محاولات دبلوماسية مفتوحة ليس لها نهاية، كما كانت هناك مفاوضات سرية ايضا. وبعد زيارته لايدن لمحاولة منع الحرب، ضغط وزير الخارجية الامريكي دالاس علي بريطانيا لعقد مؤتمر دولي لمستخدمي القناة، كخطوة اولي، وقد تمثل في عقد مؤتمر لندن الاول. ومن اجل جعل ذلك مستساغا لدي بريطانيا وفرنسا، فانه دعا الرئيس ايزنهاور الي ان ينضم الي حلفائهم في تجميد الممتلكات المصرية. وقد اتبع ذلك بتأييد ارسال مبعوث الي مصر، هو رئيس الوزراء الاسترالي روبرت مينزيس كرئيس لوساطة دولية. وقد وصل هذا الي مصر وابلغ عبد الناصر بالقرار الذي تم اتخاذه في المؤتمر. وكان ذلك مضيعة للوقت. فمينزيس، رغم انه كان يمثل ثمانية عشر بلدا لم يذهب الي التفاوض، ولكن ليبلغ قرارات المؤتمر. وكبريطاني اكثر من البريطانيين، فان مينزيس عادي عبد الناصر، فكانت مهمته فاشلة وباهتة. وقد زاد من حدة مشاعر الغضب اكثر انتقاده لعبد الناصر اثر عودته الي لندن. وفي 10 ايلول (سبتمبر) عقد المؤتمر الثاني لمستخدمي القناة مع دعم امريكي، ولكن كانت هناك مشكلة في تحديد من له حق في الحضور، وقد قاطعت مصر اجتماعات مجلس الأمن الدولي، رغم ان الاتحاد السوفييتي استخدم حق النقد ضده. وكان هناك مشروع مصري مضاد قدم الي مجلس الأمن الدولي، وقد استخدمت بريطانيا وفرنسا ضده حق الاعتراض (الفيتو). وفي الحقيقة، فان الامم المتحدة كانت مشلولة تماما، حتي ان الامين العام داغ همرشولد هدد بالاستقالة. فقط كانت الولايات المتحدة متشبثة بأي أمل بأن حلا دوليا يمكن التوصل اليه، وقد تأصل ذلك الأمل لدي مبعوثيها في القاهرة. وأثناء ذلك كان الاتحاد السوفييتي يواجه انتفاضة صغيرة في بولندا، وتمردا منظما وشاملا في هنغاريا (المجر). وقد ابلغ نيكيتا خروتشوف، القائد السوفييتي، عبد الناصر بأن الاتحاد السوفييتي لن يذهب الي الحرب بشأن ازمة تحت اي ظرف من الظروف. ولم يكن هذا الامر غير متوقع لدي عبد الناصر، وقد تواصلت اتصالاته التي تم احياؤها مع الكتلة الشرقية. كما ان العرض السوفييتي الغامض بالمساعدة في بناء السد العالي ظل قائما.

خروتشوف لم يقاتل من أجل القناةورغم تصريح خروتشوف بان الاتحاد السوفييتي لن يقاتل من أجل القناة، لان ذلك سيتسبب في حرب عالمية ثالثة، فان انذارا وجه الي ايدن وموليه من قبل رئيس الوزراء السوفييتي قائد الميدان نيقولاي بولغانين. وقد اتبع ذلك بأخبار عن تنظيم لمتطوعين شيوعيين للذهاب الي مصر. وليس هناك سبب للاعتقاد بان عبد الناصر اخذ ايا من هذه الامور بجدية. ولكن تلك الحركة ساعدت علي صيانة موقفه مع شعبه. وحينذاك وجه نداءاته ضد التصلب البريطاني والفرنسي الي القوة الوحيدة في العالم القادرة علي مساعدته، الولايات المتحدة الامريكية. وكان الامريكيون مذهولين، وقد طلبوا منه ان لا يتوقع منهم ان يعارضوا حلفاءهم بشكل صريح، ولكنهم قدموا بعض الاشارات باستعدادهم لان يقدموا مساعدة غير عسكرية.

وقد تواصلت المحاولات الدبلوماسية في فراغ. فلم يكن ايدن او عبد الناصر ليتزحزحا عن موقفيهما. فرئيس الوزراء البريطاني منكفئ عقليا لأزمنة مضت، وكان مقتنعا بالحاجة الي استبدال عبد الناصر، ولكنه لم تكن لديه خطة لعمل ذلك. في الوقت نفسه، فان عبد الناصر رأي في ما كان يقوم به هزيمة خطيرة لايدن، ربما ترتد عليه وتعطي عكس النتائج المرجوة. وقد اصبح رئيس الوزراء البريطاني معزولا تماما، معتمدا تماما علي مجموعة داخلية من مجلسه الوزاري. لقد كان هاجس تفكيره بعبد الناصر مرضيا جدا، حتي ان كثيرا من طاقم موظفيه وزملائه اخذوا يتحدثون عن مرضه وعن عملية جراحية واستئصال لقرحة ولحصوة، باعتبار ان ذلك هو سبب وحيد مناسب لذلك الهاجس. ولأنه لم يكن باستطاعته ان يهاجم عبد الناصر بمفرده لاسباب مالية واخلاقية، ولأن الوقت اخذ يمضي بسرعة، فقد استقر علي ان الفرصة الوحيدة للتخلص من عبد الناصر فرضت نفسها. فقد انضم الي مؤامرة فرنسا واسرائيل مباشرة بعد ان رفض عرضا مماثلا من موليه في 27 تموز (يوليو). والغريب في الأمر انه انذر اسرائيل بان بريطانيا سوف تدعم الاردن اذا قامت بمواصلة القصف الانتقامي كالذي قامت به في قرية قلقيلية في الضفة الغربية، والسموع. وبينما لا يوجد سجل دقيق بعدد وطبيعة الاجتماعات بين اسرائيل وفرنسا خلال هذه الفترة، فان الشكوك قليلة في ان فرنسا كانت علي اتصالات مستمرة مع اناس مثل موشي دايان وشمعون بيريس كمندوبين عن بن غوريون.

وقد كانت هناك عدة لقاءات بين الجانبين في ايلول (سبتمبر). وفي فترة تعود الي الاسبوع الاول من ايلول (سبتمبر)، اكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بن غوريون للفرنسيين علي تعاونه، ولكنه كان لا يزال يلح علي طلب ضمانات تأييد مكتوبة من ايدن قبل اتخاذ اي اجراء. وقد غدت الآن قيد التوثيق مسألة اشراف موشي ديان وضباط اسرائيليين آخرين علي شحن الاسلحة الفرنسية الي بلادهم من أجل حملة سيناء قبل وقت مناسب من انضمام البريطانيين الي المؤامرة.

وعلي اية حال، فان ما بقي غير معروف هو ما اذا كان القرار الحقيقي من قبل ايدن للدخول في مؤامرة سرية مع فرنسا واسرائيل لمهاجمة مصر وامكانية تغيير عبد الناصر قد وقع في نهاية ايلول (سبتمبر) او بداية تشرين الاول (اكتوبر). ويبدو ان استقالة والتر مونكتون كوزير للدفاع احتجاجا علي حرب ايدن توحي بتاريخ يقع في ايلول (سبتمبر). اما زيارة الوفد الفرنسي لايدن في 14 تشرين الاول (اكتوبر)، وزيارة ايدن ووزير الخارجية البريطاني سلوين لويد الي باريس في 16 تشرين الاول (اكتوبر)، فانها كانت تبدو بالنظر اليها وكأنها لوضع اللمسات النهائية علي الخطة. اما الاسرائيليون الذين أكدوا انهم لن يبدأوا اي عمل دون دعم كامل من البريطانيين، فانهم لم يكونوا مقتنعين. وفي 22 تشرين الاول (اكتوبر)، حمل باتريك دين الأمين العام لوزارة الخارجية المهمة غير المشكورة للتوقيع علي النص لما اصبح معروفا بالبروتوكول الفرنسي، وهو الاتفاق الحقيقي المكون من ثلاثة اطراف هي اسرائيل وفرنسا وبريطانيا. لقد كان لويد هناك، ولكن ايدن لم يكن حاضرا. وكانت هناك ثلاث نسخ. اما نسخة ايدن فمفقودة.

وفي ايلول (سبتمبر) عام 1956 قدمت التطورات الاقليمية والدولية غطاء ضبابيا للمتآمرين. فقد وجد الاتحاد السوفييتي ذاته غارقا في مواجهات قتالية ضد القوميين الهنغاريين (المجريين). وقد نصح الامريكيون مواطنيهم بمغادرة الشرق الاوسط، وبشكل غير متعمد فانهم اكدوا ان الازمة كانت تتجه الي الحرب. اما الاسرائيليون، فقد امروا قوات المراقبة الدولية التابعة للامم المتحدة بمغادرة موقعهم الرئيسي في العوجة علي طرف سيناء. ولم يحتج احد علي ذلك. وتسلم بن غوريون تأكيدات بان البريطانيين سيدمرون القوات الجوية المصرية علي الارض قبل ان تتمكن مصر من القيام برد هجومي علي المدن الاسرائيلية. وقد قام البريطانيون والاسرائيليون بتضليل الامريكيين في ردودهم علي رسائل ايزنهاور في ما يخص خططهم. وكانت اوامر الغزو التي اخذت في الاعتبار الدور الاسرائيلي قد صدرت الي القوات البريطانية والفرنسية. وكان الوطنيون المؤيدون لعبد الناصر قد ربحوا في الانتخابات البرلمانية في الاردن، اما الملك حسين فقد حاول ارضاء مواطنيه المؤيدين لعبد الناصر بالانضمام الي حلف عسكري مع سورية ومصر. وقد تحرك الاسطول السادس الامريكي ووحدات من القطع البحرية السوفييتية الي الشرق من البحر المتوسط في كامل قوتها. وكانت كل المحاولات للتقريب بين الجانبين قد باءت بالفشل.

وفي 29 تشرين الاول (اكتوبر) وكما هو متطلب في اتفاقية المؤامرة، فان قوات مظلية انزلت بالقرب من ممر متلا في وسط سيناء. وكانت تلك بداية عملية الفارس كما عرفها البريطانيون والفرنسيون، وعملية قادش كما عرفها الاسرائيليون.

وبعد عدة ساعات، مع حماية القوات الجوية الفرنسية للسماء الاسرائيلية قامت القوات الاسرائيلية بعشرات الهجمات ضد المواقع المصرية. وبالنسبة الي بريطانيا وفرنسا، فان ذلك كان هو الوقت المناسب للحديث عن تهديد عسكري للقناة، فذلك كان المبرر المخادع للتدخل في القتال. وقد امر الناصر الجيش المصري الذي سحبت غالبيته خلال الازمة، بالذهاب مرة اخري الي سيناء.

وفي 30 تشرين الاول (اكتوبر) قامت بريطانيا وفرنسا باصدار انذار مشترك للمتحاربين لينسحبوا عشرة اميال عن القناة. وعمليا، فان ذلك يعني ان ينسحب المصريون ثلاثين ميلا، وان يتقدم الاسرائيليون ستين ميلا. لقد قبل الاسرائيليون بالانذار، ولكن المصريين لم يقبلوا به.

وفي الامم المتحدة، فان بريطانيا وفرنسا اعترضتا علي كل المحاولات لوقف الهجوم علي مصر. وقد شهد يوم 31 تشرين الاول (اكتوبر) هجوما جويا قاسياً علي كل انحاء مصر بواسطة القوات الجوية الملكية، ومن خلال وعيه بان قواته لن تتمكن من ايقاف الغزو، فان عبد الناصر تولي شخصيا قيادة المعركة. وكان اول امر له، والذي جري التنسيق له مع حكومتين معنيتين، هو ان تغادر الطائرات الحربية التابعة للقوة الجوية المصرية الي السودان والعربية السعودية لتجنب تدميرها. اتصالات مع القوتلي والملك حسينولاسباب غير معروفة، فان عبد الناصر رفض ان يلبس الزي العسكري، ربما لانه كان مجرد عقيد. ولما كان لديه الوقت لان يعيد التفكير في ذلك، فان عبد الناصر امر باعادة افراغ سيناء. ثم اتصل هاتفيا بالملك حسين في الاردن والرئيس شكري القوتلي في سورية وطلب اليهما عدم التدخل في القتال. وعندما عارض الملك حسين، وجادل في صالح الدخول في المعركة، فان عبد الناصر ابلغه بانها كانت مؤامرة ثلاثية، وسمي البلدان المشاركة فيها، وهاجم بشكل مفتوح مشاركة بريطانيا. وقد طلب منع ان ينقذ جيشه من الدمار. وقد اتبع ذلك باصدار قرار باغلاق القناة، واشرف علي تنفيذه. وقد بلغ عدد السفن التي غرقت في الممر المائي سبعة واربعين. ووفقا لمحمد حسنين هيكل، فقد اعطي عبد الناصر في هذا الوقت بالذات مقابلة مع مراسل صحيفة لندن تايمز جيمس وريس، والذي اعاد فيها التأكيد علي هدفه البسيط: نريد ان نبني السد، نريد ان نبني هرمنا. وبقيادته لكل اوجه المعركة، وبسيطرته الكاملة علي كل شيء بينما كانت الحركة في اوجها، فان عبد الناصر استدعي عبد الحكيم عامر وصلاح سالم لمقابلته في مدينة بورسعيد. وقد عنفهما من دون رحمة امام بعض رفاقهما. فقد وصلت اخبار اليه بانهما قد قاسيا من شيء قريب من الانهيار العصبي، وقد سمعا وهم يتبنيان الاستسلام. وبتكسر يقترب من البكاء، كرر عامر دون خجل نداءه بالاستسلام في حضور صديقه. فأجاب عبد الناصر لا احد سيذهب الي الاستسلام. ووفقاً لما يتذكره احمد حمروش، قال عبد الناصر: لا احد سيذهب الي الاستسلام، او الهرب، وان كل فرد سيقاتل، اجمع نفسك علي بعض يا حكيم، سوف يحول كل الجيش الي قوات حرب عصابات وسينسحبون في العمق المصري، ودعوهم يحاربونا هناك. ان سلوكك لا يتصف بالرجولة، فلم تكد تطلق الا الطلقة الاولي. وليس فقط انني تسلمت قيادة الجيش بشكل مباشر، ولكني لا اريد منكم يا ناس ان تصدروا اية اوامر. لا اوامر تعترض اوامري. ألا تفهم انهم يحاولون تدمير الجيش؟ انها مؤامرة ثلاثية. واذا لم تستطع تقديم ما هو افضل، فعليك ان تتسكع كامرأة عجوز، ومن ثم سيجري اعتقالك ومحاكمتك.

لم يكن عامر بالتأكيد هو الذي وقف معه في الساعات الصعبة في ازمة السويس. ان الشجعان الذين وقفوا معه من مجلس قيادة الثورة كانوا عبد اللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين، والدبلوماسي محمود فوزي. لقد تم تعيين البغدادي كمسؤول عن تنظيم المقاومة علي طول القناة. واصبح محيي الدين الصديق الموثوق لعبد الناصر، وكان مسؤولا عن التأكد من ان جميع اوامر عبد الناصر قد جري تنفيذها. وكان فوزي ممثلا متفوقا في الامم المتحدة. ولان ما كان حادثا هو غزو للتراب المصري، فقد استحضر بشكل طبيعي قول تشرشل الذي تعهد بالقتال من اجل كل قدم في مصر. وقد تم تدريب واعداد الميليشيات المحلية لكي تقدم دعمها للجيش. ومن الطبيعي ان يهرب عشرات الآلاف من الناس من منطقة القناة، ولكن كان هناك اناس شباب يتجهون الي القناة من اجل القتال، وكانت عربات النقل تحمل الهاربين من السويس والمتطوعين الذين يذهبون اليها، مزينة بصور عبد الناصر. ولكن الجدير بالذكر انه لم يكن هناك انكسار في حفظ النظام في تلك الفترة. وقد ترك الناس بيوتهم مفتوحة، ولكن حتي اللصوص قد شحنوا بروح وطنية نادرة دفعوا اليها من الاعلي، ولم يحاولوا استغلال تلك الاوضاع.

وكانت القرارات الاستراتيجية الوحيدة التي اتخذت خلال الحرب هي قرارين: اخلاء سيناء واغلاق قناة السويس، وكلاهما من صنع عبد الناصر. ولم يكن الانسحاب نموذجا عسكريا، وكثير من العسكريين اصابهم الخوف وخلعوا زيهم الرسمي. وقد قاتل الجنود المصريون بشجاعة، حتي في داخل سيناء، وتمسكوا بخطوطهم لاسبوع واحد، ولكن قيادتهم كانت ضعيفة. وفي مناسبات عدة، كان عبد الناصر شخصيا هو الذي يعطي الوحدات المقاتلة اوامر مفصلة عن الانسحاب. اما اغلاق قناة السويس، فكان مسألة اخري. لقد وافق عبد الناصر علي الخطة، وتسلم التقارير عن السفن الغارقة اولا بأول. وخلال جولة علي القناة قبل الانزال المظلي للبريطانيين والفرنسيين، قرر ان يكون مكانه مع القوات علي طول القناة. ولكنه فكر لاحقا في ذلك بشكل افضل. وآنذاك، وفي الوقت الذي كانت فيه اسرائيل ما زالت مشتبكة في معارك ضارية في كثير من الاماكن في سيناء، ضاعف البريطانيون والفرنسيون من قصفهم للجيش المصري والقواعد العسكرية الجوية ومنشآت اخري. لقد حارب المصريون وحدهم، لان عبد الناصر بموقفه المشرف المتخوف من ان البريطانيين والفرنسيين سوف يدمرون اي شيء يعترض طريقهم رفض عروضا سورية واردنية جديدة لمساعدته.

وقد قام العمال السوريون بتدمير ثلاث محطات ضخ لشركة النفط العراقية التي تحمل النفط الي البحر الابيض المتوسط. وقطعت العربية السعودية ضخ النفط الي بريطانيا وفرنسا، وعانت بلدان عربية اخري توترات داخلية، ولكنها اتخذت اجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا وفرنسا. وعمت مظاهر الشغب وانطلقت التظاهرات المؤيدة لمصر والمؤيدة لعبد الناصر من الاطلسي الي الخليج. والي الخلف، في بغداد، راقب نوري السعيد التطورات بخوف واضح. ووفقا لابن اخته جميل عبد الوهاب، العضو السابق في مجلس الوزراء العراقي، فانه عندما تسلم نوري السعيد الاخبار حول الانزال قرب القناة، تحول خاله الي شحوب تام: ماذا يريدون فعله بانزالهم هناك؟ كان عليهم ان يحصلوا عليه هناك في القاهرة. لن ننجو من هذه، وسوف ندفع ثمنه. وفي 5 تشرين الثاني (نوفمبر) تم انزال مظلي جوي بريطاني في بورسعيد، وآخر فرنسي في بورفؤاد. وكانت الامم المتحدة قد اصبحت عاجزة جدا بسبب الفيتو (حق الاعتراض)، وهي التي كان باستطاعتها ان تقرر عدم اتخاذ اي شيء، وهكذا، فانها اصبحت غير قادرة علي العمل. لقد كان الرئيس الامريكي ايزنهاور هو الذي غير كفة الميزان، ودعا دون غموض الي انسحاب فوري من قبل اسرائيل وبريطانيا وفرنسا من الاراضي المصرية.

وقد واصلت اسرائيل عمليات التمشيط بعد صدور قرار الامم المتحدة بوقف اطلاق النار، والقبول به في 7 تشرين الثاني (نوفمبر)، فقد واصل الاسرائيليون استفزاز الوحدات المحاصرة من الجيش المصري، وتركوا الكثيرين منهم دون طعام او ماء. اما البريطانيون والفرنسيون الذين تمركزوا علي بعد عشرين ميلا من القناة، فقد توقفوا في اماكنهم وواجهوا خطر المقاومة المصرية غير النظامية.

لقد خذلني جيشيوكان التصرف الفوري حول الغزو بسيطا، فعمليا وقف العالم بأسره الي جانب عبد الناصر. وقد رأي كل فرد في نجاته انتصارا لمصر. اما عبد الناصر ففكر بشكل آخر. فقد عرف ان ايزنهاور قد انقذه. لقد احس بالهزيمة، ولكن علي يد جيشي، وتمني لو ان الجيش قد ابلي بشكل افضل في الحرب. ولكن شيئا ما ابعد بكثير من حقائق اوضاع المعارك في الميدان كان يحدث للعلاقات العربية ـ الغربية.

لقد اوقفهم عبد الناصر، وقد اعتمد عبد الناصر علي حقائق غير معروفة وغير مجربة تستدعي الدعم العربي وموقف الرأي العام العالمي، وقد استخدم ذلك ليحرم فرنسا وبريطانيا واسرائيل من النصر. لقد احتلت سيناء، ولكن القناة بقيت مصرية. وكان هناك قرار الامم المتحدة الذي قبل بالهوية المصرية للقناة وطالب بتطهيرها. وانسحبت القوات البريطانية والفرنسية من مصر في كانون الاول (ديسمبر) تحت اشراف الامم المتحدة. وفي 8 نيسان (ابريل) عام 1957 اعيد فتح قناة السويس، اي بعد شهر واحد من انسحاب اسرائيل. لقد اصبح انتصار عبد الناصر كاملا. فقد انجز الرئيس جمال عبد الناصر معجزة. وتواصل الموقف المساند للرأي العام العالمي. لقد اصبح الاستعمار شيئا من الماضي.

وبالنسبة الي اسرائيل، فان حرصها علي سمعتها الدولية كان قليلا، ولكن مجمل حرب السويس كان صفعة ضخمة لبريطانيا ولسمعة فرنسا والموقف الدولي. لقد كبدتهم عملية الفارس مجتمعين خمسين قتيلا. وكانت خسائر الاسرائيليين اقل من مئتين، والمصريين ألفين. وبالنسبة الي عبد الناصر، فان النجاح لم يكن يعتمد علي الربح، بل كان يعتمد علي القدرة علي الاستمرارية والنجاة. وبالنسبة الي العرب، فانه ما زال هناك متمرد ورمز حي لآمالهم واقدارهم ورغباتهم. لا احد اعتقد بأنه كسب الحرب، ولكن كل العرب علموا بانه قاتل باسمهم. وعلاوة علي ذلك، فقد تصرف دون خطأ قبل المعركة وخلالها وبعدها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية