يا أمة ضحكت!!
د. عبد العزيز المقالحيا أمة ضحكت!!كان شاعر العروبة الاول ابو الطيب المتنبي حكيما يري بعين النبؤة الشعرية الي ابعد من زمنه. وكان وهو يرصد مراحل الافول التدريجي للدولة العربية الاسلامية ينظر وكأن الأفول قد اكتمل، وان الامم كلها تسخر من امة العرب وتضحك من انقسامها وتشتت ابنائها، ومما يتبع ذلك من ضعف يغري العدو، ويبعث الحزن في نفس الصديق ـ ان وجد ـ ويبدو من متابعة فصول التاريخ الوسيط والحديث ان الهوان العربي الذي وصل ذروته في هذه الايام قد بدأت مظاهره الاولي من منتصف القرن الرابع الهجري، ومع بداية ظهور الدويلات المتناحرة والعصبية البغيضة التي انعكست في صيحة الشاعر العظيم: يا امة ضحكت من جهلها الامم.ومن المفارقات الطريفة ان المتنبي لم يجد في عصره من يقول له انه يجلد ذاته ويبصق في وجهه، كما يقول البعض الان لمن يقفون علي اطلال امتهم باكين مشفقين ومستثيرين بقايا النخوة والارادة. وقد سبقهم الي مثل هذا الموقف شعراء ومفكرون من شعوب اخري، لعل اقربهم الي الذاكرة في هذه اللحظة المفكر والفيلسوف الالماني يوهان فيخته الذي وجه في خطابه الي الامة الالمانية المنقسمة والمتناحرة في عهده اقذع السباب وأقسي اللوم، لعلها تصحو وتتخلص من ضعفها وانقسامها. وقد اثبت التاريخ ان صوته الغاضب لم يذهب سدي كما ذهب صوت المتنبي في صحراء خالية الا من الرمال. كان فيخته في غضبته الوطنية القومية يتمني لو امتلك من احجار المطاحن المخرومة ما يكفي ليعلقها في اعناق مواطنيه ويلقي بهم في البحر!!وهي امنية تليق ـ حاليا ـ بنا نحن العرب المتفرجين علي اشقائنا في فلسطين ولبنان وهم يذبحون من الجو والبر والبحر، وتدمر منازلهم، ولا يرتفع لنا صوت، كأننا نشاهد فيلما سينمائيا تقوم احداثه علي الخيال لا في الواقع. وكأن الاطفال الذين يتساقطون علي الارض التي ارتوت من دمائهم ليسوا سوي دمي مطاطية، من تلك التي يجيد المخرجون السينمائيون صناعتها واللعب بها. وهنا يكمن سر تبلد الاحساس وارتفاع درجة اللامبالاة الي حد يثير الاشمئزاز، ويبعث علي اليأس من امة ضحكت ـ وما تزال تضحك ـ منها امم الارض القريبة والبعيدة.واذا كان ابو الطيب المتنبي قد وضع وصيته العربية في ذلك البيت البديع من الشعر ومضي نحو خالقه شهيدا، فان رجلا عربيا من عصرنا وضع وصيته هو الاخر، ونتمني له طول العمر ودوام العيش، واعني به الاستاذ عمرو موسي الامين العام لجامعة (الخلافات) العربية. لقد وضع هذا الرجل في ساعة صفاء ذهني وانساني وصيته في نقطتين لا ثالث لهما. النقطة الاولي تقول: ان السلام الذي يتحدثون عنه بين الكيان الصهيوني والعرب قد مات وشبع موتا وانه كان محض شماعة للتطبيع واستمرار العدوان. اما النقطة الثانية فتقول: ان علي الشعب العربي ان يقوم بواجبه لان الانظمة اعفت نفسها من كل مسؤولية تجاه كل ما تتعرض له الامة من كوارث وآلام واكتفت بدور من لا يري ولا يسمع ولا يقول.ومما يدعو الي التحسر ان البعض يرون في صيحـــة المتنبي، كما يرون في صيحة الامـــــين العام ما يوحي باليأس والاحباط، في حين ان الصيحتين كلتيهــــما تمثلان مقدمة لزلازل شعبية كفيلة بأن تجعل الشعب العربي المقهــــــور المحروم من حرية التعبير يستعيد مسؤوليته وحيويته وقلقه علي مصيره، ويتخلص نهائيا من اللامبالاة، ويشعر ان له قدرات خارقة لو استخدم بعضها لتغير مجري هذا الكون الفسيح.تأملات شعرية:صيف دامصيف مُرُّ الشمساحس مرارته في حلقالارض.وفي صمت فضاء اللهالمفتح علي الاحزان.كان الشاطيء في غزةفي بيروت النشوي مسكوناببهاء البحروفي لحظات.. سقط الليلتحطم بلور البهجةفوق دماء فلسطين ولبنان.0