من جاكسون إلي كوندوليزا حدود السواد الأمريكي
عزت القمحاويمن جاكسون إلي كوندوليزا حدود السواد الأمريكيفي حقبة سابقة من التاريخ الأمريكي كان منظر الرجل الأسود مرتديا بدلة كفيلاً بإثارة الذعر في بعض المناطق، وكانت إحدي حجج الفصل العنصري هي منع التلوث الذي يمكن أن يسببه السود، وبعد كل التضحيات صار واضحاً أن السود لن يتنازلوا عن حقهم في المساواة وتعلم البيض كيف يحتضنون الفروق التي كانت تزعجهم من قبل. ووجد البيض في الموسيقي والملاكمة والجري مجالات ثلاثة يمكن أن تمثل طبقة الشيكولاتة الرقيقة التي تزين وجه الكعكة البيضاء. كانت البلوز موسيقي تلبي حاجة الباحثين عن الثقافات الأصلية، بينما كان واضحاً أن توجيه السود إلي الملاكمة والجري نوع من الالتزام بصورة الأسود المجرم الذي يجب منحه الفرصة لتصريف العنف في رياضة تحمله إلي آفاق الشهرة والمجد. وسرعان ما اتحد الهدف الدعائي مع البراغماتية التسويقية وأصبح لهذه المجالات آلياتها التسويقية، فتحولت إلي سلعة يجني منها البيض أصحاب شركات الإنتاج ومحطات التليفزيون المزيد من الأرباح.لم يكن صعود الغناء والموسيقي السوداء والحفاوة بالملاكمة إذن دليلا إيجابيا لصالح العدالة، فهذا الحصار داخل صناعة الترفيه ليس إلا دليلاً سلبياً جديداً علي بقاء الحالة العنصرية مع تغطيتها بزعم تحقيق العدالة. كما أن استعراض الوجوه التي برزت من الستينيات وحتي الثمانينيات نجد أن الوجهين الأبرزين هما محمد علي كلاي ومايكل جاكسون. كلاي الذي كان يصفه معجبوه البيض بـ أقل السود سوءاً وربما أقل السود سواداً، كذلك كان مايكل جاكسون أكثر السود بياضاً وولعاً بالبياض!ويبدو أن المجتمع الأمريكي كلما أوغل في عنصريته ويمينيته كلما ازداد احتياجه إلي الأقنعة. ولايمكن أن تكون مصادفة تصعيد اثنين من السود إلي مناصب عليا في إدارة بوش هما كولن باول وكوندوليزا رايس.ويقدم باول نفسه لقرائه، باعتباره واحداً من ملايين الأطفال السود الفقراء ممن لايبدو في البداية أن ثمة مستقبلاً ينتظرهم، يقول في سيرته الذاتية إن قصتي هي قصة طفل أسود غير واعد من عائلة مهاجرة محدودة الإمكانيات. إنها قصة الخدمة والخدمة في الجندية. إنها قصة الناس الذين ساعدوني لأصبح ما أنا عليه. إنها قصة استفادتي من الفرص التي خلقتها تضحيات الذين جاؤوا قبلي والتي ربما سيستفيد منها الذين سيأتون من بعدي . إذن يستطيع كل طفل أسود أن ينتظر مستقبلاً كالذي ناله باول حتي ولو لم يكن ذلك واضحاً في البداية، لأن الناس الذين يساعدون موجودون وسوف يساعدونكم عندما تحاولون!باول ابن المهاجرين من جامايكا ليس شديد السواد وكان تصعيده ليصبح مستشاراً للأمن القومي في عهد ريغان الذي تولي تقويض الاتحاد السوفييتي، وليس من قبيل الصدفة أن يعود ليصبح مستشاراً للإمن القومي فرئيساً لأركان الجيش الأمريكي في حرب الخليج الثانية، فوزيراً للخارجية، قبل أن يستقيل طلباً للراحة، ويحظي ببعض المبالغات العربية ـ كالعادة ـ التي اعتبرت استقالته احتجاجاً علي ما يجري في العراق المحتل!ويبدو أن اليمين الأمريكي رأي في السود (الأقل سواداً) فرصة لمزيد من إحكام القناع علي الوجه الأبيض، إضافة إلي اكتشاف إخلاصهم في التنفيذ الذي قد يفوق إخلاص البيض طبقاً لاليات التقمص واستعارة الخطاب.إذن السود لم يعودوا يصنعون الترفيه فقط، بل يصنعون سياسة الولايات المتحدة، وكانت تجربة باول مشجعة علي الاستعانة بكوندوليزا التي اتخذت المسار ذاته تقريباً، باستثناء رئاسة أركان الجيش، فقد سلمها بوش الأب الملف الروسي في الأمن القومي، قبل أن يسلمها ابنه الأمن القومي كله، فوزارة الخارجية. وكلاهما (باول وكوندوليزا) ليسا من بين وزراء الخارجية الذين فرضوا حضورهم المستقل كهنري كيسنجر مثلا، لكنهما منفذان جيدان لحماقات بوش وإدارته البيضاء، ويقال إن سر تمسك بوش بكوندوليزا أنها الوحيدة من بين مساعديه التي تستطيع أن تحتفظ بداخلها بإحساسها بغبائه، وتعامله كما لو كان ذكياً!ولم يترك البيض سيرة كوندوليزا بعيداً عن الاستغلال، فهي نموذج آخر من نماذج النجاح الممكنة للسود، وقد اقتربت من نبوءة أبيها عندما كانت طفلة: (علي الرغم من استحالة تناولك للهامبرغر في وولورث فإنك يمكن أن تكوني رئيسة للولايات المتحدة). لتمنع إذن من ناول السندويتشات في الأماكن الراقية، فالمستقبل يحمل لها أرقي مكان أمريكي، وإن لم تكن نبوءة الأب قد تحققت بكاملها، فقد صارت كوندوليزا المحرك الأساسي لساكن البيت الأبيض.ولم تحصل كوندوليزا علي وضعها كمنحة وبمساعدة الطيبين كما في حالة باول، بل نتيجة نضال شاق، تسجله سيرتها، حيث انتزعت أمها حق الطفلة كوندي في تجربة فستان بالمكان المخصص للبيض في أحد المتاجر!لكن كوندوليزا التي تجيد التقمص فرطت في نضال أمها في المحال التجارية ودعاء أبيها رجل الدين في الكنيسة، رافضة دعوات بعض السود كالقس جيسي جاكسون لإلزام أمريكا بدفع تعويضات عن الرق، باعتباره قصة قديمة يجب أن تنتهي، ليتفرغ الأمريكيون السود إلي تعليم أبنائهم، لكنها لم تفعل شيئاً من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل، بل تفرغت لتحقيق إرادة اليمين الأمريكي والعنصرية الصهيونية بإبادة أطفال لبنان! 0