رشاد أبو شاور
خرجت قليلاً لجلب بعض الحاجيّات، ثمّ عدت علي عجل، فأنا كملايين العرب أتسمّر ليل نهار أمام شاشة التلفزيون، أتنقّل بين (المنار) و(الجزيرة)، وقلّما أمّر علي فضائيات عربيّة أخري، مع استثناءات في متابعة بعض البرامج كبرنامج (قلم رصاص) … كنت أتوقّع شيئاً ما، حدثاً جللاً مروّعاً (ما)، بعد خطاب السيّد حسن نصر الله يوم السبت 27 تموّز (يوليو) الجاري، والذي تميّز برحابة الرؤية، ودقّة المتابعة، والروح الوطنيّة اللبنانيّة المتسامحة، والرّد المقنع الواقعي المحاجج بعقلانيّة علي كّل الأسئلة والتخوفات و.. حتّي الأراجيف، والتأشير علي انتصارات المقاومة دون تهويل، والتواضع المحبب من قائد لمقاتلين رفعوا الرأس في (مارون الراس) و(بنت جبيل) … توقعت فعلاً عسكريّاً لئيما، وإن كنت أستبعد أن يفلح العدو المتغطرس في التمكّن من إنجاز فعل كبير عسكريّاً، لأن مقاتلي حزب الله ليسوا في مكان، وهم في كل مكان، إنهم الهواء، والضوء، ولذا لا يمكن رصدهم، وتحديد حركتهم، وقصف مواقعهم… وإذ أضاءت الشاشة، انبثق المشهد المذهل، وقد ظننته قديماً، ظننته قانا (عناقيد الغضب) وأن (المنار) تذكّر به! نقّالات عليها أشلاء، أجساد متحاضنة ومتوارية تحت الدمار، أطفال وأمهات ينمنهم علي أذرع باتت بلا حياة… لا، ليست قانا عناقيد الغضب ما أري، إنها قانا جديدة علي الهواء مباشرةً، هذا بناء، وليس ذلك الموقع في معسكر القوّات الدوليّة!
هذا هو إذن ما يمكن أن يتفتّق عنه عقل هذا العدو! مذبحة جديدة في (قانا)، يبررها رئيس وزراء العدو أولمرت بأن أهالي قانا طلب منهم الرحيل من بلدتهم، ولكنهم لم يفعلوا!
هل نسينا مذبحة قانا عام 96، التي حملت اسم (عناقيد الغضب)؟! تلك المذبحة التي وقعت في موقع لمراقبي الأمم المتحدّة، دون إدانة من الأمم المتحدة، ومن مجلس الأمن حيث أمريكا بالمرصاد لكّل من يفكّر في إدانة أداتها وربيبتها… شمعون بيرس، حامل نوبل للسلام، كان رئيساً لوزراء العدو آنذاك، وأراد من (المذبحة) أن تمنحه شعبيّة تعيده رئيساً منتخباً للوزراء!
عمالي يقترف مذبحة (قانا) الأولي عام 1996 ليكودي مزمن، في قيادة حزب (كاديما) ـ إلي الأمام، تقدّموا ـ يقترف مذبحة 2006، وبعد (خطأ) مقصود بحق قوّات الأمم المتحدة، وسلسلة مذابح متفرّقة يوميّة في الحرب الأمريكية (الإسرائيليّة) التي تمارس فيها دولة العدو دورها تماماً: دولة وظيفة ودور، ومخلب قّط، وقاعدة عدوان متقدمّة علي العرب، وحارسة لمصالح الولايات المتحدة و(شريك صغير) دوره تأديبي، بلطجي… مذبحة لأطفال ونساء وعجّز، هوت عليهم القنابل الأمريكيّة الذكيّة التي للتو وصلت بالتوقيت مع وصول وزيرة خارجيّة أمريكا، رايس… هل أصف ما شاهدته وأشاهده علي مدار الساعة؟!
لقد بت أعرف الطفلات واحدةً واحدة، جثّة جثّة، تلك التي تشبه اللعبة، التي يتعفّر وجهها بالإسمنت، وتلك التي مدّدت علي التراب، وأمام الكاميرات رفع أحد ذويها ـ لعلّه أبوها، عمّها، جارهم الذي كان يمازحها ويريدها عروساً لابنه علي ـ رأسها أمام الكاميرات في لقطة تذكارية لها قبل الدفن في القبر الجماعي (دفن الوديعة) … إذاً هذا هو رد جيش (الدفاع) علي هزيمته في مارون الراس، وبنت جبيل، وعيترون!
هجوم معاكس بالقنابل الذكيّة علي ملجأ متواضع في قرية بسيطة، تهمتها أنها لبنانيّة، تماماً كالمقاومة!
هذه هي (طهارة السلاح) التي ياما تباهي بها جيش العدو، وقادته! طهارة السلاح التي خبرناها في فلسطين في سلسلة مذابح: دير ياسين، الدوايمة، خان يونس، الطنطورة، في صبرا وشاتيلا، في بحر البقر، في قانا الأولي، في… عدو وضع في رأس مهماته أن ينشر الخوف في نفوس المواطنين العرب، باستهتار، وبلا حساب من أحد، فهو محمي عسكريّاً، وسياسيّاً، وديبلوماسيّاً من دول تناوبت علي رعايته، ومدّه بكل ما يحتاج من سلاح، ومال، وتغطية (بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكيّة بكل إداراتها، الحليف والراعي الاستراتيجي) … مرّة أخري يعود عدونا المتوحّش إلي قانا، ليذبح أطفالنا، ونساءنا، وشيوخنا، تمدّه إدارة بوش الصغير بأشد القنابل فتكاً، وبالفيتو في وجه كل من يطالب بوقف إطلاق النار، أو إدانة للعدوان، أو مجرّد لوم لهذه الدولة المارقة، قاعدة الشّر في بلاد العرب… لم تخرج في لبنان أصوات تطالب بوقف المقاومة، ورفع راية الاستسلام… والناس يرون مشاهد المذبحة، اندفعوا إلي قلب بيروت، العاصمة الجميلة، الشجاعة، التي كنست الاحتلال بقوّة المقاومة لا باتفاقيات سلام مذلّة… اللبنانيون البواسل اندفعوا إلي قلب بيروت، وارتفعت هتافاتهم: الموت الموت لأمريكا، الموت الموت (لإسرائيل). وعلي فضائيتي المنار والجزيرة، تناوب زعماء لبنان من كل الطوائف، والاتجاهات السياسيّة: لا لاستقبال رايس، يجب إيقاف إطلاق النار فوراً وبدون شروط… لبنان يتّحد تحت النار، يجوهر، ينهض من أجل قانا التي شهدت أولي معجزات السيّد المسيح… يا أشلاء أطفالنا في قانا الجليل الموت الموت لأمريكا الموت الموت (لإسرائيل)العار كل العار للحكام الخونة العار للكتّاب المنافقين فاسدي الضمائر الذين نظّروا للعدوان بحجج تنسجم مع فتاوي شيوخ النفط والحكّام المستبدين العجزة… المجد للمقاومة العربيّة في فلسطين، والعراق، ولبنان…