ليس بالتليفزيون وحده يحدث التغيير: ما بعد حيفا وما بعد بعد حيفا
هويدا طهليس بالتليفزيون وحده يحدث التغيير: ما بعد حيفا وما بعد بعد حيفاشيئان يمكن بسهولة ملاحظتهما عند متابعة تلك (العلاقة) الفريدة بين التليفزيون والناس، أولهما قدرته علي دفع الناس إلي الشوارع للاحتجاج علي فعلٍ ما.. وثانيهما قدرته علي (نشر تعابير جديدة) لتصبح مصطلحا يوميا شعبيا، وفي نفس الوقت يمكن أيضا بالمتابعة المثابرة التنبؤ بحدود تلك القدرة.. بحيث تعرف متي يعجز التليفزيون عن إخراج الناس إلي الشارع مهما علا نداؤه.. ومتي ينصرف الناس عن مصطلحاته.. فقد أصبح الآن من شبه المؤكد أن بمقدرة الإعلام (التليفزيوني الفضائي بالذات بما يملكه من ميزة الصورة والانتشار) أو بالأحري أصبح بمقدرة أصحاب ومُلاك تلك الفضائيات توجيه الرأي العام حيث يريدون، وبات السياسيون والمثقفون يدركون ذلك.. وبالتالي يستخدمون التليفزيون لجذب الناس إلي صفهم في معاركهم.. كبري كانت أو صغري.. عادلة أو جائرة.. فردية أو عامة، كذلك يدرك القائمون علي صناعة الإعلام قيمة حرفتهم.. فباتوا هم أيضا يستخدمونها لتمرير ما يتفق مع رؤاهم أو مصالحهم من أخبار وتحليلات وتهميش ما لا يخدمهم منها، (لا تصدقوا خزعبلات إدعاء الحياد والموضوعية وما إلي ذلك!) الإعلام إذن بات وسيلة في يد طرفين هدف كل منهما الوصول إلي ما يسمي (الجماهير)، أما تلك الجماهير فمهمتها تنحصر في عملية (الانجذاب) ذاتها! صحيح أن الفضائيات منحت الفرصة الأكبر في تاريخ الشعوب لتلك الجماهير كي يعلو صوتها أفرادا أو جماعات.. لكنها تبقي (جماهير).. تبقي كتلة قابلة للتشكيل، يدل علي ذلك ما حدث في الأسابيع الثلاثة الأخيرة منذ بدء عدوان إسرائيل علي لبنان.. فالناس أو الجماهير تمارس دور (الانجذاب) بآلية تبعث علي الدهشة.. تنجذب للنداء التليفزيوني الأول ثم تبدأ في التراخي استعدادا لنداء جديد! نتساءل مثلا لماذا كل هذه التظاهرات الغاضبة في العواصم العربية رفضا لما تم في قانا اللبنانية من مجزرة للأطفال.. بينما هناك كل يوم تقريبا مجازر مشابهة وبأيدٍ إسرائيلية أيضا في غزة وفي لبنان نفسه؟! لا شيء وراء ذلك إلا طزاجة الصورة! خاصة صور الدماء والجثث! لكنك في الوقت نفسه يمكنك أن تستنتج (من خبرات سابقة مع الانتفاضة الفلسطينية والحرب الأمريكية علي العراق) أنه إذا استمرت المجازر الإسرائيلية في لبنان أياما أو أسابيع أخري سوف تخف المظاهرات و(يعتاد) الناس مشاهد القتل اليومي في لبنان فلا يعودون يغضبون.. إلي أن يحدث شيء أكبر وأكثر إثارة.. شيء جديد.. يستخدمه الإعلام التليفزيوني بحنكة درامية تستطيع حث الناس من جديد علي (انجذاب) آخر.. وخروج آخر.. واحتجاج آخر.. قبل العودة مرة أخري إلي مقاعدهم أمام التليفزيون انتظارا لخبر آخر عاجل أو نداء جديد! دائرة لا تنتهي ولا تفتح عند نقطة ما.. تذكرون مقتل محمد الدرة في غزة؟! تذكرون مجزرة ملجأ العامرية في بغداد؟! بل تذكرون مذبحة قانا الأولي؟! تذكرون ما سمي حينها (تظاهرات الغضب الشعبي)؟! العملية هي ذاتها.. صورة دموية مبهرة.. مستفزة.. تنادي الجماهير أول مرة لتغضب وتحتج، ثم عندما تبدأ الصورة في التكرار.. حتي ولو بشراسة أكبر.. لا تستجيب الجماهير للتليفزيون مهما عرض من صور للجثث.. ليجد نفسه وكأنه (يؤذن في مالطة!).. لأن تلك الجماهير فقدت (لذة الاستفزاز الأول) فراحت تتلهي ـ ببساطة ـ بمتابعة مباريات كرة القدم والمسلسلات وبرامج المسابقات!القدرة الثانية للتليفزيون هي نشر تعابير جديدة لتصبح مصطلحا شعبيا متداولا.. أحدثها مصطلح (ما بعد).. الذي أطلقه حسن نصر الله.. معبود الجماهير الآن.. في خطاباته التليفزيونية عبر قناة المنار التي أخذت شهرتها العالمية من حيث كونها قناة حزب الله، مابعد حيفا.. وما بعد بعد حيفا، لقد أصبح هذا التعبير مصطلحا (محببا) في الشارع العربي! رغم أنه غير عاميّ بأي لهجة عربية.. لكنه جميل معبر.. وجد صدي عند جماهير يستقر بأعماقها حلم الوصول إلي (ما بعد) ما بين يديها! قبل تعبير (ما بعد) كانت هناك تعابير مثل (انتفاضة الأقصي) الذي أطلقته قناة الجزيرة في اليوم الأول للانتفاضة الفلسطينية الثانية.. فصار (الاسم الشرعي الوحيد) لتلك الانتفاضة! وغير ذلك هناك ذلك التعبير الثلاثي: (يشجب ويستنكر ويدين)! ذلك التعبير الذي (يتكرر) في نشرات الأخبار مرتبطا دائما بالحكام العرب والجامعة العربية! تكراره في نشرات الأخبار علي مدي عقود العرب الأخيرة جعله تعبيرا شعبيا ولكن هذه المرة من باب التهكم.. أشجب، أستنكر وأدين بشدة! ومنذ سنوات استخدم أسامة بن لادن التليفزيون للوصول إلي تلك الجماهير بمصطلحاته وتعابيره الخاصة.. (غزوة) مانهاتن.. (فسطاط) الكفر وفسطاط الإيمان.. وغيرها من تعبيرات لادنية صارت تستخدم في المقالات وفي الأحاديث الخاصة، وربما كان تعبير (العلوج) الذي أطلقه الصحاف في وصف الأمريكان من أشهر التعبيرات الجديدة التي نشرها التليفزيون بين الناس.. فصاروا يستعملونها حتي في النكات!هاتان القدرتان للتليفزيون رغم أهميتهما القصوي.. دفعتا الناس إلي الشوارع للاحتجاج.. ووضع المصطلحات الجديدة علي ألسنتهم، يبدو أنهما لا تكفيان، لا تكفيان لأي شيء بالضبط؟! لا تكفيان لإحداث (تغيير كبير جذري) يؤثر في الأحداث ويعيد ترتيب القوي.. يمكن الآن اكتشاف السر الخطير.. حرب إسرائيل علي لبنان هي الحدث الذي يشير بوضوح إلي الشيء (الوحيد الفعال) في إعادة ترتيب القوي.. السلاح! ربما يقفز إلي الذهن سؤال.. (مجرد سؤال فلا تنزعجوا كثيرا).. بعد هذا النجاح التليفزيوني لمصطلحات حسن نصر الله.. هل تأتي لحظة يتجدد فيها مصطلح (دول الطوق)؟ وهل تحمل تلك اللحظة في رحمها أملا بولادة (حزب مسلح) في كل دولة من دول ذلك الطوق؟.. فتكون تلك الأحزاب مجتمعة.. الوسيلة الفعالة المثلي للوصول إلي (ما بعد بعد ما بعد حيفا)… إلي قلب إسرائيل؟!أين تذهب كل منهما:ثروة العربي الثري وثروة بيل غيتس؟ خبر من (الأخبار الخفيفة) التي تأتي عادة في ذيل نشرات الأخبار: بيل غيتس أغني رجل في العالم زهد في ثروته.. زهد في الثراء فتفرغ لعمل الخير ومساعدة الآخرين بما يملكه من أموال تقدر بالمليارات، الرجل ليس عجوزا كهلا وليس مريضا وليس هناك ما يحرمه من التمتع بما جني من أموال طائلة.. عبر ما قدمه للبشرية من خدمات في عالم الكمبيوتر لا تقدر بثمن، وهو نجم يضارع نجوم السينما والتليفزيون والسياسة وأي نجوم وكواكب أخري.. لكنه اختار اختيارا حرا أن يتخلي عن (التمتع وحده) بما يملك وفضّـل متعة أخري هي مد اليد لعون الآخرين، أي أنه يبدو (بطلا لا مكرها!)، الغريب أن عددا من أثرياء الغرب يتجهون نفس الاتجاه.. أي يضعون معظم أو كل ثروتهم في خدمة الآخرين أو في خدمة البحث العلمي، والأغرب أنهم عندما يساعدون الآخرين لا يفرقون بينهم.. تجدهم يساعدون الأقليات في العالم الثالث أو البلدان الفقيرة المختلفة عنهم في الدين واللون والعرق.. نقول الغريب والأغرب لأن مقارنة تتولد في الذهن بين ذلك الاتجاه في الحضارة الغربية وبين سلوك (الأثرياء العرب)! من منا لا يعرف ماذا يفعل معظم أثريائنا بثرواتهم؟! من منا لم يسمع عن (نهمهم) اللامحدود للمتع المختلفة.. المشروعة والمحرمة.. شرعا وعرفا؟! من منا لم يقارن ذات يوم بين (ثمن لحظة متعة) لواحد من هؤلاء.. وما يمكن أن يوفره هذا الثمن من عدة مستشفيات ومدارس في بلد فقير؟! لا أعرف ما سيكون عليه وجه أحدهم لو سألته أن يشتري حصانا واحدا بدلا من اثنين هذه المرة.. ليدفع ثمن الحصان الثاني كمنحة للبحث العلمي في جامعة بلده أو يؤسس به مستشفي عاما أو غير ذلك! أحدهم اشتري مؤخرا حصانا (أو مهرة) بمبلغ 28 مليون دولار! وآخر بني لمحظيته الأوروبية قصرا من الكريستال الخالص في قلب الصحراء.. وثالث أهدي جندية أمريكية شاركت في الحرب علي العراق سيارة ثمنها أكثر من عشرة ملايين دولار.. إلي آخر تلك الأمور الغريبة التي نتساءل ما المتعة فيها.. سوي أنها- ربما- رغبة جامحة في تعويض (نقص ما) يشعرون به.. نقص مذل.. يشعرون معه أنهم لابد أن يخفونه بمزيد من الإنفاق السفيه، لن نأتي بأمثلة من غيرنا.. يكفينا ما قيل في تراثنا.. فقد لاحظ علي ابن أبي طالب ذلك النوع من سفه الأثرياء العرب الذي يبدو متوارثا.. فقالها: ما جاع فقيرٌ إلا بما متع به غني.. ريموت كنترول(1) ما زالت الأخبار تنقل تصدي قوات حزب الله لمحاولة التوغل البري للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.. والحديث اليومي هو عن مواجهات عنيفة بين الطرفين.. اين الجيش اللبناني؟!(2) في إذاعة لندن قالت إحدي المتصلات ببرنامج اكسترا بي بي سي: بعد كل الصور اللي شفتها علي التليفزيون أنا عندي إحساس غريب.. حاسة إني (متخدرة)! (3) في تليفزيون المنار كانت هناك جولة بين مواطنين لبنانيين متضررين من الدمار الذي تلحقه بهم نيران طائرات ومدفعية إسرائيل.. أحد المواطنين قال غاضبا في تعليقه علي المعونات الغذائية العربية المتدفقة علي لبنان: العرب؟!.. شو العرب.. يعطونا معلبات التونة.. ويعطوا إسرائيل.. السلاح ؟!كاتبة من مصر