الجيش الاسرائيلي حقق انجازات لا بأس بها في هذه الحرب وسيصل الي أهدافه جزئيا
محاسبة النفس يجب أن تتم بعد الحربالجيش الاسرائيلي حقق انجازات لا بأس بها في هذه الحرب وسيصل الي أهدافه جزئيا خلال أكثر من عشرين يوما قام سلاح الجو والمدفعية التابعين للقيادة الشمالية، بضرب قرية عيتا الشعب، وهي تجمع صغير يبلغ تعداده 4 آلاف نسمة. كان من المتوقع أن لا يبقي في هذه القرية حجر علي حجر. ولكن ذلك لم يحدث إذ اتضح أن ذلك لم يؤد الي إزالة الحاجة للقتال البري من بيت الي بيت. والآن ايضا، في الاسبوع الرابع للحرب، ما زالت هناك كتيبة مظليين تقوم بتمشيط المباني المدمرة. ليس واضحا كم كان عدد مقاتلي حزب الله فيها، إلا أنهم يُقدرونه بالعشرات.في بلدة بنت جبيل الأكثر كِبرا ـ أحد معاقل حزب الله المركزية علي خط المواجهة ـ كان هناك 200 عنصر من حزب الله، وفي عيتا الشعب كان بضعة عشرات. الاستخبارات لا تعرف تحديد العدد بالضبط. هم يعرفون أن هناك عدة خلايا مختبئة في القرية وسرعان ما تطل برأسها عندما تصبح القوات الاسرائيلية مكشوفة وعُرضة لنيران القناصة ومضادات الدروع. رغم القصف الثقيل لم يفروا، والآن لم يعد بمقدورهم أن يفعلوا ذلك، ذلك لأن كتيبة المظليين قد اجتازت القرية وتمركزت علي الخط الاحمر ، خط الشريط الأمني القديم ـ وقد بدأت بالتمشيط للوراء حتي تُنظف المنطقة بشكل كامل من عناصر الحزب، وهذا يتطلب وقتا. كم؟ أياما طويلة ـ اسابيع.بعد عملية التطهير الأولية سيدخل الي هذه المنطقة جنود الاحتياط الذين سيضطرون الي تطهير المكان. القوات النظامية ستتحرك شمالا نحو خط تماس جديد. اذا تقرر مواصلة احتلال المنطقة حتي الليطاني ـ فستزداد المهمة الملقاة علي عاتق جنود الاحتياط. لقد أصبح من الممكن منذ الآن إدخال فرقة احتياط اضافية مدربة بصورة ملائمة.عيتا الشعب ما هي إلا قرية واحدة فقط، ومثلها العشرات. حزب الله بني قشرته الصلبة في سلسلة قري محصنة علي طول الحدود مع اسرائيل. وعندما تُقشر هذه الطبقة تصبح الحركة نحو الشمال أكثر سرعة، حيث المقاومة أقل مستوي وشدة.تحليل الرشقات الصاروخية الأكبر ـ 250 في يوم الاربعاء وحده ـ يُظهر أن اغلبية الصواريخ موجودة في مناطق لم يصل الجيش الاسرائيلي اليها. الرشقة الأكبر كانت علي كريات شمونة ـ عشية الاعلان عن وقف اطلاق النار لمدة 48 ساعة ـ وقد أُطلقت من شمال الليطاني، من منطقة النبطية. الاستنتاج من ذلك هو أن الحل الصحيح للكاتيوشا قصيرة المدي يكمن في التواجد البري في مناطق الاطلاق، الي أن تتم التسوية السياسية. ولكن الوصول الي هذا التواجد البري يستوجب تحطيم التحصينات الحدودية التي بناها حزب الله في القري الممتدة علي الخط الاول. الجدول الزمني المتاح أمام اسرائيل قصير، وليس لديها عدة أشهر لذلك.عيتا الشعب مثل بنت جبيل ومارون الراس، ما هي إلا علامات مميزة في تركة المظليين وغولاني الحربية. من المفترض أن تكون مؤشرا علي النقطة الانعطافية، وأن تكون الكوابح الاولي في السباق الذي يخوضه الجيش الاسرائيلي خلال السنوات الأخيرة. هذا السباق الذي تكرست فيه نظريات الجيش الرقمي المعد لآلاف العمليات من آلاف الكيلومترات.في بنت جبيل ومارون الراس عدنا الي الشرق الاوسط القديم. هناك لم يتبين فقط أن المناورات البرية لم تُنه دورها ـ بل إن المعركة لا يمكن أن تتم من دونها، وأنه ليس من الممكن خوض المعركة من دون توسيخ الأيدي ومن دون النظر للعدو في عيونه. قادة كبار في سلاح البرية يشعرون الآن فجأة بالرضي. هم الذين صرخوا ضد تدمير جيش الاحتياط، وضد تآكل العناصر التقليدية في الجيش البري ـ يرفعون الآن قاماتهم لأن هذه الحرب جاءت لتبرهن علي صحة أقوالهم. حرب لبنان الثانية ضبطت الجيش الاسرائيلي وهو يوشك علي اتخاذ قرارات غير قابلة للتغير بشأن تركيبته.تعبير عن خلاف جوهريالحرب في لبنان بدأت بضربة جوية امتدت لاسبوعين، وعندما كانت الساق البرية مشغولة بالدفاع عن نفسها، كانت لسلاح الجو انجازات ممتازة. الي جانب الاستخبارات العسكرية والموساد قام هذا السلاح ببذل جهود قوية خلال السنين في مجال القدرة الصاروخية طويلة المدي التي راكمها حزب الله. في اليوم الذي اندلعت فيه الحرب، وخلال 34 دقيقة، تم ضرب منظومة صواريخ فجر التي يبلغ مداها 90 ـ 120 كيلومترا بصورة شديدة. أحد الأهداف التي وضعتها اسرائيل لهذه الحرب هو أن لا يعود حزب الله تهديدا استراتيجيا بالنسبة لها، وقد تحقق جزئيا خلال أقل من ساعة. 59 مبني كانت مستخدمة لتخبئة هذه الصواريخ دُمرت بصورة دقيقة، ومن ثم أُصيب جزء من منظومة زلزال الايرانية.خلال اسابيع القتال الثلاثة أباد الجيش الاسرائيلي أكثر من 3600 هدف، اغلبيتها من الجو. 423 قاعدة صاروخية، 66 خط اتصالات و128 جسرا و1187 هدفا ارهابيا مثل المخازن والوسائل القتالية. فماذا فعل ذلك لحزب الله؟ هل توقف عن أن يشكل هدفا مهددا لسكان دولة اسرائيل؟ الجواب هو لا في الوقت الحالي. في الاسبوع الثاني فقط، وبعد تأجيل، قام الجيش بتحريك الساق البرية وأدرك المطلوب أخيرا.الحرب في لبنان تُعبر عن خلاف جوهري يلازم هيئة الاركان منذ عدة سنوات. ومن يريد فهم الخلاف بين دان حلوتس ومن نافسه علي المنصب، غابي اشكنازي، عليه أن يعود الي الاختلاف القائم في خلفية ذلك حول أفضلية وأهمية السلاح البري. اختيار دان حلوتس كان تفضيلا للقوات الجوية في الجيش. وأفراد هذه القوات يحتلون مناصب مركزية في هيئة الاركان بصورة متزايدة. وهذا ليس صدفة. عودة اشكنازي الي الساحة ستعيد النقاش والجدل من جديد، والحرب في لبنان ستفرض ذلك مرة اخري.ولم يكن صدفة أن القيادة السياسية حددت لهذه الحرب أهدافا بعيدة وطموحة جدا في البداية، لأن اولمرت اعتقد أن الضربات الجوية قادرة علي أداء المهمة، وقدر أنها ستنتهي خلال اسبوعين تقريبا. والسؤال هنا هو ما هي المعلومات الاستخبارية التي بُنيت هذه التقديرات علي أساسها؟ وبالمناسبة قام الجيش الامريكي باستنباط سياسة التركيز علي القوات الجوية في الحرب منا، لذلك لم يكن غريبا أن تُعبر بعض أطراف الادارة الامريكية عن خيبة أملها العميقة من الانجازات العسكرية التي جلبتها اسرائيل الي طاولة المباحثات السياسية. هذه الانجازات جيدة، ولكنها ليست كافية لتحريك عملية سياسية قوية. الامريكيون أنفسهم استيقظوا من هذا التصور وزادوا من قوتهم البرية في بغداد الكبري بما فيها قوات الاحتياط الحرس الوطني .في هذه الحرب تم تحقيق انجازات لا بأس بها، وقد تخللتها فصول مشرقة. اذا تمخضت المساعي السياسية عن الثمار التي تسعي اليها اسرائيل، فسيكون للجهود العسكرية إسهام حاسم في ذلك. ولكن من المحظور أن تنتهي هذه المعركة بقيام الضباط بالتربيت علي ظهور بعضهم البعض. يتوجب علي المستوي السياسي أن تُستخلص العِبر حول علاقة المجتمع بالجيش والتآكل في الميزانية الأمنية وقانون الاحتياط وتقصير الخدمة. علينا جميعا أن نستيقظ. حزب الله لن يختفي، والمناطق ما زالت من ورائنا، وما زلنا بعيدين عن الشرق الاوسط الجديد.اليكس فيشمانالمراسل العسكري للصحيفةيديعوت احرونوت) 4/8/2006