توسيع دائرة الاشتباك … هل هو ممكن ومجد؟

حجم الخط
0

توسيع دائرة الاشتباك … هل هو ممكن ومجد؟

د. عصام نعمانتوسيع دائرة الاشتباك … هل هو ممكن ومجد؟حزمت القيادة السياسية الإسرائيلية أمرها وقررت، بالتواطؤ مع إدارة جورج بوش، رفض وقف النار إلاّ بعد نشر قوة دولية رادعة في جنوب لبنان. قرار إسرائيل هذا يتطلب إستيلاء قواتها البرية علي إمتداد الشريط الحدودي بينها وبين لبنان علي رقعة بعرض ستة كيلومترات. وقد تستوجب المتطلبات السياسية واللوجستية توسيعها لتصل الي تخوم نهر الليطاني. ذلك كله من اجل تمكين القوة الدولية المزمع إنشاؤها من تسلّم الرقعة المحتلة والمبادرة، بالتعاون مع الجيش اللبناني إفتراضاً، الي تجريد المقاومة الإسلامية (حزب الله) من السلاح في إطار بسط سلطة الدولة اللبنانية علي ترابها الوطني.بصرف النظر عن مضمون قرار مجلس الأمن المزمع إصداره ومدي استعداد حكومة لبنان للموافقة عليه والتعاون في تنفيذه، فإن المخطط الإسرائيلي المعلن ينطوي علي جملة عقبات لا تخدم مصلحة الكيان الصهيوني، أبرزها ثلاث:أولاها ان الهجوم البري مكلف للغاية، وذلك قياساً علي الهجمات اليائسة التي شنّها لواء غولاني وقوات المظليين وكتائب المدرعات طيلة الأيام العشرين الماضية وفشلت فشلا ذريعاً في إختراق المواقع المتحركة لمقاتلي المقاومة. ثانيتها ان إحتلال رقعةٍ علي إمتداد الحدود بعرض ستة كيلومترات، ناهيك بمحاولة الوصول إلي مصب نهر الليطاني علي مسافة 30 كيلومتراً من الحدود، يتطلبان وقتاً طويلا يتجاوز مهلة الأسبوع التي حددتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للإتفاق علي قرار وقف إطلاق النار. في هذه الحال، فإن استمرار إسرائيل في القتال سيكون موضع سخط عالمي واسع قد لا تجد إدارة بوش مصلحة لها في تغطيته.ثالثتها ان وصول القوات الإسرائيلية الي تخوم نهر الليطاني لا يخلّصها من مشكلة تواجد عناصر المقاومة الإسلامية في الرقعة المحتلة وقدرتها علي مواصلة القتال وفق أساليب حرب العصابات، كما لا يلغي قدرة عناصر المقاومة الإسلامية المتواجدة شمالي نهر الليطاني علي إطلاق الصواريخ ذات المدي المتوسط والبعيد علي إسرائيل. بل هو لا ينهي ظاهرة حـزب الله ووجوده الشعبي ونفوذه السياسي في بقية المناطق اللبنانية، الأمر الذي يحرم إسرائيل من تحقيق اهم أغراضها السياسية والاستراتيجية من وراء حربها علي لبنان.هذه الوقائع تطرح في الجانبين الإسرائيلي واللبناني (كما العربي والإسلامي) سؤالا حول مدي إمكانية توسيع دائرة الاشتباك لكلٍ من الجانبين. ذلك أن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرةً الي تجريب خيار عسكري آخر اذا ما وجدت نفسها عاجزة عن إحتلال الرقعة اللازمة في لبنان لجعل قرار إنشاء القوة الدولية قابلاً للتنفيذ. فما هو الخيار الذي يمكن ان تعتمده إسرائيل؟ هل تلجأ الي مزيد من عمليات التدمير الشامل للبشر والحجر والشجر أملاً في دفع حكومة لبنان الي الضغط علي حزب الله لوقف القتال والقبول بشروط تل أبيب وواشنطن؟ ام تراها تلجأ الي تطبيق قاعدة ذهبية في مذهبها العسكري مفادها ان ما لا يؤخذ بالعنف يتم أخذه بإستعمال قدر اكبر من العنف؟ ام هل تلجأ الي خطة مغايرة جوهرها شن هجوم بري صاعق بتغطية جوية كثيفة علي محور الخيام ـ مرجعيون بقصد الوصول، عبر البقاع الغربي، الي طريق بيروت ـ دمشق وربما الي الشمال منها بقصد قطع الإمداد اللوجستي عن حزب الله؟إن إعتماد أيٍّ من هذه الخيارات يطرح علي المقاومة وحزبها وداعميها أسئلة مفتاحية: هل يقتضي مواجهة توسيع دائرة الاشتباك من طرف إسرائيل بتوسيع دائرة الاشتباك السياسي والعسكري ضدها، لبنانياً وعربياً وإسلاميا؟ هل تضاعف المقاومة من إطلاق صواريخها في إطار مرحلة ما بعد حيفا ، ام تراها تتجاوزها إلي مرحلة ما بعد بعد حيفا ، وما هي تداعيات هذا القرار؟ هل تجد سورية نفسها مضطرة، إزاء دخول القوات الإسرائيلية إلي جنوب لبنان وربما إقترابها من حدودها، الي تحريك جبهة الجولان وتفعيلها تدريجا لتخفيف الضغط عن جبهة لبنان التي تشمل في الواقع البلد كله؟ هل تجد إيران من مصلحتها إعادة النظر بسياستها الراهنة في العراق، فتدفع أنصارها في الوسط الشيعي الي التعاون مع القوي الإسلامية السنّية وقوي المقاومة القومية والإسلامية لمقاتلة قوات الاحتلال الأمريكي علي مستوي العراق كله ما يؤدي الي إستنزافها ويدفع واشنطن الي التخفيف من ضغوط إسرائيل علي جبهتي لبنان وسورية ؟إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتوقف علي جملة عوامل إسرائيلية وأمريكية وعربية وإسلامية .أول العوامل قدرةُ إسرائيل علي مواصلة الحرب. اذا كان مداها الأقصي 15 ـ 10 يوما من الآن فإن ذلك يقع في إطار قدرة المقاومة اللبنانية علي الإحتمال. اما إذا أظهرت إسرائيل تصميماً وقدرةً اكبر علي مواصلة القتال فإن معني ذلك ان أمريكا هي وراء قرارها وانها توفّر لها الدعم السياسي والمالي واللوجستي اللازم لمدة طويلة.ثاني العوامل مخططُ الولايات المتحدة الحقيقي في هذه المرحلة : هل يهدف إلي دعم إسرائيل وإخراجها من الورطة التي زجّتها فيها علي نحوٍ يؤمن لها الحدّ الأدني من الأمن والإستقرار ام انه يتجاوز متطلباتها الخاصة ليشمل منطقة النفط برمتها من سواحل البحر الأحمر غرباً إلي سواحل بحر قزوين شرقاً ؟ثالث العوامل مدي استعداد سورية لتطوير صمودها الي مواجهة فاعلة لإسرائيل، خصوصا في حال قيام هذه الأخيرة بالاقتراب من حدودها الغربية مع لبنان أو قطعها طريق بيروت ـ دمشق. غير ان قرار سورية محكوم بعاملين، عربي وإيراني. فالدول العربية عاجزة عن عقد قمة طارئة لمواجهة التحديات والأخطار الماثلة. اما إيران فإنها، رغم دعمها السياسي واللوجستي للمقاومة الإسلامية في لبنان وإعلان تصميمها علي التدخل دفاعاً عن سورية فيما إذا هاجمتها إسرائيل، فإن إنشغالها بملفها النووي وصراعها السياسي مع أمريكا لا يعطيها، ظاهراً علي الأقل، هامشاً من حرية الحركة. غني عن البيان، ان قرار سورية في شأن توسيع دائرة الاشتباك يتوقف، في التحليل الأخير، علي مدي فعالية العاملين العربي والإيراني في المواجهة المفروضة عليها.من الناحية النظرية، تبدو المرحلة الراهنة مؤاتية للعرب، كما لإيران، لتوسيع دائرة الإشتباك مع إسرائيل خصوصا والولايات المتحدة عموما. ذلك ان إسرائيل لم تستطع ان تخرج بعد من صدمة إخفاقها العسكري، طيلة الأيام العشرين الماضية، في إلحاق الهزيمة بالمقاومة الإسلامية، بل ان هذه الأخيرة ألحقت بها الهزيمة فعلا بنجاحها في صدّ هجماتها البرية وتكبيدها تكلفة عالية، كما بنقل الحرب إلي عمقها بصواريخ متعددة المدي شكّلت نوعاً من المفاجأة الإستراتيجية الكاملة. كذلك تبدو إيران في وضع يمكنها من إستنزاف القوات الأمريكية في العراق مع تصاعد المقاومة القومية والإسلامية من جهة وتعثّر إدارة بوش في إيجاد مخرج لها من المستنقع العراقي من جهة أخري. غير ان إيران تبدو متعقلة بل شديدة التعقل والتروي في تصعيد المواجهة ضد أمريكا. لعلها تنتظر مزيداً من التعثّر الأمريكي علي جبهات لبنان وسورية والعراق، ومزيداً من التناقض بين أمريكا وأوروبا وروسيا إزاء ملفها النووي، قبل ان تقرر تفعيل سياسة المواجهة المتطورة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.حيـال هذا المشهد السياسي الإقليمي الملتبس والمترع بإحتمالات شتي، لا يبقي أمام.. المقاومة اللبنانية إلا ممارسة المزيد من الجهاد والإستبسال، كما لا يبقي اما القوي الحية في الأمة الاّ ممارسة المزيد من الضغوط الشعبية علي الأنظمة المتواطئة والمتخاذلة لدفعها إلي فك إرتباطها بأمريكا ووقف تخاذلها أمام إسرائيل.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية