عنفوان البطولة في الأمة

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

هناك ثلاثة أنواع من المماحكة والمناكفة مع الظاهرة المبهرة لحزب الله في ملحمة الصُّراع الوجودي بين العرب والمسلمين من جهة وبين الصهيونية النازية والجنون الأمريكي من جهة أخري.1: هناك أولاً القزامة المثيرة للضحك والشفقة التي ظهر بها الكثير من قادة الأنظمة العربية وهم يحاولون بكل الطرق التعبيرية التقليل من أهمية، بل ورفض، خروج زعامة جديدة، بالغة الشجاعة والصًّفاء الإنساني والإلتزام الأخلاقي، من وسط الفقراء والمهمًّشين الذين لايملكون اليخوت والطائرات الخاصة وقصور الترف والصفقات وقيح الضمائر. ومع ذلك فالقليل الذي يملكونه من مساكن متواضعة ونتف مزارع يقتاتون منها يقدٍّمونه بفرح كثمن لنبل إنساني في داخلهم يدفعهم لأن يموتوا واقفين وأبصارهم تشخص إلي السماء بدلاً من أن يموتوا منبطحين وألسنتهم تلعق الترب والطٍّين.

هذا التأزُّم النفسي من جرًّاء غضب الحسد والغيرة في النفوس الصغيرة الرثًّة وهي تقارن بين قدرة الآخرين وعجزها، بين تضحيات الآخرين وجشعها وأنانيتها، بين نبل الآخرين وخسًّتها، هي التي تفسٍّر إلي حدٍّ كبير الأسباب الخفيًّة وراء وصف مقاتلين أبطال بصفات التهور والإستعجال والإستزلام وهم في أوج محنة مواجهتهم لقوي صهيونية حقيرة لاترحم ومؤامرة امريكية لا أخلاقية لا تخجل وصمت دولي يعلن عن عفن الحضارة الإنسانية وهي في طريقها للانتحار.

هذه النفسية النرجسية التي لا تري في الوجود إلاً نبتتها ونبتة أولادها لاتستطيع تحًّمل عرض تضحيات فقراء لبنان وفلسطين علي شاشات تلفزيوناتها فتوجٍّه بالتعتيم عليها وتشويهها، ولا تستطيع كتم غيظها فتخرج من أفواهها تصريحات من مثل أنني لن أقحم جيشي (لاحظ جيشي وليس جيش بلدي) في الحرب من أجل هذا أو ذاك، وترفض انعقاد قمة عربية ستكشف شلل إرادتها وتضع في العراء هوانها علي نفسها.2: هناك ثانياً أشكال من المجموعات، بعضها تصف نفسها بالليبرالية زوراً وبهتاناً، وبعضها ارتهنت نفسها للمال الأمريكي ولكل إغراءاته ورشاويه، وبعضها لم تعد تعرف أولويات الحياة العربية…. وهي كلها تتكون من أفراد منشغلين بعالمهم الخاص أكثر من إنشغالهم بمستقبل الأمة ومصيرها. هؤلاء يخافون أن يعني إنتصار ظاهرة حزب الله، حتي ولو كان إنتصاراً علي جزًّاري الأمة، عدم قدرتهم في المستقبل الجلوس في مقهي وإحتساء البيرة أو الويسكي بحرية أو الإضطرار للبس ثياب محتشمة أو عدم القدرة علي مشاهدة أفلام الجنس والأستماع لأغاني المجون الهابطة، بالنسبة لهؤلاء ممارسة الحرية الفردية في أشدٍّ ضحالة مستوياتها هي أهم بكثير من الوقوف مع من يحاولون بشرف إنقاذ مجتمعاتهم وأمتهم من جحيم ورطة تاريخية تفرضها المؤامرة الصهيونية الامريكية ليل نهار، عار الأمة عند هؤلاء يقلُّ في أهميته عن كأس بيرة.3: هناك ثالثاً خليط عجيب من قادة ومحلٍّلي وكتاب الغرب الأوروبي والأمريكي ومؤسسات هيئة الأمم المتحدة ممًّن لم يروا في مقاومة حزب الله إلا خوفهم القديم من إنبعاث جديد لروح الإسلام الحقيقية التي تسمو بالإنسان وتحرره من الخوف والعبودية والأساطير والتخلف، لا إسلام الدًّروشه والهذيان والتعصُّب والجهل، فكانت النتيجة أنهم عموا عن رؤية أهوال الدًّمار وموت الأطفال البشع وحقوق المدنيين وحصانة المشاعر الإنسانية في سبيل أن لايخدش تحالفهم مع الحركة الصهيونية النازية ومع مجانين واشنطن. بهذا العمي الذي مارسوه أعلنوا موت عصر الأنوار الأوروبي والتضامن الإنساني والنظام السياسي الدولي.

ما لا تعرفه الفئات الثلاث هو أن حزب الله قد أصبح عنوان المستقبل وأن أمة تذوق حلاوة البطولة التي يسطرها بعض من أبنائها لاتستطيع إلاً أن تعود المرة تلو المـرة لتتلذًّذ بطعمهــا، والذي سيجعل ذلك حتميُّاً أن قائدها في هذه المرة، المتواضع الفقيه حسن نصر الله ـ لم يشأ أن يضع إكليل أي إنتصار علي رأسه، وإنما وضعه بابتسامة وأدب جمٍّ فوق رأس أمته، وهي أمة لن تخذل عنفوان البطولة في أحشائها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية