لماذا تخالف هذه الحرب سابقاتها؟ هذه هي المرة الاولي التي ابتدأت فيها اسرائيل تتحدث بلغة الشرق الاوسط. بعد نحو من ستين سنة أخذ الجيش الاسرائيلي آخر الأمر يفهم قواعد المنطقة. يحدث الأمر مدهشا أعداءنا الذين اعتادوا أن يروا اسرائيل والجيش الاسرائيلي يتلعثمان بكلام غريب، مفصول عن المنطقة. يكفي هذا لتغيير الشرق الاوسط، كما قال رئيس الحكومة بحق.
في الشرق الاوسط لا يهاجمون القوي بل الضعيف، وبخاصة حينما لا يكون مستعدا. هاجمت اسرائيل حزب الله حينما لم يكن مستعدا للمعركة ولم يتوقعها. في الشرق الاوسط يبنون مجال ردع باستعمال قوة عسكرية كبيرة، ويفترض أن يعمل هذا الردع لسنين طويلة. لم تعرف اسرائيل قط كيف تنفذ الردع، ولو كانت كذلك، فانها لم تقصد الي خلقه. يعلم كل واحد اليوم في الشرق الاوسط أن من يهاجم اسرائيل سيدفع ثمنا باهظا، لا يُحتمل، الي حد خراب الدولة المهاجمة.
تفهم اسرائيل اليوم أنه يجب في الشرق الاوسط الضرب مع الاخلال الاول وعدم الانتظار سنين، لأن ذلك قد يكون متأخرا جدا. لو أن الجيش الاسرائيلي كان انسحب من لبنان مع هدم الجنوب، لكانت هذه الحرب كلها لم تحصل. تنطبق هذه القاعدة ايضا علي الانفصال. وهكذا الأمر فيما يتعلق بالاختطاف. لو كان الجيش الاسرائيلي رد بشدة في سنة 2000 علي اختطاف الجنود، لما كان حزب الله وايران تجرأ علي جعل لبنان كله مكان سيطرتهما. قلبت اسرائيل اليوم الطبق: فبدل أن يكون الاختطاف في غير صالح اسرائيل، الي حد ابتزاز دولة كاملة، سيعمل الاختطاف منذ الآن لغير مصلحة الخاطف والدولة التي جاء منها.
يدرك الجيش الاسرائيلي اليوم أنه في حروب الشرق الاوسط يكون الواقع علي الارض في جهة والاعلان بالنصر في جهة اخري. هُزم صدام حسين في سنة 1991 ومع كل ذلك أعلن عن الحرب أنها أم جميع المعارك. وهُزم المصريون هزيمة شديدة في 1973، ومع كل ذلك يرون تلك الحرب نصرا عظيما. تدرك اسرائيل اليوم أنه من اجل أن تُري منتصرة يجب تنفيذ اعمال رمزية، نفسية، مثل إنزال جنود الكوماندو بالمظلات داخل مدينة بعلبك، أو في المستقبل ـ اغتيال رؤساء حزب الله. إن خطوات كهذه فقط ستهب الاحساس بالنصر، الحيوي جدا من اجل الصراعات القادمة.
لم يقم المواطنون قط بدور في الشرق الاوسط. في حرب ايران والعراق قُتل مئات الآلاف، من غير أن يهتم أي طرف. واجهت اسرائيل عقبة اخلاقية، استغلها الجانب الثاني استغلالا هزليا جدا، ليختبئ من وراء مواطنيه، كما حدث في كفر قانا ايضا. نجحت اسرائيل في هذه الحرب في اقتحام العقبة عندما طُلب الي جميع سكان جنوب لبنان اخلاء بيوتهم في اثناء وقف اطلاق النار المؤقت. ومن لم يفعل ذلك فانه يتحمل التبعة. إن يدي الجيش الاسرائيلي مطلقتان الآن ليُبيد حزب الله، الذي بقي في دهشته مكشوفا عاريا، من غير الشيوخ والنساء الذين اختبأ من ورائهم.
أهلا وسهلا بك في الشرق الاوسط يا اسرائيل. وعلي نحو تناقضي، سيستقبلك الشرق الاوسط بفضل استعمال القواعد خاصة. لن يكون له مناص في هذه المرة.
غاي باخوركاتب مستشرق(يديعوت احرونوت) 3/8/2006